لقد سبق إلى محاولة فتح فرنسا السمح بن مالك الخولاني الذي أقامه عمر بن عبد العزيز واليا على الأندلس (100هـ - 719 م) ، حيث قام بحملة شاملة على فرنسا اخترقت جبال ألبرت من الشرق - وهي تفصل جبال البرانس التي تمتد جنوب غرب فرنسا وتفصل بينها وبين الأندلس ، وتعد حاجزا طبيعيا بين البلدين ، وسيطر على عدد من القواعد هناك واستولى على سبتمانيا ، وأقام حكومة إسلامية جاءت لتخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وفقا للرسالة الحضارية التي جاء بها المسلمون إلى الأندلس آنذاك في هذا الوقت المبكر ، واتخذ من"أربونة"قاعدة للجهاد وراء ألبرت ، ثم استشهد في معركته مع قوى الظلام ، عند تولوز ، في يوم عرفة من سنة 102 هـ 721 ، وفقدت فرنسا بذلك من ثم أول فرصة للتنوير الإسلامي عرضت لها . ثم عرضت فرصة التنوير الإسلامي مرة أخرى إذ دخلها عنبسة بن سحيم الكلبي والي الأندلس الذي كان قد عين عليها عام 103 هـ حيث عبر بجيوشه جبال البرت وتمكن من بسط سلطان التنوير الإسلامي في شرق جنوب فرنسا ، وفي أثناء عودته داهمته جموع الفرنجة - قوى الظلام آنذاك - فأصيب عنبسة في المعركة ثم توفي عام 107 هـ - 725 مـ وفقدت فرنسا فرصة أخرى للتنوير الإسلامي .
ثم جاء عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي وكان من كبار رجالات الأندلس عدلا وصلاحا وتنويرا وقدرة وكفاءة ، عين واليا على الأندلس مرتين ، الأولى في عام 102 هـ- 721 م، لمدة عام ، والثانية من قبل والي أفريقيا مؤيدا من الخليفة هشام بن عبد الملك في صفر عام 112 هـ وفي أوائل عام 114 هـ -732 هـ سار الغافقي بجيوشه نحو الشمال وعبر جبال ألبرت - او البرانس - من طريق بنبلونة ، ودخل فرنسا حيث فتح نصف فرنسا الجنوبي كله ، من الشرق إلى الغرب ، في بضعة أشهر ، بعد معارك ناجحة ضد قوى التخلف والظلام ، وواصل زحفه ، حتى أشرف بجيشه على نهر اللوار ، وهناك احتشد له شارل مارتل بجيش ضخم من الفرنج ، والمرتزقة نصف العراة ، الذين يتشحون بجلود الذئاب ، و تنسدل شعورهم الجعدة على أكتافهم العارية ، هناك استولى جيش التنوير الإسلامي على بواتييه ، وتوروز وعبر جيش الظلام الفرنجي نهر اللوار ، وعسكر غربي الجيش الإسلامي ، ثم عزم الغافقي على لقاء أعداء التنوير على الرغم من أن بعض قبائل البربر في جيشه كانت تتوق للانسحاب ، وأن عدد جنوده كان قد قل ، بسبب تخلف حاميات كثيرة في المدن والقرى المفتوحة ، ودامت المعركة تسعة أيام ، دون أن يحقق الفريقان نصرا حاسما ، وفي اليوم العاشر ، أبدى كلا الطرفين غاية الجلد ،وظهر الإعياء على الفرنج الظلاميين ، وبدت علامات الانتصار لقوى المسلمين - لكن حدث أن افتتح الفرنج ثغرة في غنائم المسلمين فظهرت على أفقهم غمامة من غمامات الظلام التي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمثالهم منها في غزوة أحد ، من قبل ، فارتدت قوات منهم إلى الوراء واختلت صفوف المسلمين ، وبينما كان الغافقي يحاول إعادة النظام إلى جيشه أصابه سهم فأرداه شهيدا ، فعم الاضطراب بين المسلمين ، وكثر القتل فيهم ، واشتد الفرنج عليهم ، لكنهم صبروا حتى جن الليل وافترق الجيشان دون فصل في المعركة ، وذلك في أوائل رمضان 114 هـ 21 أكتوبر 732 م ، ثم انسحب المسلمون نحو مراكزهم في سبتمانيا ، وفي فجر اليوم التالي تقدم شارل مارتل بحذر فوجد معسكرات المسلمين خالية إلا من الجرحى الذين لم يتمكنوا من مرافقة جيشهم ، فأخذهم أسرى ثم ذبحوهم بنذالة واضحة ، وخشي شارل مارتل من أن يتتبع المسلمين مظنة الخديعة منهم ، فاكتفى بانسحابهم ، ولم يتعقبهم ، كما حدث من قبل من قوى الظلام الجاهلي في أحد تماما ، وآثر العودة بجيشه ، إلى الشمال ، وبهذا أخفقت آخر محاولة بذلها المسلمون لتنوير العالم الغربي ، وفقدت فرنسا بالذات فرصتها الحضارية المبكرة الكبرى للخروج من عصور الظلام كما خرجت أسبانيا ، ودخلت في عصر البيات الظلامي لمدة عشرة قرون ، منذ محاولة الغافقي التي أهديت إليها ففشلت في اغتنامها إلى أن جاء عصر النهضة الأوربية .
ماذا تعرف أجيالنا المعاصرة من ذلك ؟
وماذا يعرف المسلم المعاصر عن بلغراد المدينة الإسلامية عاصمة جمهورية الصرب حاليا ( يوغوسلافيا سابقا ) ؟
لقد فتح العثمانيون بلغراد في 26 رمضان 927 هـ الموافق 29 \8\1521 ولم تكن آنذاك غير قلعة ضخمة في قسمها المرتفع ، وعدة أحياء سكنية في القسم المنخفض ، بحيث كان من الصعب تقدير عدد سكانها بأكثر من عدة آلاف ، وبعد قرن واحد من الفتح الإسلامي كانت قد تطورت تطورا مثيرا حيث أصبحت في بداية القرن السابع عشر - كما يقول المؤرخ المعاصر د . بوبو فيتش - تشبه دمشق أو غيرها من مدن الشرق ، بسكانها ومنشآتها وثقافتها وتقاليدها ، حتى إنها اشتهرت لدى الرحالين الأوربيين باسم بوابة"الشرق"، وفي ظل الحكم العثماني كما يذكر الرحالة الإنكليزي"براون"أصبحت بلغراد جزءا من عالم يختلف تماما عن الغرب ، جزءا من ذلك العالم الآخر الذي يمتد إلى الصين وأعماق آسيا . ويقول الدكتور محمد الأرناؤط: إذا استثنينا استامبول وبالتحديد القسم الأوربي منها كانت بلغراد في تلك الفترة أكبر وأهم مركز للحضارة الإسلامية في أوربا الوسطى ، وكانت بالتالي نموذجا للمدينة الإسلامية بالمعنى الحضاري .
وبالإضافة إلى ما كانت تقوم به بلغراد من دور تجاري تبادلي مع مصر ودمشق وصيدا وبيروت في ظل الإسلام بلغ ذروته في القرن السابع عشر فقد كانت بوابة أيضا لهذه التجارة مع المجر وبولونيا وتشكوسلوفاكيا والسويد والبندقية ، وكان قسم كبير من الأقمشة يصل من البلاد العربية لحاجات السكان في بلغراد الذين بغالبيتهم الإسلامية كانوا يعيشون ويتزيون على النمط الإسلامي ، حتى إن المسيحيين من سكان بلغراد أصبحوا مع الزمن يقلدون المسلمين في حياتهم و لباسهم .
ومع اتساع المدينة وتطور المجتمع نشأت فيها حرف كثيرة جديدة لتلبية الحاجات الجديدة لسكان المجتمع ورفاهيتهم ، وكان ذلك كله يخضع للنظم والشريعة الإسلامية ، و للدلالة على ذلك يكفي أن نشير هنا إلى أن العالم منيريري البلغرادي المتوفى عام 1616 ألف لهذا الغرض كتابه بعنوان"نصاب الانتساب وأدب الاكتساب"يعرض فيه لموقف الشريعة من الاقتصاد على ضوء تجربة ما كان يسمى نظام الأصناف"في بلغراد: ويقصد به أصناف الحرفيين من الدباغين والسراجين إلخ"