فهرس الكتاب

الصفحة 1488 من 3028

ولكن مما يدعو إلى العجب أن هذه التسمية تتغير حينما يقوم الأوربيون بمثل هذه الغزوات ، فماذا نقول إذن عن إبادة الهنود الحمر في أمريكا على يد الفاتحين الأوربيين أصحاب المدافع ؟

وما ذا نقول عن تخريب أفريقيا بانتزاع عشرة ملايين إلى عشرين من سكانها السود ، وهذا يعني أن عدد الضحايا بلغ مائة مليون إلى مائتين إذ كان أسر كل أسير يكلف عشرة أفراد ؟

وماذا نقول عن مذابح آسيا وحرب الأفيون والمجاعات التي فتكت بملايين الهنود بفضل الاستعمار وفرض الضرائب ؟

وما ذا نرى في ضحايا الحرب العالمية الأولى والثانية ؟

وماذا نرى في حرب فيتنام ؟

وماذا نرى في تشريد الشعب الفلسطيني ليحل محله شذاذ الآفاق من اليهود والصهاينة؟

وماذا نسمي النظام العالمي للسيطرة الغربية وقد أنفق - في عام واحد - هو عام 1980 - أربعمائة وخمسين مليارا من الدولارات على التسليح ؟ وتسبب في العام نفسه في موت خمسين مليونا من البشر في العالم بسبب المجاعة ولعبة المبادلات التجارية الظالمة ؟

وهكذا يعتبر الغرب - كما يقول روجيه جارودي - إلى أبد الآبدين أكبر مجرم في التاريخ .

ويذهب إلى هذا التقدير أيضا نعيم تشومسكي في كتابه"ماذا يريد العم سام"ترجمة عادل المعلم

ولذلك فإننا نقول للمسلمين بعامة - والدعاة منهم بخاصة - حذار ، حذار من الوقوع في الفخ ، حذار من مسايرة النقد الأعمى للتاريخ الإسلامي . إن تاريخنا هو ذاتنا في الماضي ، وهو قلعتنا في الحاضر ، وهو زادنا نحو المستقبل .

إن من حقنا أن ننظر إلى تاريخنا بعين الفاحص ، ونقد المحقق ، ووعي المتبصر ، ولكن من واجبنا أن تكون عيننا الأخرى على مؤامرات الغزو الثقافي ، ومن أهم أهدافه اقتلاعنا من جذورنا الإسلامية عن طريق تشويه تاريخنا الإسلامي .

وإذا كان لأحد أن يتساءل: لماذا ينكر الجاحدون مجد الإسلام وقوة نظامه ، أو يتعمدون انتقاء الروايات الضعيفة المتهافتة من كتب الأسمار والحكايات ، ويتركون الروايات الدقيقة الصحيحة التي خدمها رجال الحديث - مثلا - على أعلى مستويات النقد ؟ فالجواب على ذلك بسيط: إنها العمالة في عملية الغزو الثقافي للإسلام ، ولكن وبالإضافة لذلك - فإن الأمر كما يقول الأمير شكيب أرسلان: ( هذا الميل في النفس إلى إنكار الإنسان لماضيه وطعن آبائه بأنهم كانوا سافلين وأنه يبرأ منهم .. لا يصدر إلا عن الشخص الخسيس ، وضيع النفس ، أو عن الذي يشعر بأنه في وسط قومه دنيء الأصل ، فيسعى هو في إنكار أمته بأسرها ، لأنه يعلم نفسه منها بمكان خسيس ، ليس له نصيب من تلك الأصالة ) .

أد: يحيى هاشم حسن فرغل

محنة التاريخ الإسلامي

أد: يحيى هاشم حسن فرغل

عمليات المحو

تحدثنا من قبل عن اتجاهين في قضية التاريخ الإسلامي: قضية تجميل تاريخ العدو ، واتجاه تشويه التاريخ الإسلامي

أما اتجاه المحو فنجده في الجهل المطبق للمسلم المعاصر بحضارته وتاريخه عموما وبتاريخ فلسطين ، وتاريخ القدس بخاصة . .

إن المسلم المعاصر لو سئل عن العام الهجري الذي يعيش فيه لكانت النتيجة مؤسفة ، يقول الكاتب الصحفي سامح كريم ( في رمضان سأل المذيع عددا من الناس عن عامنا الهجري فأجمعت كل الإجابات على أخطاء مؤسفة محصلتها أن الجميع لا يعرفون في أي عام هجري نكون ، وليست هذه الأخطاء مقصورة على معرفتنا بالشهور الهجرية والأعوام ، وإنما تمتد إلى تاريخنا وثقافتنا وتراثنا وحضارتنا العربية الإسلامية ، فمن الصعب أن يعرف البعض منا الأحداث التاريخية الكبرى ، وأصعب أن يعرفوا تراث أجدادهم ، وأشد صعوبة أن يعرفوا معطيات حضارتهم العربية .)

ومن هذه المعطيات الحضارية التي لم يكتف البعض بجهلها ولكن تم دفع بعضهم إلى احتقارها ما كشف عنه الأستاذ محمود محمد شاكر في مقدمته لكتاب"أسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجاني"من كتب التراث ( عن نظرة الشيخ محمد عبده إلى ماضينا وكيف أثرت هذه النظرة في تلاميذه ومريديه لتجري أقلامهم بما يؤثر في حياتنا المعاصرة وتكون النتيجة تفريغ الأمة من تاريخها .. في البداية حيث حقق الشيخ رشيد رضا كتاب"أسرار البلاغة"للجرجاني واستهله بمقدمة استهانت بعدد من علماء العرب الأقدمين إلى درجة أنه سمى أعمال أحدهم بأنها"الرسوم الميتة التي سماها الجهل علما"ليجيء الشيخ البرقوقي من بعده ويكتب مستهينا بعلماء العرب الأقدمين ، ثم تبين فيما بعد للأستاذ محمود شاكر أن ما قاله الشيخان"رشيد رضا والبرقوقي"ترديد لما كان يقوله الشيخ محمد عبده ، في دروسه ومجالسه في ذم الكتب التي كان طلبة العلم في الأزهر يدرسونها فتلقفوا عنه هذا الطعن دون فحص أو نظر ) !

ويواصل الأستاذ محمود محمد شاكر قائلا:"ولم يقتصر ذم الشيخ محمد عبده على كتب البلاغة وحدها ، بل تناول بالطعن الجارح كل الكتب التي كانت تدرس في الأزهر على اختلاف أنواعها من بلاغة وفقه ونحو ..وذاع هذا الطعن وتناقلته ألسنة المحيطين به من صغار طلبة الأزهر وغيرهم من الطوائف ، فكان هذا أول صدع في تراث الأمة العربية الإسلامية ، وأول إسقاط لتاريخ طويل من التأليف إسقاطا كاملا ، يتداوله الشباب بألسنتهم مستقرا في نفوسهم ، وهم في نضارة الشباب لا يطيقون التمييز بين الخطأ والصواب ، وليس عندهم من العلم ما يعينهم على الفصل في المعركة التي دارت بين شيوخ الأزهر والشيخ محمد عبده ،وليس في أيديهم سوى ما قاله الشيخ في التجريح والطعن الذي صدهم صدا كاملا عن هذه الكتب وأورثهم الاستهانة بها ) الأهرام 22\5\1992"

وتكون النتيجة تفريغ الدراسة بالأزهر على النحو الذي أصبحنا نشكو منه أخيرا ، وتتضاعف النتائج عند تلاميذ الشيخ من العلمانيين ، ومن يأتي من تلاميذهم ، ثم تكون النتيجة أيضا حصاد أطفال الفتوى الذين يردون ما قاله أبو حنيفة ومالك والشافعي ، وابن حنبل قائلين: نحن رجال وهم رجال ، وهات يافتوى .. !!

وفي مجال التاريخ السياسي يعرف الكثيرون منا معرفة غائمة شيئا عن الإسلام في الأندلس ، لكن هل يعرف المسلم المعاصر شيئا عن فتح الإسلام لنصف فرنسا الجنوبي في القرن الثاني الهجري بهدف تنويرها إسلاميا ، ثم انحسارهم عنها لظروف من الميل لعرض هذه الحياة الدنيا ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت