فهرس الكتاب

الصفحة 1523 من 3028

والاجتماعي للأمة الإسلامية ، فبرزت القومية الهندية ، والفارسية والفرعونية والكردية والبربرية ، إلى غير ذلك من دعوات عملت على تعميق الهوة والاختلاف ، وإشعال جذوة الصراع الفكري والعقدي بين مسلمي الجناحين ؛ فلا يصح في عقل ولا منطق أن تتجاوز كل من القاديانية في قاديان ، والبهائية في شيراز حدودهما الجغرافية من بلاد فارس ، وما كان دعاتها المؤسسون سوى بقايا الشعوبية الحانقة على الإسلام ، فإذا كانت اليهودية العالمية بشهادة الوثائق هي التي بشرت بالبهائية والقاديانية وروجت لهما حتى تكاثرت خلاياهما في عالم اليوم ، فكيف استطاعت هاتان النحلتان أن تغزوا فكرنا المعاصر من حيث لا ندري ، وقد أعيا اليهود منذ القدم أن تنفذ إليه ، فكيف أفلحت إذن كل من هاتين النحلتين الآسيويتين ؟ بلا شك أنه عمل صهيوني خطير قصد منه تمزيق أواصر الوحدة الفكرية التي نعم بها المسلمون قرونا طويلة .

وفي إطار تمزيق الوحدة الفكرية الذي بدأ مع ليل الاستعمار البغيض ، أصبحت بلاد المسلمين مرتعا خصبا للإرساليات التبشيرية ، والبعثات العلمانية الأجنبية من كل جنس وملة ، فنشبت أظفارها في ديارنا تتولى أبناء المسلمين منذ نعومة أظفارهم وتتعهدهم بالتربية والتعليم والتثقيف لتخرجهم غرباء من وطنهم ، وقد فرطوا في عناصر أصالتهم ، وجهلوا حقائق تاريخهم .

ومما يستغرب له حقا أنه حتى بعد رحيل الاستعمار عنا ، فإن الإشعاعات الثقافية الغربية ما زالت ماثلة في عقولنا ، وما زلنا نستقي العديد منها دون أدنى تمييز بين الصالح والطالح منها ، نكرر كلام الأساتذة المستشرقين بدون وعي ، ونرجع إليهم فيما ينشرون من أبحاث ، ونأخذ عنهم كل ما يقولون ، وبين ثنايا الكتب سهاما مسمومة موجهة وجهات معينة ، الهدف منها تعميق الهوة بين مفكري الأمة الإسلامية .

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 326)

وليس من المستغرب أيضا أن يكون لبعض مفكرينا دور بارز في هذه العزلة الثقافية ، فإن كان في عالمنا العربي والإسلامي مناطق ذات جغرافيات مختلفة ، ولكل منطقة ظروفها الخاصة ، فإننا لا نخشى من هذه الخصوصيات ؛ لأنها أخيرا تصب في مورد واحد ، وبالتالي لا ضير من اختلاف المناهج الثقافية إن تعددت مواردها بشرط الاحتفاظ بأصالتها من جهة وبإمكانية انفتاحها على الثقافات الأخرى إن كان اللقاح بينهما سيؤدي في النهاية نتاجا مشتركا يحمل هوية عربية إسلامية ، ولكن مما يؤسف له أن بعض مفكرينا لم يأخذ بهذه النظرية وتمسك بأفكار مسبقة أخذت مكانتها في أذهان المفكرين ، وكأنها مسلمات أصبح من الصعب انتزاعها مع شعور بالكبر والتعالي حينا ، أو شعور بالرضا والقناعة حينا آخر ، كل في بيئته قانع بما عنده ، ولا يشعر بضرورة الانفتاح الفكري ، وتبادل التأثر والتأثير مع غيره في المشرق أو المغرب الإسلاميين .

ومن هنا أصبح من الضروري أن نلتقي للتعرف على أنفسنا ، ولا نخش مطلقا من اختلاف الآراء ووجهات النظر للتخلص أولا من العقد المتراكمة في نفوس بعضنا ، ومن الرواسب التاريخية والبيئية والقومية التي خلفها لنا الماضي القريب والاستعمار العنيد ، ثم ننهض معا بعد ذلك لتلمس أوضاعنا الثقافية والفكرية والدينية التي تعانيها اليوم أمتنا الإسلامية لنجد لها حلولا مناسبة ، تعيد إلينا ثقتنا بأنفسنا ، وترد إلينا عزتنا وكرامتنا ، ونتحول بها تحولا كبيرا ، ولا عجب في ذلك ، فإن التحولات الكبرى في العالم بدأت من المثقفين وأصحاب الفكر وأرباب الأقلام في كل أمة .

ومما يحمد حقا أن الله قد من على أمتنا بنخبة من المفكرين والمثقفين في شتى مجالات الفكر الإسلامي موزعين في الجناحين: الشرقي والغربي ، وجميعهم يمكن أن يناط بهم دور قيادي أمام جماهيرنا العربية والإسلامية ، يعملون على هدم الجدار القائم بين هذين الشطرين ، ويساعدون على تخفيف العزلة ، وتيسير الأوضاع والعقليات في بلادنا .

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 327)

وفي اعتقادي أن للحرمين الشريفين رسالتهما المهمة في تخفيف هذه العزلة الفكرية التي ابتليت بها أمتنا العربية والإسلامية ، والتي تعد في نفس الوقت من أخطر الحركات المعادية ، فإن موقع الحرمين الشريفين في ملتقى الجناحين الإسلاميين كان بمثابة همزة الوصل الفكري بين مسلمي الشرق والغرب ، والمحطم لجدار العزلة الثقافية الذي أقامه الاستعمار منذ أكثر من قرن من الزمان ، فقد كانت وفود الحجيج من قارة آسيا وإفريقيا وأوروبا تلتقي جميعها بأفكارها وعقولها ومشاعرها حول شعائر واحدة ، متجردين من كل نزعة إقليمية أو جنسية أو مذهبية ، متخذين من موسم الحج مؤتمرا إسلاميا يتدارسون فيه أوضاعهم ومشاكلهم ، ويتبصرون بالمخاطر التي تحف بهم ، وبعقيدتهم وشريعتهم الغراء ، ثم يعودون إلى بلادهم وقد ذابت العقد الفكرية تماما ، وانفتح مفكرو الشرق على ثقافة أهل الغرب ، والتقى الجميع حول معتقدات فكرية واحدة ، وأصول ثقافية إسلامية محددة ، محافظين على قيم أمتهم الكبرى والصغرى ، التي سار عليها المسلمون قرونا متطاولة ، بعيدين عن الانبهار بالثقافات الغربية أو اعتقادات أصحاب النحل الضالة .

ب ) العلمانية وتجميد المشاعر الدينية نحو المقدسات:

تشكل العلمانية خطرا داهما على الإسلام والمسلمين بوجه خاص ، وعلى سائر الديانات بوجه عام ، وتكمن خطورة هذه الدعوة في شعارها الذي تنادي به دوما ، وهو فصل الدين عن الدولة ، والذي ينعكس بالتالي على الإسلام والمسلمين ، فهم يرون أن الدين له مجالاته في العبادات والشعائر ، بينما للعلم وللعلماء قيادة الركب الحضاري والسياسي في الدولة ، ولا يخفى على أحد أن لهذه الدعوة آثارها السلبية في تجميد المشاعر الدينية ، والانزواء بها بعيدا عن تيارات الحياة مما أدى إلى تفشي المادية ، والاستغراق في اللذات ، وغياب القيم الروحية ، والانفلات عن كل التزام بدعوى التطور العلمي والتقدم التكنولوجي ، وإن كان الأمر يفضي

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 328)

إلى ذلك ، فما جدوى الحج وتكبد المشاق في سبيله ؟ هل يعود بفائدة على أولئك الذين رانت المادة على قلوبهم وانطفأت معها كل جذوة دينية ؟ الإجابة على هذا التساؤل أعتقد أننا نعرفها جيدا ؛ لأن الحج ركن من أركان الإسلام ، وأن الدين الإسلامي برمته في نظرهم لا مكانة له عند العلمانيين .

ومن الغريب أن تطالعنا العلمانية هذه الأيام بتفسير عصري للقرآن الكريم ، تستخدم فيه لغة الكمبيوتر ، فنرى العلماني الدكتور محمد رشاد خليفة خبير التنمية الصناعية بالأمم المتحدة ، وإمام مسجد مدينة توسان الأمريكية ، في طبعة دار الفكر بدمشق لمحاضراته التي ألقاها بالكويت بعنوان"تسع عشرة دلالة جديدة في إعجاز القرآن"قال بعد أن لفت الأنظار إلى أن عدد حروف البسملة تسعة عشر ، وأنه عندما تتبع كلماتها وجد أن كل كلمة فيها مضاعفة عن العدد 19 على النحو التالي:

كلمة اسم تتكرر 19 مرة .

لفظ الجلالة ( الله ) يتكرر في القرآن 2698 مرة ، وهو 19 × 142 .

كلمة الرحمن تتكرر في القرآن 57 مرة ، وهو 19 × 3 .

كلمة الرحيم تتكرر في القرآن 114 مرة ، وهو 19 × 6 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت