فهرس الكتاب

الصفحة 1490 من 3028

ومما ساعد على تطور التجارة والحرف في بلغراد المنشآت المختلفة التي كانت ترتبط بالطابع المميز للمدينة الشرقية الإسلامية والتي لم يكن لها مثيل في البلاد المجاورة ، ومن أهم هذه المنشآت كانت استراحات القوافل القادمة من الخارج ، والتي اشتهرت باسم"كارافان ساراي"وكانت على قسمين قسم منها يتبع الأوقاف الإسلامية ويقدم خدماته مجانا ،والقسم الآخر مقابل خدمات رمزية . وإلى جانب هذا كان في بلغراد أيضا"البزستان"وهو ما كان يثير إعجاب الأوربيين ، لكونه يجمع الأصناف الكثيرة من البضائع ، والخانات التي كانت تستخدم كاستراحة للمسافرين وكبيوت للتجارة ، وتجدر الإشارة إلى أن بلغراد كمدينة إسلامية تميزت بما يسمى"العمارة"التي هي عبارة عن مطعم شعبي مجاني تابع للأوقاف ، وفي هذه العمارة كان يمكن لأي إنسان أن يدخل ويأكل وجبة كاملة دون أن يدفع قرشا واحدا . ومن المنشآت الاجتماعية في المدينة كانت"دور العزاب"وهي دور كبيرة مجانية مخصصة للشباب الحرفيين الذين كانوا يعيشون حياة العزوبية بانتظار الزواج والانتقال إلى بيوت خاصة بهم .

وكان المسلمون في بلغراد متمسكين بالدين ، ويتبعون المذهب الحنفي ، وقد أشاد الرحالة بنسائهم ووصفوهن بالعفة والتدين كأن الواحدة منهن"رابعة العدوية"!.

ومن أهم المناسبات الإسلامية الاجتماعية التي كان يقام لها الاحتفال: المولد النبوي والعودة من حج ، وتشييد بيت ، والوفاء بنذر ، والشفاء من مرض ، وختن الأولاد .

وإذا كان من عادة العثمانيين حين يدخلون فاتحين إحدى المدن أن يحولوا إحدى الكنائس فيها إلى جامع ليقيموا به الصلاة فورا رمزا لانتصارهم ، فقد أدى ذلك إلى تشويه سلوكهم واتهامهم بأنهم قاموا فور دخولهم بهدم أو تحويل الكنائس إلى جوامع ، بينما الحقيقة أنه خلال الحكم العثماني زاد عدد الكنائس ووصل إلى ثمان في منتصف القرن السابع عشر ، وذلك في مقابل مائتين وسبعين جامعا ومسجدا تقريبا ، تعكس تركيب السكان بين أغلبية مسلمة وأقلية مسيحية بلغ مجموعهم تقريبا مائة ألف نسمة ، وعلى كل حال فإن ما قام به العثمانيون من تحويل كنيستين إلى مسجدين يعتبر - كما يقول الدكتور محمد الأرناؤط - في قمة التسامح إذا ما قارناه بما حدث بعد ذلك لجوامع بلغراد خلال حرب الاسترداد .

وكان كل مسجد يشتمل على كتَّاب ، وفي هذه الكتاتيب كان الشيخ يعلم أطفال المسلمين اللغة العربية ليتمكنوا من قراءة القرآن الكريم ، وبالإضافة لهذه الكتاتيب كانت المدارس العامة العليا التي أنشئت لتوفير ما تحتاج إليه الجوامع من كوادر دينية ، وقد استمر عدد هذه المدارس حتى وصل في منتصف القرن السابع عشر إلى ثمان مدارس . وفي إطار الجامع والمدرسة كانت المكتبة وما تشتمل عليه من مخطوطات للأساتذة والطلاب ، وفي النصف الثاني من القرن السابع عشر كان في بلغراد بالتأكيد آلاف المخطوطات في مكتبات الجوامع والتكايا والمكتبات الخاصة . وفي المدرسة العليا كان الطالب يتعمق في علوم اللغة العربية من النحو والصرف والعروض والبلاغة وعلوم الشريعة من الفقه والتفسير والحديث والعقائد ، وبالإضافة لذلك كان هناك ما يسمى"دار القراء"التي تتخصص في القرآن الكريم ، وكان بناء الواحدة منها يحتوي على عشرين قاعة للطلاب ، بالإضافة إلى قسم داخلي يتألف من أربع عشرة غرفة ، وكان لكل طالب غرفة ومصروف خاص ، وكانت هناك أيضا دار الحديث ،ووصل عددها إلى تسع دور ، وكان ينفق عليها من طرف الأوقاف . ومع تطور بلغراد وتضخم عدد السكان فيها انتشرت أبرز الطرق الصوفية وفروعها المعروفة في العالم العربي والإسلامي من مثل البكتاشية ، والرفاعية ، والقادرية ، والنقشبندية ، ألخ .

وتجدر الإشارة هنا إلى الشاعر حسين باشا البلغرادي الذي توجد له ترجمة وافية في"خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر"حيث يصفه المحبي بأنه"واحد الدهر على الإطلاق"،والذي عين قاضيا ، ثم انتقل إلى القاهرة وقضى بها بقية حياته إلى أن توفي في شهر رجب ( 1023 - 1614 ) ، وكما يقول بعض الدارسين لشعره ( كان شاعرا جيدا في ذلك الوقت ) ،وبالإضافة إلى الشعر برز في بلغراد عدد من العلماء كالمؤرخ ورجل الدولة فريدون بك ، وشيخ الإسلام عبد الرحيم أفندي ، وعدد من كبار العلماء"لايجاريهم أحد في الامبراطورية العثمانية"أنظر كتاب"الإسلام في يوغوسلافيا من بلغراد إلى سيراييفو"للدكتور محمد الأرناؤط نشر دار البشير بعمان الأردن ، الطبعة الأولى ص 23- 34- 37 ، 49- 51 - 54- 58 - 60 -62

وكان المسلمون الذين يشكلون أغلبية السكان .. من مناطق مختلفة ، وكان الأتراك يمثلون أقلية ، وفي مقابل هؤلاء كان السلاف الجنوبيون من البوسنة يمثلون العدد الأكثر من بين المسلمين ، ويأتي من بعدهم الألبانيون من حيث العدد ، ومن هذا يتضح أن أغلبية المسلمين في بلغراد كانوا من البلقان من البوسنيين والألبانيين ، ومع هذا فقد درجت العادة على وصف كل المسلمين في بلغراد بالأتراك لتبرير القضاء عليهم فيما جاء بعد ذلك من حرب الاسترداد . وبهذا كانت بلغراد خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر مركزا من مراكز الثقافة الإسلامية .و نموذجا للمدينة الإسلامية .

وبعد حوادث قاسية جرت للمسلمين في عام 1862 أصبحت المدينة خالية من المسلمين بعد أن استمروا بها أكثر من ثلاثة قرون ، واستمرت عملية الاسترداد الحضاري الكامل حتى تمت بذلك حلقة كاملة من حلقات الإبادة البشرية للمسلمين المصدر السابق ص 44 ، 63 - 103

فهل عرفت أجيالنا المعاصرة شيئا عن ذلك ؟ ولم ؟

وما ذا يعرف العربي المعاصر عن فلسطين العربية منذ فجر التاريخ ؟ إنه لمن أخطر مواقع الغزو ذلك الذي استهدف محو ذاكرة العربي فيما يخص تاريخ فلسطين

يقول الدكتور إدوارد سعيد: ربما تكون المعركة الأكبر التي خضناها نحن الفلسطينيين كشعب دارت على حقنا في الوجود ، ومع ذلك الوجود حقنا في تملك واستعادة حقيقتنا التاريخية . ويقدم كتاب ( اختراع إسرائيل القديمة: إسكات التاريخ الفلسطيني ) للبروفسور الاسكتلندي كيث وتلام 1996 بوضوح مذهل - كما يقول إدوارد سعيد - مدى تعمد وتواصل الهجوم الصهيوني على التاريخ الفلسطيني . ويقدم وتلام صورة بالغة الإثارة عن الطمس التدريجي لتاريخ فلسطين القديمة بتاريخ مخترع إلى حد كبير لإسرائيل القديمة ، وهي في حقيقتها كيان سياسي لم يلعب سوى دور صغير في فلسطين التاريخية .

وحسب وتلام فإن فلسطين القديمة كانت موطئا لليبوسيين والكنعانيين وقدماء الفلسطينيين وغيرهم ، لكن بداية القرن الماضي شهدت إسكات هذا التاريخ وطرحه جانبا ، لكي يصبح تاريخ القبائل الإسرائيلية ، ومكن ذلك من إخراس التاريخ الفلسطيني المحلي .

ويذهب دبليو أف البرايت أحد أهم مؤرخي فلسطين القديمة في أوائل القرن الجاري إلى حد الموافقة على تدمير الحضارات الفلسطينية المحلية على يد"القوم المتفوقين"ويكتب:"يبدو في أحيان كثيرة لفيلسوف التاريخ من منظوره المحايد أن من الضروري لشعب من نوع أدنى بشكل ملحوظ ( أي الفلسطينيين الكنعانيين ) الزوال أمام شعب متفوق الإمكانات ، لأن هناك حدا لابد للتمازج العرقي إذا تخطاه أن يتحول إلى كارثة ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت