مما تقدم يتضح أن الحجازيين لم يعانوا من فراغ سياسي كما تردد حولهم ، وأن لخدمة الحرمين أثرها الكبير في توطيد أركان الممالك الإسلامية التي قامت آنذاك ، ومن ثم انشغل الحجازيون بعلاقات سياسية على أعلى مستوى ، كما كان لهم أيضا دورهم الديني في هذا الصدد ، إذ تسنموا قمة التوجيه الديني لشعوب العالم الإسلامي ، فقد عاش في المدينة أبناء الصحابة - رضوان الله عليهم - وأبناء التابعين ، وكانت وفود طلاب العلم من المشرق الإسلامي ومغربه تصل إليهم للتتلمذ على أيديهم ، وتدوين أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - فيجاورون الحرمين ، وينتظمون في حلقات العلم بالمسجد النبوي والمسجد الحرام ، وظلت هذه الحلقات تقوم بدورها الكبير في تطوير الأمة الإسلامية فكريا وحضاريا ، وربطها بالعقيدة الإسلامية الصحيحة ، وكان الإمام مالك - رحمه الله - من أبرز معلمي المسجد النبوي في مطلع القرن الثاني الهجري ، إذ تتبع منهاج الرسول - صلى الله عليه وسلم ، وسار طلابه على منهاجه ، حتى تكونت مدرسته الفكرية الفقهية التي تعرف بمدرسة عالم المدينة ، والتي نهجت هي أيضا منهج السلف
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 318)
والجماعة ، وابتعدت عن القياس والتأويل ، والتزمت بظاهر النص مع معناه الأصيل .
ولم يقف تأثير فكر عالم المدينة على أهالي الجزيرة العربية والمشرق الإسلامي ، بل امتد ليؤثر في المغرب والأندلس وشعوب غرب أوروبا ؛ وذلك ليحمي أمة بأكملها من زيغ الزائفين وضلالات المضللين ، إذ كان لبعد هذه البلاد عن مراكز الإسلام الإشعاعية في المشرق الإسلامي ولا سيما الحرمين الشريفين ، كما كان لضعف السلطة المركزية في بغداد في أن تتعقب أصحاب النحل الضالة التي فرت إلى المغرب ، قد شجع أصحاب هذه النحل أن تتخذ من بلاد المغرب أوكارا تعشعش فيها دعواتهم المنحرفة .
وشاء الله لهذه البلاد أن تنجو من تلك المهالك إذ هيأ لها رجالا أشداء مخلصين تمذهبوا بمذهب عالم المدينة ، وعرفوا منه الدين على أصوله الصافية ، إذ كانت رحلة المغاربة إلى المدينة لا تنقطع سواء في مواسم الحج أو طلبا للعلم .
ولم يمض وقت طويل حتى تكونت في بداية القرن الثالث الهجري النواة الأولى لمدرسة القيروان التي لمعت في دراسة الفقه المالكي ، وفي تصنيفه ، وفي الإفتاء به ، ومن أشهر الفقهاء المؤسسين لهذه المدرسة: الإمام سحنون وابنه محمد ، وابن عيدروس ، وابن الحداد ، وغيرهم كثيرون يشهدون بفضل عالم المدينة المنورة ، وبعلمه الصحيح .
ولم يقف تأثير فكر عالم المدينة المنورة على الشمال الإفريقي ، بل امتد أيضا ليشمل بلاد الأندلس في غرب أوروبا ، إذ لمس الأندلسيون عند مرورهم بالقيروان متجهين إلى الحج مدى الازدهار العلمي والثقافي الذي تعيشه القيروان في رحاب فكر عالم المدينة ، حينئذ شدوا رحالهم إلى المدينة لتعلم الفقه المالكي ، وأخذ العلم من منابعه ، ثم عادوا إلى بلادهم
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 319)
يحملون نسخا من الموطأ بعد أن درسوه واستظهروا أحكامه ، ولم يمض وقت طويل حتى تأسست مدرسة قرطبة الفقهية محمد محمد إبراهيم زغروت . رسالته للدكتورة ص228 . التي شاركت أختها القيروانية الفكر الديني ، والأخذ بآراء أهل السنة والجماعة ، وبادلوهم التأثر والتأثير في كثير من القضايا الفكرية والدينية والسياسية ، الأمر الذي أدى إلى تساند أهل السنة في البلدين في إطار الوحدة العقدية لمذهب عالم المدينة للوقوف في مواجهة فتنة المذاهب الدخيلة ، ولا سيما المذهب الإسماعيلي الذي ابتلي به البلدان المسلمان .
فقد حاول الفاطميون فرض مذهبهم بشتى الوسائل ، وذلك في إطار خطتهم الشاملة لحكم العالم الإسلامي ، ولكن أهل السنة في هذه البلاد لم يستسلموا مطلقا ، وشرعوا يواجهون دعاة المذهب الإسماعيلي مواجهة سطرها التاريخ بأحرف من نور ، إذ انبرى فقهاء المالكية في البلدين يناظرون فقهاء الباطنية مناظرات علمية كتبت لها الظفر والتفوق ، ومكنتهم من كشف أضاليلهم أمام الناس ، ولم تقتصر المواجهة على المناظرات العلمية ، وإنما اتخذت أشكالا أخرى منها المقاطعة الجماعية ، والمواجهة العسكرية حتى فشل الفاطميون في نشر مذهبهم في المغرب والأندلس ، وكان هذا سببا من الأسباب التي اضطرتهم للرحيل نحو بلاد المشرق واحتلال مصر .
إذن كان الدور الفكري للمسجد النبوي وعالمه مالك كبيرا ، إذ امتد تأثيره وإشعاعاته الإيمانية ليصون أمة إسلامية في الشمال الإفريقي والأندلس من خطر النحل الضالة ، والاتجاهات الهدامة ، فقد ظل ذلك المذهب حتى يومنا هذا قلعة حصينة من قلاع أهل السنة ، ومنبرا من أهم منابر الفكر الإسلامي الصحيح في هذه البلاد .
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 320)
ب ) الصليبيون وإعلاء المقدسات المسيحية:
كان المد الإشعاعي للحرمين الشريفين كما عرفنا بعيدا وعميقا حتى بدد دياجير الظلم والإلحاد في بقاع كثيرة من المعمورة ، وأنقذ شعوبا كانت مقهورة تحت سلطان الكنيسة في العصور الوسطى ، واعتنقوا الإسلام عن رغبة واقتناع أكيدين ، كان من أبرز مظاهره ارتباط تلك الشعوب بالأماكن المقدسة الإسلامية وإعراضهم عن الكنيسة ، ومقدساتها المزعومة ، مما أوجد قلوب رجال الدين الأوروبيين على الإسلام ومقدساته ، مما زاد من غضبتهم الغاشمة ذلك الاحتكاك الثقافي والفكري الذي تأثرت به بعض الشعوب الأوروبية عن طريق الأندلس والشمال الإفريقي وصقلية وجنوب إيطاليا ، وحاول هؤلاء المتأثرون إقامة حياتهم في أوروبا على ضوء المفاهيم والقيم والمعارف التي وجدوها عند المسلمين ، ولكن الكنيسة وقفت ضد هذه الحركة العلمية التي بدأت تأخذ طريقها إلى سائر الشعوب الأوروبية لسببين:
الأول: خوفها على مكانتها في نفوس الأوروبيين ، إذ بانتشار العلم يزداد وعي الشعوب ، وتتفتح أعينهم على خرافات رجال الدين المهيمنين على حياة هذه الشعوب آنذاك .
ثانيا: خوفها من انتشار الإسلام مع الحركة العلمية المنقولة عن الجامعات الإسلامية وعلمائها .
ولكي تضع الكنيسة حدا لمؤثرات الإسلام الفكرية والعلمية التي باتت خطرا يهدد مصالحها ؛ انبثقت الدعوة للحروب الصليبية ، وحشدت لحروب المسلمين أعدادا غفيرة من رجالات الدين والحاقدين على الإسلام من كافة أرجاء القارة الأوروبية ، وأضفوا عليها طابعا مقدسا ، وسموها بالحروب المقدسة ، وقد ظلت تلك الحروب قرابة قرنين من الزمان من القرن الحادي عشر إلى الثالث عشر الميلادي جاثمة بكلكلها على جناحي الأمة الإسلامية في المشرق والمغرب على السواء ، وفي آن واحد ،
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 321)
استهدفت أول ما استهدفت النيل من مقدسات المسلمين في الحرمين الشريفين ، وذلك بانتزاع الأماكن المقدسة المسيحية في القدس من أيدي المسلمين ، وإثارة الطوائف المسيحية ضد الإسلام والمسلمين ، وبعد أن يتم لهم ذلك ويقيموا مملكتهم في بيت المقدس يباشرون جهودهم في تنصير المسلمين ، واقتلاع الإسلام من نفوسهم ، وإحلال المسيحية محله ، وحينئذ تأخذ المقدسات المسيحية صدارتها ، وتتجه أنظار العالم نحوها .