ويقول دكتور إدوارد سعيد ( مهمتنا كعرب وكفلسطينيين أن نبذل جهدا أكبر في سيرتنا التاريخية ، وذلك ليس كترف فكري لا فائدة حقيقية فيه ، أو كشيء يمكن دوما تأجيل البدء فيه ، لأننا في افتقارنا إلى تاريخ يأتي نتيجة البحث الجاهد والتأليف كقصة متماسكة أشبه بالأيتام الذين لا والد لهم أو مأوى ) الحديث الأسبق لإدوارد سعيد .
ولننظر كيف يجهل أبناؤنا تاريخ فلسطين إلى الحد الذي لا يجدون في ثقافتهم اليوم ما يقاومون به الدعاية الإعلامية التي تكرر على مسامعهم ادعاء اليهود أن فلسطين هي أرض بلا شعب لشعب بلا أرض .. وأن اليهود هم أصحاب الحق التاريخي في هذه الأرض …سم يصب في رءوسهم ، فهل حصناهم ضده بالتاريخ ؟:
عرفت أرض فلسطين في التاريخ القديم وحتى عام 1200 ق م بأرض كنعان ، وإطلاق هذا الاسم عليها جاء فيما يسمى اليوم التوراة ، في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر التكوين ، كما أطلق هذا الإصحاح نفسه عليها"أرض فلسطين". وفي هذه الأرض نشأ إبراهيم وأبناؤه عليهم السلام ، حتى نزح منها حفيده يعقوب عليه السلام ، هو وأبناؤه قاصدين مصر . وهنا تنقطع صلتهم بهذه الأرض حتى جاءوها غزاة بقيادة يوشع حيث استولى على أريحا وقتل جميع سكانها ، ودمرها وقومه عن آخرها ، وذلك في أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد ، وتذكر التوراة - أو ما يسمى التوراة - أن غزوهم لفلسطين صادف مقاومة باسلة عنيدة من الكنعانيين ، أو الفلسطينيين أصحاب البلاد ، ويذكر سفر صموئيل الأول 4: 2"واصطف أصحاب البلاد للقاء إسرائيل ، واشتبكت الحرب ، فانكسر إسرائيل أمام الفلسطينيين وضربوا"ويذكر هذا السفر أيضا أن بني إسرائيل"هربوا كل واحد إلى خيمته وكانت الضربة عظيمة جدا وسقط من بني إسرائيل ثلاثون ألف رجل".
فإذا أردنا أن نعرف بدء علاقتهم - أي العبرانيين - بمدينة بيت المقدس بالذات فإننا نجد أن هذه المدينة كان لها وجود حافل قبل أن يدخلها العبرانيون بألفي عام . فهي مدينة قديمة يرجع تاريخها إلى أكثر من ثلاثين قرنا قبل الميلاد ، وقد عاصرت حضارات كثيرة ، وكان لها مع كل منها شأن ، ونظرة عابرة إلى أسمائها التي عرفت بها في التاريخ تشير إلى تلك الحقيقة ، فهي يبوس كما ورد اسمها في سجلات الفراعنة ، وهي أوروسالم كما كان اسمها عند الكنعانيين ، وهي أورشليم كما سماها العبرانيون ، وهي يروساليم كما هي عند اليونانيين ، وهي هيروسلما أو سوليموس أو إيليا عند الرومان ، وهي القرية أو بيت المقدس أو البيت المقدس أو القدس كما سماها العرب والمسلمون تاريخ القدس للسيد عارف العارف ص 11 وما بعدها
وكانت مدينة القدس في ابتداء أمرها صحراء خالية بين أودية وجبال ، وكان أول من اختطها (ملكيصادق ) ومعناها بالعبرية ملك الصدق ، والصحيح أن ملكيصادق متأخر في الزمن عن الجيل الأول الذي عاش في هذه البقعة المباركة ، ففي أول الأمر كان المقيمون بها قبائل تعيش في حالة من البداوة الأولى ، وكان ذلك قبل أن يفكر ملكيصادق في تخطيط مدينته على أي شكل من الأشكال . وكما يذكر المؤرخون فإن أول من أقام بها بطن من بطون العرب الأوائل التي عاشت في فجر التاريخ في الجزيرة العربية .ويذكر المؤرخون أنهم كانوا يسمون اليبوسيين ، تسمية أطلقها عليهم الفراعنة كما يظهر في آثارهم ، ولقد رحل هؤلاء اليبوسيون إلى أرض مدينة القدس حوالي 3000 سنة قبل الميلاد ، واستوطنوا بها وارتبطوا بترابها ، حتى إنهم كانوا بعد ذلك أصحابها الشرعيين ، صدوا عنها غارات المصريين ، كما صدوا عنها غارات قبائل العبرانيين التائهة في صحراء سينا . ولقد نجحوا في بناء مدينتهم وعمارتها ونجحوا في صد الغزاة عنها أزمانا طوالا عند ما كانوا متحدين ، فلما تفرقت كلمتهم اشتد طمع العبرانيين فيهم مما اضطرهم إلى التحالف مع المصريين ، وطلبوا عون تحتمس الأول في القرن الخامس عشر قبل الميلاد ، فلبى رغبتهم ، وساعدهم في صد غارات القبائل العبرانية ، وأدت بهم هذه الاستعانة إلى نوع من الخضوع لسلسلة من فراعنة مصر لمدة قرنين من الزمان ، ، وجدير بالذكر أن هذه الاستعانة أو هذا الخضوع لم يفقدهم كيانهم كشعب متماسك يمارس حياة خاصة ، ويحتفظ بحقه في حكم نفسه ، إذ كان المصريون يكتفون بتحصيل الجزية من أهلها .
ولما كان العبرانيون يبحثون لهم عن مستقر لهم يقيهم تيه الصحراء فإنهم استمروا في محاولتهم دخول يبوس وأخيرا وبعد لأي تمكنوا من ذلك في عهد داود عليه السلام حوالي 1049 ق م ، وهنا جاء ت بداية الوجود العبراني في مدينة القدس"يبوس": حدث بعد أكثر من ألفي عام من وجودها أنظر تاريخ القدس للسيد عارف العارف ، والأنس الجليل بناريخ القدس والخليل لأبي اليمن مجير الدين الحنبلي .
[1] أنظر القدس لسامي حكيم ص 13 وما بعدها
وتؤكد التوراة - أو ما يسمي بذلك - أيضا غربة اليهود عن القدس ، ففي سفر القضاة 19: 11و13 نجد قصة رجل غريب وفد مع جماعة له إلى مشارف يبوس - بيت المقدس - ( وفيما هم عند يبوس والنهار قد انحدر جدا قال الغلام لسيده: تعال نميل إلى مدينة اليبوسيين هذه ونبيت فيها ، فقال له سيده: لا نميل إلى مدينة غريبة ، ليس أحد من بني إسرائيل هنا ) .
كل الدلائل تشير إلى أن فلسطين قد عمرها اليبوسيون العرب قبل أن يظهر اليهود في يبوس (القدس ) بألفي عام ، ثم دخل اليهود يبوس في عصر جد متأخر ، على يد داود عليه السلام واضطر أهل البلاد الأصليين إلى التعايش مع الغزاة ، ،ويؤكد المؤرخ برستيد أنه حتى في الفترة التي كان لإسرائيل فيها كيان ونفوذ في يبوس وفي عصرهم الذهبي كان ملك إسرائيل بمثابة وال على فلسطين تحت السيادة المصرية أنظر القدس لسامي حكيم ص 13 وما بعدها
ومما سبق يتبين أن داود وسليمان عليهما السلام لم يكونا مؤسسي مدينة القدس ، وإنما كانا فاتحين لها بعد ألفي ستة من وجودها ، وكانت عمارتهما لها هي كما يقول صاحب الأنس الحليل ( .. تجديد البناء القديم )
والأهم من ذلك هو إلى متى استمر الكيان السياسي لليهود في فلسطين ؟
بعد موت سليمان عليه السلام حوالي 975 ق م انقسمت المملكة إلى شطرين: شطر يسمى إسرائيل وعاصمتها نابلس دامت نحو مائتين وخمسين عاما ، وانتهت عام 721 ق م ، حيث قضى عليها ملك آشور ، ولم تقم لها قائمة بعدها ، والشطر الثاني: يسمى أورشليم ، مملكة يهوذا في الجنوب ، وقد عاشت أكثر من أختها ، وفي عام 599 ق م دمرها بنوخذ نصر وسبى جميع أهلها وأرسلهم إلى بابل ، وراح اليهود يعيشون بعد مملكتهم هذه التي استمرت ما يقرب من أربعة قرون فحسب كطائفة دينية يرأسها كاهن ، حتى ظهر المكابيون وقاموا بثورتهم واستولوا على أورشليم عام 167 ق م وظهر منهم الرؤساء والملوك . وبعد فترة وجيزة كانوا خاضعين للحكم اليوناني مرة وللروماني مرة أخرى رازحين تحت عبء التنازع السياسي والفساد الداخلي ، وذاقوا الدمار ثلاث مرات متوالية على يد الأباطرة: بومبي ، وتيطس ، وأدريانوس ، وكان أن قضي على دويلتهم الهزيلة ، ولم يقم لهم دولة أوكيان بعد ذلك خطر الصهيونية على الإسلام والمسلمين لعبد الله التل ص 23 وما بعدها.