فهرس الكتاب

الصفحة 1522 من 3028

إذن فإن دوافع الحروب الصليبية والتي أطلقوا عليها الحرب المقدسة لم تكن دوافع اقتصادية أو سياسية أو حربية بقدر ما كانت دوافع أملاها الحقد والكراهية والتعصب الأعمى البغيض ؛ فهي حرب أمة تجاه أمة ، وحرب دين تجاه دين ، وتشير أحداث التاريخ إلى محاولات الصليبيين المتكررة لغزو بلاد الحجاز ، ففي عام 577هـ قامت المحاولة الأولى بقيادة أرناط صاحب إمارة الكرك ، وكان هدفه الأساسي من الغزو هو ضرب المسلمين في مقدساتهم - الحرمين الشريفين - والاستيلاء على طريق الحج البحري والسيطرة عليه ، ولكن باءت هذه الحملة بالفشل بعد أن تصدى لها الأيوبيون ، ثم تكررت محاولته الثانية في العام التالي إذ تمكن الصليبيون من النزول بأسطولهم على ساحل الحوراء قرب ينبع ، وغزوا المناطق المجاورة وجدوا في المسير حتى أصبحوا على بعد مسيرة مرحلة واحدة من المدينة المنورة ، يريدون دخولها ونبش قبر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإخراج جسده الطاهر من قبره ، ثم نقله إلى بلادهم ودفنه عندهم حتى لا يستطيع المسلمون زيارته أي زيارته من المدينة أو بدون شد رحل ، بخلاف الزيارة مع شد الرحل ؛ فإن الصحيح عدم جوازها . ، إلا أنهم لم يحققوا أهدافهم ، وحفظ الله نبيه من كيدهم ، وحلت بهم الهزيمة والأسر على أيدي صلاح الدين ورجاله ، وجعل منهم عبرة لكل من تسول له نفسه بالاعتداء على الحرمين إذ أمر بنحر بعضهم في منى كما تنحر الهدي ، ثم أمر بقتل الباقين بعد أن طيف بهم في

شوارع مدينة الأسكندرية عام 578هـ .

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 322)

وقد يخطئ من يظن أن الحقد الصليبي على الإسلام والمسلمين انتهى بانتهاء الحروب الصليبية ، وإنما هو باق إلى يومنا هذا ، وإن كان قد أخذ شكلا مغايرا لما كان عليه ، فإن من أبرز مظاهره اليوم هو تنصير المسلمين ، تلك الحركة الخبيثة التي باتت تستشري في بعض بلدان العالم الإسلامي لاستئصال الإسلام نهائيا من النفوس .

يقول المبشر رايد:"إنني أحاول أن أنقل المسلم من محمد إلى المسيح ، ومع ذلك يظن المسلم أن لي في ذلك غاية خاصة ، أنا لا أحب المسلم لذاته ، ولا لأنه أخ لي في الإنسانية ، ولولا أنني أريد ربحه إلى صفوف النصارى لما كنت تعرضت له لأساعده".

ويقول المبشر الألماني"كارل بكر":"إن الإسلام لما انبسط في العصور الوسطى أقام سدا في وجه انتشار النصرانية ، ثم امتد إلى البلاد التي كانت خاضعة لصولجان المسيحية".

ومن هنا يتضح أن حركة التنصير التي تقوم بها المسيحية اليوم في بلاد المسلمين ، ما هي إلا إحدى مفرزات الحركات الصليبية إبان القرون الوسطى ، وإن كانت الحروب الصليبية قد استهدفت قديما عداء سافرا وهجوما مباشرا على الحرمين الشريفين ، وأثبتت في ذلك فشلا ذريعا ، فإن خلفاء الصليبيين اليوم من المبشرين بالمسيحية قد غيروا من هذا الأسلوب المباشر بعد أن ثبت لأسلافهم فشله ، وعولوا على اتباع أسلوب أكثر خبثا يتسم بالمرونة والملاينة ، فهم لا يودون تهييج المسلمين بالطعن في مقدساتهم ، وإنما يخمدون وهجها من قلوبهم بمخطط رهيب ينفذ بكل دقة ، ويقوم على مرحلتين أساسيتين: تبدأ الأولى بأعمال التذبذب ، ثم تسلم إلى المرحلة الثانية ، والتي سموها بأعمال الهدم ، ويوضح لنا المبشر الفرنسي"شاتليه"أبعاد هاتين المرحلتين في مقدمة كتابه"الغارة على العالم الإسلامي"يقول عن المرحلة الأولى:"ولا ينبغي أن نتوقع من جمهور العالم الإسلامي أن يتخذ له أوضاعا وخصائص أخرى إذا"

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 323)

هو تنازل عن أوضاعه وخصائصه الاجتماعية ، إذ الضعف التدريجي في الاعتقاد بالفكرة الإسلامية ، وما يتبع ذلك الضعف من الانتقاض والاضمحلال الملازم له سوف يقضي بعد انتشاره في كل الجهات إلى انحلال الروح الدينية من أساسها لا إلى نشأتها بشكل آخر"."

أما عن المرحلة الأخرى وهي الهدم فيقول:". . . ولكننا نعود فنقول: إنه مهما اختلفت الآراء في نتائج أعمال المبشرين من حيث الشطر الثاني من خطتهم ، وهو"الهدم"، فإن نزع الاعتقادات الإسلامية ملازم دائما للمجهودات التي تبذل في سبيل التربية النصرانية ، والتقسيم السياسي الذي طرأ على الإسلام سيمهد السبل لأعمال المدنية الأوروبية ، إذ من المحقق إن الإسلام يضمحل من الوجهة السياسية ، وسوف لا يمضي غير زمن قصير حتى يكون الإسلام في حكم مدينة محاطة بالأسلاك الأوروبية".

هذا هو الخطر المعادي الثاني ، والذي يتمثل في الحقد الصليبي في العصور الوسطى ، وما تمخض عنه اليوم من حركات تنصيرية أخذت طريقها في بلاد المسلمين .

ثالثا: مواجهة الحرمين الشريفين للتحديات المعاصرة .

يواجه الحرمان الشريفان اليوم تحديات كثيرة ، البعض منها يمسها مباشرة ، والبعض الآخر يمس الإسلام: عقيدته وشريعته ، وتاريخه ولغته ونظمه وثقافته وفكره ، والبعض الثالث يستهدف المسلمين أنفسهم ؛ لكسر شوكتهم وتمزيق صفهم ، وإبعادهم عن دينهم الحنيف ، وانتزاعهم من ماضيهم المجيد ، وليس بخاف على أحد أن التحديات الثلاثة تعمل جميعها في مخطط واحد ، تعاونت قوى الشر والضلال على تنفيذه بكل دقة ، فجندت له كل عربيد خارج عن الدين ، وشحذت له كل لسان متفوه ، واستأجرت له كل قلم مريب ، ثم نفخت في كير كل دعوة منشقة عن

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 324)

الإسلام ، وقدمت لها الدعم المالي والسياسي في كثير من أرجاء عالمنا الإسلامي .

وقد تسربت هذه التحديات جميعا إلى عقول المسلمين في غفلة منهم ، فإن ما تمر به أمتنا الإسلامية اليوم كان حصاد قرن من الزمان ، عمل خلاله الاستعمار العسكري الأوروبي بتوجيه الصهيونية العالمية لحسابه ، وتمكنت من اقتطاع فلسطين لحسابها ، ودبرت الجولات الثلاث مع إسرائيل ، حصدت فيها ثلاثة أجيال من الأمة ، وأشعلت نار الحرب في أماكن إسلامية أخرى: كحرب الصحراء المغربية ، وحرب الصحراء المغربية وحرب الخليج ، واحتلال أفغانستان ، مع عربدة على الساحة العربية في غزة والضفة الغربية للأردن والجولان ، وتهويد بيت المقدس ، واحتلال جنوب لبنان ، ومذابح صبرا وشاتيلا والبقاع .

وفي ظل العتمة الحالكة التي شغلت المسلمين عن وجودهم المعنوي جاء الغزو الفكري الجائح للموقع الديني برمته: مقدساته وفكره ومعتنقيه ، مستهدفين قبل كل شيء ذلك الحصن المنيع الذي يعد مناط الأمة وأساس وجودها وبقائها . فماذا أعدوا لذلك ؟

أ - العزلة الفكرية بين جناحي الأمة الإسلامية .

لعبت عوامل كثير في اصطناع هذه العزلة وفرض جدار قوي يحول دون التبادل الثقافي والفكري بين جناحي الأمة الإسلامية في المشرق والمغرب ، ومن هذه العوامل ما هو تاريخي يعود إلى جذور شعوبية أو عصبية بغيضة قضى عليها الإسلام بتعاليمه السمحاء ، ومنها ما يعود إلى الاستعمار وحلفائه من الصهاينة والماسونية والماركسيين الذين دعوا إلى ظهور الدعوات المختلفة لتعميق الهوة الفاصلة بين رقعة العالم الإسلامي ، وترسيب كثير من الرواسب التي ساهمت في إثارة مواقف فكرية مضادة ، كان مؤداها ظهور القوميات التي مزقت الكيان الفكري

(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 325)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت