وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذه الطائفة بقوله: صحيح البخاري المناقب (3415) ,صحيح مسلم الزكاة (1066) ,سنن النسائي تحريم الدم (4102) ,سنن أبو داود السنة (4767) ,مسند أحمد بن حنبل (1/160) . يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ولا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية . . . رواه مسلم وأبو داود رواه مسلم ح / 1066 ، وأبو داود ح: 4768 وما بعده . .
وأما الصوفية فقد بالغوا في الذكر والزهد وعاشوا في ظلمات الخلوات للوصول إلى ( درجة اليقين ) التي تسقط عندها عنهم كل التكاليف الشرعية - بزعمهم - الفتاوى 11 / 417 . .
وقد أنكر ابن عقيل - رحمه الله - عليهم هذه الأهواء والبدع فقال: ( ما أعجب أموركم في التدين: إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة ) نقله ابن الجوزي في تلبيس إبليس ص206 . .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 249)
ب- الإهمال المطلق للعبادات والاكتفاء بالتلفظ بالشهادتين:
وهذا الانحراف كان من ثمرات الإرجاء الذي لا يعطي للعمل اهتماما إذ إن الإيمان يثبت عند المرجئة بالقول فقط - عند بعضهم - وبالاعتقاد عند البعض الآخر .
وكان جهم بن صفوان هو أول من زعم أن: ( الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط ، والكفر هو الجهل به فقط ) مقالات الإسلاميين 1 / 214 . .
وذكر البغدادي أن المرجئة: ( إنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان ) الفرق بين الفرق 211- 212 . .
ج- عدم التزام كثير من المسلمين بالأداء الصحيح للعبادات:
فترى أحدهم يؤدي هذه العبادات ولا يلتزم فيها بشروطها وواجباتها وأوقاتها .
ثالثا: في الشريعة:
لم تقتصر الانحرافات على الجانبين السابقين بل شملت - كذلك - حتى جانب الشريعة حيث تعرضت في الآونة الأخيرة التي تمزقت فيها الأمة وتحطمت فيها الخلافة الإسلامية ، تعرضت إلى انحراف وفساد ، بل إلى حرب وعداء في كثير من البلدان الإسلامية نعرض طرفا منه:
أ- محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها:
وهذا من آثار الاستعمار العسكري والفكري الذي فرق الأمة وأفسد عقليتها بحضارته وصناعته وكفره وجحوده . . فوجد في المسلمين
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 250)
من يتحمس لقوانينه وفكره ويدعوا إلى تطبيقها ومتابعتها .
وقد حظيت هذه الفئة بعناية الاستعمار ورعايته وسلم له زمام المجتمعات التي كان يسيطر عليها فخلفها فيها وقام على تطبيقها وتنفيذها بكل دقة .
ولعل الشروط التي فرضتها دول الاستعمار على مصطفى كمال أتاتورك تبين المخطط الاستعماري لحرب الإسلام ومحاولة فصل الأمة عنه .
يقول الأستاذ محمد محمود الصواف:( وهذه هي الشروط الأربعة المشئومة التي فرضتها دول الاستعمار على تركيا:
1 -إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيا من تركيا .
2 -أن تقطع تركيا كل صلة مع الإسلام .
3 -أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية في تركيا .
4 -أن يستبدلوا الدستور العثماني القائم على الإسلام بدستور مدني بحت .
فقبل مصطفى كمال هذه الشروط ونفذها بحذافيرها فتركته دول الاستعمار) المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام ص128 . .
ب- محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية:
فيؤخذ من الشريعة ما يتعلق بالأمور الشخصية وتكمل بقية الجوانب من القوانين الوضعية .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 251)
وقد ذكر الأستاذ محمد الخضر الحسين عن أسلوب دعاة هذا المبدأ فقال: ( فاخترع هؤلاء طريقا حسبوه أقرب إلى نجاحهم وهو: أن يدعوا أن الإسلام: توحيد وعبادات ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة ، وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه لعلهم يجدون في الناس جهالة أو غباوة فيتم لهم ما بيتوا ) رسائل الإصلاح 1 / 105 -106 . .
ويقول الأستاذ مصطفى صبري عن هذه المحاولة والتي تعني فصل الدين عن الحكم والسياسة: ( لكن حقيقة الأمر أن هذا الفصل مؤامرة بالدين للقضاء عليه وقد كان في كل بدعة أحدثها العصريون المتفرنجون في البلاد الإسلامية كيد للدين ومحاولة الخروج عليه لكن كيدهم في فصله عن السياسة أدهى وأشد من كل كيد في غيره فهو ثورة حكومية على دين الشعب ) موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين 4 / 281 . .
هذا عرض موجز لواقع المسلمين الذي قد أصيب في كل جانب من جوانبه مما كان له أسوأ الأثر على وحدة الأمة واجتماع كلمتها . . فقد أصيبت الأمة في عقائدها . . وعباداتها . . وشريعتها . .
وما لم يصحح هذا الواقع على ضوء التوجيهات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فلن تقوم للأمة قائمة ولن تجتمع لها كلمة .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 252)
(القسم الثاني )
"أسباب هذا الواقع"
لقد كانت هناك أسباب متعددة وراء ذلك الواقع نذكر أهمها:
أولا: جهل الأمة بدينها:
فقد انتشر الجهل في الأمة قيادات وشعوبا حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه ، فلا يعرف أحكامه وعقائده ، ولا أخلاقه وآدابه ، فسهل على أعداء الله - عز وجل - أن ينشروا ضلالهم ، وأن يبثوا سمومهم ، بل وسهل عليهم أن يصنعوا لهم عملاء من أبناء المسلمين يحاربون عقيدة المسلمين وينشرون الضلال في صفوفهم .
قال الأستاذ محمد كرد علي: ( أصبح الناس بعد المائة السادسة تفتر هممهم شيئا فشيئا في طلب العلم ، ورغبوا عن الافتتان بفنونه ، وحصروا نطاقه ، وعفوا بعض معالمه ، فأصبحت مجاهل وكثرت البدع ، وكثر الدعاة إليها والتعويل عليها ) الإسلام والحضارة العربية 2 / 45 . .
ويذكر الأستاذ الندوي وهو يتحدث عن الجهل الذي أصاب تركيا ( أنه لم يكن الجمود العلمي والكلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب ، بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصابا بالجدب العلمي وشبه شلل فكري قد أخذه الإعياء والفتور واستولى عليه النعاس ) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين ص151 . .
(الجزء رقم: 21، الصفحة رقم: 253)
ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين:
كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة تستظل براية واحدة ، وتخضع لقيادة واحدة ، فكانت ذات شوكة ومنعة ، ثم لم تلبث أن سرت فيها أمراض فتاكة خلخلت بناءها وأفسدت أبناءها فضعفت قوتها وذلت عزتها ، فسهل على أعدائها القضاء عليها وتمزيقها إلى دويلات وإمارات استولت على كثير منها فترات طويلة استطاعت فيها أن تفسد عقائدها وأخلاقها وتغير ولاءها .
يقول برنارد لويس: ( وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعدلت وتغيرت الولاءات التي كانت قائمة للخلافة الإسلامية القديمة والتي كانت تحكم العرب والعجم والترك ، وحلت محلها أفكار ممزقة مبعثرة وأوروبية ، هي مزيج من الوطنية والقومية ونظريات خيالية عن الوطن والقوم ، حجبت الحقائق القديمة الواقعية في الدولة والعقيدة ) الغرب والشرق ص110 . .
فأصبحت بعد ذلك الأمة الواحدة أمما مختلفة ومجتمعات متعددة لكل منها شعاره ومذهبه فتمزقت وحدة الأمة وتعددت ولاءاتها بحسب شعاراتها ومذاهبها .
وكان هذا كله بسبب الغزو العسكري الذي احتل بلاد المسلمين فترات متفاوتة ركز خلالها على إفساد عقيدة الأمة وأخلاقها وقسمها بعد ذلك إلى دول ومناطق أقام لكل واحدة منها حاكما مستقلا .
ثالثا: الغزو الفكري: