فهرس الكتاب

الصفحة 1487 من 3028

وحين استعمل الأوربي هذه الكلمة كان يعني في الواقع"مسلما أو كافرا"، ويشهد التاريخ بأن الدولة العثمانية كانت حتى قبل توسعها في العالم العربي تطبق الشريعة الإسلامية بدلا من القانون البيزنطي القديم في المناطق التي لا يجد سكانها صعوبة في فهمها ، ثم ما لبثت بعد أن استقرت في استامبول عام 1453م أن أخذت بالقوانين الإسلامية دون غيرها حتى انهيارها في الحرب العالمية الأولى .

ورغم أن السلطان العثماني كان يتمتع بسلطة لا يقيدها قانون مدني إلا أنه لم يكن بذلك حاكما مطلقا كما يقال ، وذلك لأنه لم يكن ليستطيع خرق الشريعة الإسلامية ، علنا على الأقل ، ولم يكن يتمتع بالجمع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية بالمعنى الصحيح لهذا المصطلح لتقيده الأساسي بالشريعة الإسلامية ، وكانت القوانين التي يصدرها لا مفر من أن تكون متفقة مع القرآن والسنة والمذاهب الفقهية الأربعة .

ومنذ أواخر القرن الخامس عشر كان السلاطين قد أقاموا هيئة من أهل العلم الفقهاء والتي كان رؤساؤها شيخ الإسلام ، وكبار القضاة ، يستشارون فيما يمس شئون الدولة الهامة ، وكانت مشروعات القوانين تعرض على شيخ الإسلام قبل إقرارها لكي يدرس مدى مطابقتها للشريعة الإسلامية ، وكان هو المختص بأن يصدر الفتوى - قبل إعلان الحرب - بأن أهدافها لا تتعارض مع الدين ، كما كان له الرأي في علاقة الدولة بالدول غير الإسلامية وقوانين الضرائب ، ولم تكن هذه الإجراءات صورية ، فكثيرا ما أدى رفض المفتي إلى إرغام السلطان على العدول عن مشروعاته ، بل إن تصريح المفتي بأن السلطان لا يحترم مبادئ الشريعة يعني مباشرة انه غير صالح لتولي الحكم ، وكان ذلك كفيلا بالتمهيد لخلعه . ولم يكن هذا النفوذ الشرعي محاصرا في شخصية المفتي الأكبر ، أو شيخ الإسلام ، وإنما كان يمثل القاعدة الشعبية للدولة ، إذ أنها حرصا منها على المحافظة على الشريعة أبدت اهتماما رفيعا بالفقهاء الدينيين الذين أدخلتهم في جهاز الدولة .. ، ومن ثم كان الوزراء العثمانيون الأوائل من الفقهاء ، وما لبث تنظيم الفقهاء أن امتد إلى جهاز الدولة بأسرها بحيث تطرق إلى أدنى المستويات في الولايات ، فقد كان كل سنجق يضم قضاة ومفتين لابد من استشارتهم في كل المسائل التي تتعلق بالشريعة ، وكانت أحكامهم بمثابة قوانين لا يحد من فعاليتها سوى الرجوع إلى استامبول.

ومن التشويه ما يشاع ضد الدولة العثمانية من أن تعصبها للإسلام أدى بها إلى اضطهاد المسيحيين ، وذلك بغرض تكريس النهج العلماني في البلاد الإسلامية ، وغلق باب التفكير في إعادة هيمنة الإسلام على الدولة ، ويرد الأستاذ الدكتور أحمد طربين استاذ التاريخ الإسلامي بجامعة دمشق على ما جاء من ذلك بكتاب"أزمة الفكر ومشكلات السلطة السياسية"لمحمد مخزوم نشر بيروت عام 1968 ، فيقول: ( إن عديدا من المؤرخين المنصفين يرون أن الدولة العثمانية حافظت على أملاكهم وحرية عبادتهم وكنائسهم ، وفتحت لهم أوسع أبواب العمل الحر في الزراعة والصناعة والتجارة . فانتظموا في سلك الحرف المختلفة على قدم المساواة مع زملائهم المسلمين ، وكانوا معهم في تعاطف وود ، بل إنهم برزوا في ميدان التجارة الخارجية لصلتهم مع الأوربيين ، وتكونت منهم طبقة بورجوازية غنية ، وتشهد بذلك سجلات المحاكم الشرعية في مختلف الحواضر العربية ) أنظر المجلة العربية للعلوم الإنسانية التي تصدر عن جامعة الكويت العدد 31 ص 269

ومن السهام الهدامة الموجهة ضد تاريخنا في مجمله - وفي سياق تقويم الدولة العثمانية بالذات - ما يجري من محاكمة هذا التاريخ باسم مذاهب سياسية محدثة كالقومية والوطنية ، ومن ذلك القول بأن مصر لم تعرف الاستقلال الوطني والحكم بيدي مصري منذ عشرات القرون إلا بعد الثورة المصرية عام 1952 .

ويرد على هذا أصحاب هذا القول: بأن جميع الشعوب كانت كذلك إلى عهد قريب ، انجلترا وفرنسا ،وإيطاليا وألمانيا إلخ ، ونقول لهم ما قاله مارستون بيتس في كتابه ( الانفجار السكاني ) وهو بصدد تقسيم البشر إلى أنواع ، ومقاييس هذا التقسيم: هل هو العنصر أو السلالة ، أو الجغرافيا ، أو الثقافة ؟ حيث يقول:( كلما أمعنا في التفكير في هذا الأمر ازداد غرابة في نظرنا ،"فالحكومة الوطنية"هي اختراع حديث العهد من الوجهة التاريخية . ويحمل الناس أحيانا الثورة الفرنسية وما تلاها من المغامرات النابليونية وزر هذا الاختراع .

أما إيطاليا وألمانيا فلم تظهرا على المسرح كأمتين إلا في عام 1870 مـ

ومما لا ريب فيه أن أمما كثيرة مثل فرنسا وانجلترا كان لها تاريخ عريق في السيادة الوطنية على مناطق لا تكاد تختلف عن حدوده الحالية ، ولكن هذا الأمر يبدو نتيجة لسلسلة من الأحداث التاريخية والجغرافية أكثر منه ظاهرة وطنية .

ومن جهة أخرى فليست هناك دولة وطنية تطابق مجموعة عنصرية واحدة .

وهناك عدد من الأمم متجانسة السكان تقريبا من وجهة النظر العنصرية ، ولكنها لا تمثل في الحقيقة إلا شطرا صغيرا من العنصر الذي يعيش فيها ، لأن القسم الأعظم من الأشخاص الذين ينتمون إلى ذلك العنصر ينتشر ما بين الأمم الأخرى .

ولقد أصبحت الخصائص الوطنية مؤخرا من المواضيع التي يوليها علماء الأجناس البشرية كل اهتمام في دراساتهم ، ويبدو أن فكرة"الرجل الإنجليزي"و"الرجل الإمريكي"أو الرجل الألماني"أصبحت الآن حقيقة واقعة ، لا تختلف بشيء عن فكرة وجود عنصر خاص أو حضارة قبلية )الانفجار السكاني ص 79-80"

والمتأمل في هذه الحقائق يجد أنه من الخطأ والظلم معا محاكمة التاريخ الإنساني السابق على هذه المفاهيم الوطنية أوالعنصرية ، وبخاصة لو أدركنا بخصوص الحضارة الإسلامية أن أبناءها كانوا في مرحلة حضارية قد تجاوزت من الناحية القيمية هذه المفاهيم ، ولو عرضت عليهم لرفضوها كما رفضوا الشعوبية ، والتجزئة ، والقبلية والعنصرية ، استمساكا منهم بالأفق الأسمى المفتوح أمامهم بتعاليم لإسلام ، والذي يطبق مفهوما ساميا من العالمية ينبني على الأخوة في الإسلام .

مهما يكن من أمر فإن أحدا لا ينكر أن النظام الإسلامي لم يصل قط إلى مرتبة التطبيق الكامل الذي يحلو لبعض العلمانيين أن يحاكموه عليه

.وهكذا الأمر في كل الأنظمة عند التطبيق وطنية أو قومية أو ديموقراطية أوغيرها:

على أن ذلك لا يحسب على الإسلام ضد صلاحيته التاريخية ، ولكنه يحسب له باعتباره هدفا خالدا لهذا التطبيق في سياق التاريخ .

إن سرا عظيما من أسرار بقاء الإسلام وصلاحيته لكل زمان ومكان يكمن في أنه يعلو دائما فوق كمال التطبيق ، ليظل مثلا أعلى تسعى البشرية إلى الاقتراب منه وتجاهد في الوصول إليه.

إن أي نظام - في التطبيق - لا يجد التطبيق الأمثل الأكمل ، حتى هؤلاء المبهورون بنظم الغرب لا يجسرون على القول بأنها نظم شاهدت اكتمال التطبيق ، سواء النظم الديموقراطية ، أو الاشتراكية أو العلمانية ، وهاهو فوكوياما في مقاله الأخير وفي معرض دفاعه عن الديموقراطية الليبرالية يقرر أن عجزها التطبيقي في بعض المواقع لا يدل على فشلها . ويقول روجيه جارودي الفيلسوف الفرنسي الذي دخل في الإسلام: ( لقد أطلق مؤرخونا بحق على الأعاصير العاصفة - مثلا - التي بناها تيمورلنك بسبعمائة ألف جمجمة بعد احتلاله أصفهان: اسم الغزوات البربرية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت