يقول الأستاذ محمد محمود الصواف: ( وفي يقيني أن الزمن الذي كان يسمى فيه الإسلام"رجعية"و"تزمتا"قد مضى وانقضى حيث تعرى خصوم الإسلام وانكشفوا وظهر زيف دعواتهم الباطلة من قومية واشتراكية وحزبية قاتلة وغيرها من فتن هذا العصر المضللة ، ورأى الناس خيبتها وخسرانها وتضييعها للأوطان وتدميرها وعبثها بحقوق الإنسان ، ورأوا عن كثب ويلاتها على العرب الذين ابتلوا بها ، بل ويلاتها على الجنس البشري في جميع أنحاء الأرض ومن دعاتها من رأى ذلك بأم عينه ، ولكنه معاند مكابر لا يعترف بإخفاقه ولا يريد الخضوع أمام غيره .
ولم يعد الإسلام"رجعية"كما كانوا يسمونه وتسميه إذاعاتهم بأصواتها المنكرة المبحوحة . . بل عاد الإسلام والناس يتلمسونه في الميدان
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 260)
ويسألون عنه في كل مكان ، ونادى به اليوم من لم يكن يعرفه بالأمس ولم يعرف عنه النداء باسمه من قبل ، وامتلأت المساجد بالوافدين الجدد وآب الكثيرون إلى الله سبحانه يسألونه العز والنصر والفرج القريب لهذه الأمة المنكوبة برجالها وشبابها وقادتها في هذا الجيل المخفق الخاسر الذي هو جيل الهزيمة المنكرة . . فإذا كثر سواد الصالحين وزاد عدد المؤمنين فبشر الأمة بالنصر المبين معركة الإسلام ص26-27 .
فالوعي الديني استيقظ في الأمة وهو في حاجة إلى من يوجهه وجهة صحيحة ليكون أساسا واحدا لجمع كلمة الأمة ويقضي على المذاهب المنحرفة والعقائد الضالة المتسللة إلى مجتمعات المسلمين .
وأما الإنحرافات الأخرى التي طرأت على عقائد المسلمين سواء في التوحيد العملي أو في التوحيد العلمي فإن ذلك يستدعي جهودا مخلصة وأقلاما صادقة تعالج تلك الانحرافات بحكمة وموعظة حسنة إذ أن أصحابها أو كثير منهم لم يتعمد الانحراف ولا يرضى به لو كشف له ، لذلك فإن مخاطبتهم يجب أن تكون بأسلوب لين وبجدال حسن .
فإذا قدر للأمة أن تجتمع في عقيدتها فإن ذلك سيفسح المجال للاجتماع والوحدة الإسلامية .
ثالثا: وحدة القيادة:
للمسلمين قيادة واحدة على مدار الزمن واختلاف المكان وتعدد المذاهب . . وكل قيادة سواها إنما تستمد شرعيتها من متابعتها لهذه القيادة والالتزام بمنهجها والسير على طريقها .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 261)
هذه حقيقة يقوى وضوحها في أذهان المسلمين كلما صفت العقيدة وقوي الإيمان .
وهي حقيقة قررها الله - عز وجل - في كتابه وأكدها في مواطن كثيرة لئلا تغفل عنها الأمة الإسلامية .
قال الله - عز وجل -: سورة النساء الآية 59 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا .
وقال عز وجل: سورة النساء الآية 115 وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا .
وقال تعالى: سورة الحشر الآية 7 وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا .
وهكذا تكرر التأكيد على هذه الحقيقة في عشرات المواضع من القرآن الكريم .
فإذا ما اتضحت هذه الحقيقة وتقررت في أذهان المسلمين فإنه يمكن أن تتحد كلمتهم وتجتمع صفوفهم .
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - هو"القائد"، والجميع أتباع له وأنصار به يتأسون ولحكمه يخضعون وإلى سنته يتحاكمون . . هذا أصل لا يمكن أن تتوحد الأمة بدون إدراكه والالتزام به . . وهذا ما يقتضيه الإيمان بالله - عز وجل -
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 262)
وإلا فإن الإيمان يبقى دعوى بدون دليل .
وكل قيادة أخرى تحاول أن تلغي هذه القيادة أو تقلل من شأنها فإنها قيادة خارجة عن الإسلام محاربة له . . بل كل قيادة تتمرد هي في ذات نفسها عن هذه القيادة أو تنحرف عن متابعتها فهي قيادة منحرفة .
رابعا: وحدة التشريع:
من الأسباب الرئيسية لتمزق الأمة الإسلامية تعدد التشريعات وتنوعها ، تلك التشريعات التي لا صلة لها بها ولا علاقة لها بدينها ، بل هي مضادة لدينها محاربة لعقيدتها . . فوقعت الفجوة بين التشريعات والواقع . . وبين القيادات والشعوب . . بل بين القيادات أنفسها . . فانعكست تلك الخلافات على الأمة الإسلامية .
وما لم يوحد التشريع الذي يحكم الأمة فيكون تشريعا مستمدا من دينها القويم فإن كل محاولة لوحدة الأمة أو لجمع شتاتها فإنها محاولة فاشلة .
فإنه ليس هناك مكان لتشريعات أخرى في المجتمع الإسلامي ، وليس لأحد من البشر حق وضع تشريع يحكم الحياة في المجتمع الإسلامي ، فالحق لله - عز وجل - وحده وليس لأحد من خلقه أن يتلقى تشريعاته من غيره سبحانه .
قال عز وجل: سورة الأحزاب الآية 36 وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 263)
فالنفس البشرية ذات طبيعة معقدة ومعرفة ضوابط إصلاحها أو أسباب فسادها أمر لا يعلمه إلا الله - عز وجل - وقد اعترف علماء الغرب بذلك وأكدوا أن العلوم البشرية لم تستطع أن تبين حقيقة الإنسان .
وأشهر من أعلن هذه الحقيقة هو الطبيب الفرنسي: ( الكسيس كاريل ) حيث يقول: ( فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف وإن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب ) الإنسان ذلك المجهول ص19 . .
فإذا كانت معلومات الإنسان عن نفسه رغم ما يملكه من وسائل المعارف المذهلة التي لم يكن يحلم بوجودها الإنسان في الزمن الماضي - إذا كانت رغم كل ذلك بدائية . . فهل يمكن أن يضع تشريعا يحكم حياته ويقوده إلى إنسانيته ؟!
ولهذا فإن العودة إلى شريعة الله - عز وجل - أمر ضروري . . ضروري ؛ لأنه أمر أوجبه الله - عز وجل - .
وضروري لأن الإنسان ليس له قدرة وضع التشريع المناسب .
وضروري لأن الأمة لا تجتمع وتشريعاتها مختلفة . . إذ للتشريع أثر في حياة الإنسان . . في مفاهيمه . . في تصوراته . . في موازينه . . فلا بد من وحدة التشريع لتتحد مفاهيمه وتصوراته وموازينه . . ومن ثم تتحقق له وحدته المنشودة .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 264)
(القسم الرابع )
"وسائل تحقيق الوحدة"
عرضنا في القسم السابق أسس الوحدة الإسلامية التي لا بد من تحقيقها لتوحيد الأمة الإسلامية ، وهي وإن كانت شرطا في تحقيق إيمان المسلم ، فلا يكون مسلما بدونها ، فإنها شرط في تحقيق الأمة واجتماع كلمتها كذلك .
ولكن هذه الأسس - كما رأينا من قبل - قد تعرضت للفساد والانحراف واختفت أو تشوهت في كثير من المجتمعات الإسلامية ، فكان لا بد من إظهار ما اختفى منها وتصحيح ما تشوه .
وهذا أمر يحتاج إلى وسائل متعددة وجهود مكثفة للقيام بذلك الدور ورعايته في المجتمعات الإسلامية .
ومن تلك الوسائل ما يلي:
أولا: التعليم الموجه .
ثانيا: الإعلام الملتزم .
ثالثا: الاقتصاد المستقل .
رابعا: الاكتفاء الذاتي .
خامسا: إيجاد مراكز علمية .
ونذكر ما يتعلق بهذه الوسائل فيما يلي:
أولا: التعليم الموجه:
إن المناهج التعليمية من أخطر الوسائل وأكثرها تأثيرا في المجتمع إذ
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 265)