فهرس الكتاب

الصفحة 1492 من 3028

ومما تقدم يتبين أن وجودهم بها حدث واستمر كغزاة ، تقوم العلاقة بينهم وبين أصحاب الأرض الأصليين على هذا الأساس ، كما يتبين أيضا أن كيانهم السياسي لم يقم بهذه الأرض إلا في فترة متأخرة جدا ، ولبضعة قرون لا تكاد تتعدى في عددها أصابع اليد الواحدة من بين خمسين قرنا مرت على هذه الأرض وهي مأهولة متحضرة بأهلها الأصليين .

وليس أدل على ضعف ارتباطهم بها من أن زعماء الصهيونية في العصر الحديث عندما بدأوا يفكرون في بناء وطن قومي لهم ، ساغ لبعضهم أن يتجهوا بتفكيرهم إلى بلاد أخرى غير فلسطين ، فهذا البارون هيرشي اليهودي الألماني الثري يرى أن الأرجنتين هي أصلح مكان يمكن إقامة دولة اليهود عليه ، بل إن هيرتزل نفسه كان على استعداد لقبوله في سورية أو البرتغال ، أو سيناء أو قبرص أو العريش أو موزمبيق أو طرابلس أو أوغندا أو الكونغو - أنظر القدس لسامي الحكيم ص 36 وما بعدها - لولا أن بادرت المصالح الاستعمارية إلى ربط عجلتها بالمطامع الصهيونية فتكاتفا على إحداث المأساة .

وما ذا يعرف المسلم المعاصر عن إسلامية بيت المقدس منذ فجر التاريخ ؟

لقد تحققت هذه الإسلامية منذ وجود إبراهيم عليه السلام بها ومن بعده ذريته من الأنبياء أنبياء الإسلام وعلى رأسهم محمد صلى الله عليه وسلم ، ولقد أعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحها بأكرم وأرفع وأخلد مجموعة عرفها هذا الكون من البشر ومن الملائكة اجتمعت لأول مرة بقيادته ليلة الإسراء والمعراج ، ووضعت حجر الأساس في الوجود الإسلامي المحمدي في المنطقة ، ولقد تابع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم تنفيذ هذه الغزوة الملائكية بغزوة تبوك ، وسار من بعده على الدرب أصحابه ، فأذن عمر رضي الله عنه لقائد جيشه على الشام بفتح بيت المقدس فأرسل أبو عبيدة بن الجراح - وقد عسكر بالأردن - إلى بطارقة أهل إيلياء وسكانها سلاما ودعوة إلى الإسلام: ( فإن شهدتم بذلك حرمت علينا دماؤكم وأموالكم وذراريكم وكنتم لنا إخوانا وإن أبيتم فأقروا لنا بأداء الجزية ) الأنس الجليل ج2 ص 246 وما بعدها

وبعد القتال أرسلوا إليه يطلبون الصلح على أن يعطيهم الخليفة نفسه الأمان والعهد ، وقد انتقل إليهم الخليفة عمر بن الخطاب حقنا للدم وتوفيرا للجهد ، وتوقيا من التطاول في الأمر ، وأعطاهم العهد الذي جاء به شرطان: أن لا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود ، وأن يخرجوا منها الروم . وأغلب الظن أن الشرط الأول لم يكن محض استجابة من عمر رض الله عنه لرغبة أبداها البطريرك ولكنه كان إلهاما عمريا دفعه إلى هذا الشرط كما دفعه إلى الشرط الثاني ، ونكبة فلسطين التي نعيشها اليوم بأقسى ظروفها إنما كانت نتيجة الإخلال بهذين الشرطين ، فقد سمح لليهود ، وسمح للاستعمار بأن يدوسا بأقدامهم تلك الأرض المطهرة وتلك بداية الكارثة.

ولقد كان طلب البطريرك دليلا على عدم وجود اليهود بتلك الأرض ، ولكن اليهود تسللوا بعد ذلك من نافذة التسامح ، بل نقول من ثغور التساهل الذي كان المظهر المنحرف للتسامح الحكيم ، فقد سمح لبعض اليهود أن يكونوا بين خدام المسجد الأقصى يسرجون مصابيحه بعد أن بناه عبد الملك بن مروان ، ثم منع عمر بن عبد العزيز ذلك من بعد الأنس الجليل ج1 ص 218 وما بعدها

ولقد استمر بيت المقدس بأيدي المسلمين من حين الفتح العمري إلى سنة 492 هـ عندما استولى الفرنجة على بيت المقدس ، وقد قصدوه في نحو مليون مقاتل ، وحاصروه نيفا وأربعين يوما ، واستولوا عليه في شعبان من تلك السنة ، ولبث الإفرنج يمارسون عملية قتل المسلمين بالقدس أسبوعا ، وقتل آنذاك داخل المسجد الأقصى ما يزيد على سبعين ألف مسلم ، منهم جماعة كبيرة من أئمة المسلمين وساداتهم وعبادهم وزهادهم ، وحصروا الباقين ودعوهم إلى الخروج قبل ثلاثة أيام على الأكثر ،وإلا قتلوهم عن آخرهم ، فسارع الناس إلى الخروج ، وقتل في زحام الخروج خلق كثير ، لايحصيهم إلا الله سبحانه ، ومارس الفرنجة النهب بعد أن فرغوا من القتل ، وذهب الناس مطرودين من الشام إلى العراق الأنس الجليل ص 305 وما بعدها

واستمر بيت المقدس وما جاوره من السواحل بيد الفرنجة إحدى وسبعين عاما حتى استرد البيت صلاح الدين عام 583 هـ ، ثم استرجعوه في عام 626 هـ ،وتم استرداده مرة أخرى على يد الملك الصالح عام 642 هـ .

إن المسجد الأقصى الذي يزاحمه الصهاينة ويتهددونه بأوهامهم عما يسمونه هيكل سليمان فيجب أن يعرف المسلم أن له تاريخا أقدم من تاريخ داود عليه السلام . قال الإمام أبو العباس القرطبي: يجوز أن يكون بناه الملائكة بعد بنائه البيت المعمور بإذن الله تعالى وظاهر الحديث يدل على ذلك . والإمام القرطبي يشير في هذا إلى ما رواه المحدثون عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال:"قلت يا رسول الله أي مسجد وضع في الأرض أولا ؟ قال: قلت: ثم أي ؟ قال: بيت المقدس قال: قلت: كم بينهما ؟ قال: أربعون عاما .) أخرجه الإمام أحمد وغيره"

ومن العلماء من قال: بناه آدم عليه السلام ، ومنهم من قال: بناه سام بن نوح عليهما السلام ، ومن من قال: أو ل من بناه وأري موضعه يعقوب بن إسحاق عليهما السلام . وقد تأول بعض العلماء معنى الحديث الشريف الوارد في أن بناء المسجد الأقصى كان بعد بناء المسجد الحرام بأربعين سنة على أن المراد به بناء يعقوب عليه السلام للمسجد الأقصى بعد بناء إبراهيم عليه السلام للكعبة الشريفة .

والصحيح ما ذكره صاحب الأنس الجليل في تعليقه على ما تقدم بقوله: وهذه الأقوال تدل على أن بناء داود وسليمان عليهما السلام إياه إنما كان على أساس قديم لا أنهما المؤسسان له ، بل هما مجددان ، وكل قول من الأقوال الواردة في بناء المسجد الأقصى لا ينافي ذلك: على أساس أن يكون بناه الملائكة أولا ، ثم جدده آدم عليه السلام ، ثم سام بن نوح عليهما السلام ، ثم يعقوب بن إسحاق عليهما السلام ، ثم داود وسليمان عليهما السلام ، فإن كل نبي منهم بينه وبين الآخر مدة يحتمل فيها ان يجدَّد البناء المتقدمُ الأنس الجليل ج1 ص 7 وما بعدها

هذا المسجد كان موجودا قبل داود عليه السلام ، بدلالة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، ذلك أن هذه المنطقة كانت معمورة قبله ، وكان ممن عمرها من يعبد الله على حق من الأنبياء واتباعهم ، فهل عاش هؤلاء جميعا دون أن يبنوا لله مسجدا بالأرض التي عاشوا فيها تأسيسا كان بناؤهم أو تجديدا ؟

الصحيح أنه كان لإبراهيم عليه السلام نصيب في بناء مسجد لله في الأرض التي عاش فيها في فلسطين ، وعند ما يأتي داود عليه السلام فإننا نتوقع أن يبحث عن بناء أقامه أجداده ليجدده ، ثم بعد ذلك عندما نتدبر جمع الأنبياء للصلاة بالمسجد الأقصى في الإسراء فإننا نحس بأنهم جمعوا في المكان الذي صلوا فيه .

وإذن فالصحيح أن البيت أقدم من داود عليه السلام وأنه يمتد إلى زمن إبراهيم ثم إلى أقدم منه . إذ يكون أول بيت وضع للناس للذي ببكة وضعه الملائكة ، أو بناه آدم ، - ولا يصح افتراض أن لا يكون في هذا العهد بيت للناس إلى أن يأتي إبراهيم عليه السلام ، - ثم يكون البيت الثاني قريبا من هذا الوقت ؛ وقت آدم ، لأن ما بينه وبين البيت الحرام لا يتعدى أربعين عاما كما هو صريح الحديث الشريف ، إذن فإن ما فعله إبراهيم أو داود عليهم السلام لم يكن إلا التجديد لما تهدم بمضي الزمان .

وعلى أي حال فليس لإسرائيل اليوم أن تزعم لنفسها حقا في هذا المكان المقدس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت