ولم تقتصر رسالة الحرمين على مواجهة النحل الضالة وقطع دابرها من الأرض ، وإنما لمن يقوم بخدمتها دور قيادي باعتباره الممثل الشرعي للمسلمين ، والجامع لكلمتهم ، والمعبر عن آمالهم ، وهذا الدور الطليعي ينبغي أن يؤتي ثماره في المجالين الإسلامي والدولي ، وعلى كافة محاور الأنشطة الدينية والسياسية والحربية والتعليمية والاجتماعية والاقتصادية ، وهذا الدور الطليعي الذي يضطلع به من يقوم بخدمة الحرمين ليس هو وليد اليوم ، وإنما هو تكليف شرعي شرف الله به كل من قام بخدمتهما في كل عصر ، منذ أن قامت دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة إلى أن يشاء الله ، فإن الحرمين الشريفين ليسا نصبين تذكاريين ، وإنما هما معنيان من المعاني الخالدة ، ولا تقوم للمسلمين قائمة بدونهما ، بل لا تكتمل الشخصية القانونية والشرعية لدولة إسلامية كبرى تجمع المسلمين جميعا ، إن لم يكن الحرمان الشريفان رمزا لها ، ولنا في رسولنا الكريم والخلفاء الراشدين من بعده الأسوة الحسنة ، فقد اتخذوا من مسجد الرسول - صلى الله عليه وسلم - مقرا للدولة الكبرى التي أقاموها ، وقد أدى المسجد النبوي دوره كاملا دون نقصان إذ انبعثت منه المؤثرات الدينية الصحيحة إلى كافة المسلمين في المشرق والمغرب ، ومنه عقدت ألوية المجاهدين الذين انساحوا في الأرض لتمكين منهج الله ، وإليه وفدت وفود الأمم ومبعوثوها لعقد المعاهدات والهدن وإبرام الصلح ، كما كانت تفد إليه وفود الأمصار الإسلامية برئاسة ولاتها لأداء فريضة الحج وزيارة المسجد النبوي ، ثم يلتقون بالخليفة كل على حدة ؛ ليتلمس مشكلات المسلمين في بلادهم البعيدة ، ويطمئن على عدالة الحكم وإيصال الحقوق إلى أصحابها ، إنه بحق دور ريادي لراعي الحرمين ينطلق من المصلحة العليا للمسلمين بصفته الممثل الشرعي لهذه الأمة ، والقادر على توصيل هذه المثل إلى جميع المسلمين في بقاع الأرض ، والحارس على سلامتها وصحتها من كل بدعة أو اتجاه هدام .
ثانيا: مواجهة الحرمين الشريفين للحركات المعادية قديما:
إن الحركات الهدامة التي تعرض لها الحرمان الشريفان قديما كثيرة ومتعددة ، بدأت مع أصحاب الفيل قبل الإسلام ، ثم مع جماعة عبد الله بن سبأ وغيره من اليهود الذين حقدوا على الإسلام ، ولا سيما بعد تغير اتجاه القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة ، ثم مع الباطنية وفرقها منذ عهد مؤسسها ميمون القداح وابنه عبيد الله ، ثم مع حملات الحقد
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 315)
من الصليبيين الذين أرادوا إحياء مقدساتهم في القدس الشريف ، وقد حاولوا الهجوم على الحرمين الشريفين أكثر من مرة ، وسوف أعرض في عجالة لأهم هذه الحركات وأخطرها .
أ ) مقولات من الغزو الفكري حول مكانة الحرمين:
الحقيقة أن هذه قضية من القضايا المهمة التي لها أبعادها في التاريخ الإسلامي لبلاد الحجاز ، والتي ينبغي أن يعاد فيها النظر مرة أخرى ، فإن ما تردده بعض الأقلام المعاصرة من أن الحجازيين ولا سيما أهل المدينة قد عانوا فراغا سياسيا بعد انتقال عاصمة الدولة الإسلامية من المدينة المنورة إلى دمشق ثم بغداد ، ثم القاهرة ، ثم الأستانة ، وأن هذا الفراغ قد دفع بأهالي المدينة إلى الاستعاضة عن دورهم السياسي بالغناء والطرب ، وانتشار شعر الغزل بكافة أنواعه حسن إبراهيم حسن تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي ، المجلد الأول ص532 - 536 . .
إن مثل هذه الروايات في تقديري تعد من قبيل الغزو الفكري الذي ابتلي به المسلمون ، وأراد منه المغرضون تشويه التاريخ الإسلامي ، ولا سيما تاريخ الأنصار أبناء الصحابة والتابعين وتابعي التابعين .
قد نسلم بأن انتقال عاصمة المسلمين من المدينة المنورة قد أثر على مكانتها السياسية ، إذ استحوذت كل من دمشق ، ثم بغداد ، ثم القاهرة ، ثم الأستانة جل الأنشطة السياسية للخلفاء باعتبارها حواضر الدول الإسلامية آنذاك ، ولكننا لا نسلم بالفراغ السياسي جملة ، كما لا نسلم بأنه أدى إلى انحراف الحجازيين إلى مثل هذه الأنشطة الدنيوية اللاهية .
فمن المعلوم تاريخيا وفكريا أنه على الرغم من خلو المدينة المنورة من مركز الزعامة السياسية ، إلا أنها هي ومكة المكرمة حزتا الزعامة الدينية للعالم الإسلامي كما شهدت المدينتان معا ثقلا سياسيا من نوع خاص بجانب زعامتهما الدينية تلك ، وإن كان هذا الثقل السياسي
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 316)
للحجازيين يأتي في إطار علاقتهما بالخلافة الأموية ثم العباسية ثم الحكام الفاطميين في مصر ، باعتبارهما وقتئذ ولايتين تابعتين للخلافة ، إلا أن الثقل الديني والسياسي لهما قد أوجد نظرية فكرية وسياسية تبلور مفهومهما إبان القرن الرابع الهجري ، حين شهدت بلاد الحجاز صراعا من قبل الخلافة العباسية والحكام الفاطميين على الظفر برعاية الحرمين الشريفين ، إذ أصبح من المسلم به في الأوساط الرسمية والشعبية أن الخليفة الشرعي الممثل للمسلمين هو من دعي له على منابر مكة والمدينة ؛ وبذلك يضفي على خلافته صفتها الشرعية ، ويمتلك منبرا قويا للتأثير على مشاعر المسلمين الذين احتشدوا من كل فج عميق لأداء فريضة الحج ، ومن يتتبع علاقات الحجازيين بالخلافة العباسية والدولة الفاطمية ثم الدولة البويهية والأيوبية ، وأخيرا دولتي: بني رسول وبني نجاح في اليمن - يدرك تماما أهمية تلك النظرية بجانبيها الفكري والسياسي في تأصيل تلك الدول واتخاذها صفة الشرعية السياسية في نظر المسلمين .
ولعل هذه النظرية هي تلك التي ألهبت الصراع بين الدولة العباسية السنية والفاطميين الشيعة منذ أن قامت دولة الفاطميين الأولى في الشمال الإفريقي ، فعلى الرغم من تمذهب الفاطميين بالمذهب الإسماعيلي الذي لم يلق اهتماما من المسلمين ، إلا أنهم لم يغمضوا جفونهم عن محاولة الاستيلاء على الحرمين ، وقد بدأت محاولاتهم الأولى مبكرة في عهد عبيد الله المهدي وابنه القائم ، إذ حاول الاثنان أن يستميلا أهل الحجاز ، وعندما فشلت محاولاتهما المتكررة أوعزا إلى القرامطة بتأديبهم ، فما كان من هؤلاء إلا أن اعتدوا على الحجيج ، وامتدت أعمالهم التخريبية إلى الكعبة - صانها الله ، وعلى ما يبدو فإن عبيد الله المهدي لم يرقه الظفر برعاية الحرمين بهذا الأسلوب الذي أحنق عليه المسلمين جميعا ؛ فنراه يسارع بإظهار الاستياء ، وإنكاره الشديد لهذا الحادث ، ويبعث برسالة شديدة اللهجة إلى مدبره ، قائلا فيها:"سجلت علينا في التاريخ نقطة سوداء لا تمحوها الليالي والأيام"، ثم يقول في موضع آخر من الرسالة:
(الجزء رقم: 24، الصفحة رقم: 317)
"قد حققت على دولتنا وشيعتنا ودعاتنا اسم الكفر والزندقة والإلحاد بفعالك الشنيعة هذه . . .".
كما هز هذا الحادث الجلل مشاعر الخليفة عبد الرحمن الناصر الأموي في الأندلس فاستشاط غضبا هو وأهل السنة في بلده لما انتهك من حرمة البيت العتيق ، وينعي على الفاطميين اشتراكهم في هذه المؤامرة ، وإعاقتهم حجيج الأندلس أثناء مرورهم بالقيروان ، ويتوعدهم قائلا في إحدى رسائله إلى بعض أمراء المغرب المتقربين إليه:". . . وهو الأمر الفادح والكارث الذي لا يحل لأمير المؤمنين ترك الغضب منه والسعي في الانتصار له ، والقيام في الذب عنه ، والتقرب إلى الله بحماية البيت العتيق وتعظيمه وتهوين من استهان به ، والله على الانتصار منهم معين إن شاء الله".