فهرس الكتاب

الصفحة 1486 من 3028

وإن المرء ليستغرب من هؤلاء المحدثين لو أنهم كانوا يهدفون إلى متعة البحث ، أو إلى متعة الفن ، أو إلى متعة الصراع بين الحق والباطل ، ( الدراما ) فقد كان أمامهم متسع لا يلتقون فيه بالشبهات ، ولا يحركون فيه مواجع المسلمين ، ولا يدفعونهم إلى تأجيج نار الثأر ، وتحريك عوامل الفرقة والتمزق ، لقد كانت أمامهم: حروب الردة التي اشتعلت في آخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحروب مدعي النبوة من أمثال: الأسود بن كعب بن عوف العنسي ، ومسيلمة الكذاب ، وطليحة بن خالد الأسود ، وذي التاج لقيط ين مالك الأزدي .

وفي حروب الدولة الإسلامية مع فرقة الراوندية التي ابتدأ خروجها منذ أواخر الدولة لأموية وامتدت في عهد المنصور: وقد كانوا يطوفون بقصره قائلين ( هذا قصر ربنا ) فلما صدهم عن ذلك ثاروا عليه وحاربوه .

وفي الحرب البابكية التي استمرت أكثر من عشرين عاما ، من عهد المأمون ، (201) هـ إلى عهد المعتصم (223) هـ ، وكانت حربا فارسية ضد الإسلام ، تحالفت في الوقت نفسه مع الدولة البيزنطية .

وفي حروب المسلمين مع الدولة الرومانية التي لم تهدأ قط منذ ظهور الإسلام ، مرورا بالحروب الصليبية إلى نكبة الأندلس ، إلى العصر الحاضر حيث تعتبر أوربا نفسها وريثة تلك الدولة الرومانية ، في ثأرها ضد من أزاحوها من جنوب البحر الأبيض وشرقه . وحيث تعتبر أوربا نفسها في صراع مستمر مع الإسلام الذي أزاحها من هذه المناطق .

في كل ذلك وفي غيره مجالات لا تنفد لمن يريد استنطاق التاريخ دروس الحق والخير والجمال . . لكن أولئك يجدون أنفسهم مزنوقين في حوادث الفتنة بين الصحابة والتابعين لأغراض لا تخفى على أحد .

وأخيرا جاءت الطبعة الأخيرة من المحاربين للإسلام ليقولوا: ( إن التجارب التاريخية - في الحكم الإسلامي - لم تكن إلا سلسلة طويلة من الفشل .. )

ونحن نقول: إنه إذا كان من المسلم به أن عصر الخلفاء الراشدين كان هو الأقرب إلى مثالية النظام الإسلامي ، فإن هذا لا يعني أنه كان عصرا عقيما لا ينجب ، ولكن يعني أنه - وبالنظرة العلمية أيضا - قابل للتكرار ، وفقا لقانون السبب والنتيجة ، فكلما حصل السبب كان لابد للنتيجة أن تحصل ، وليس في الأمر خصوصية فرد ، أو معجزة عصر ، ولكن حيث يتوفر القبول للنظام الإسلامي والرغبة فيه يظهر الإنسان المشابه والعصر المشابه لعصر الخلفاء الراشدين .

ومهما يكن من أمر فإنه ليصح القول بأن النظام الذي يثمر أبا بكر وعمر ولو على سبيل الندرة المطلوبة لهو أفضل - تاريخيا وعمليا - من الأنظمة التي لم تثمر شيئا من ذلك ، إن الندرة - مع كونها كذلك - تظل مقياسا تقاس به طبيعة الأنظمة ، ومدى ما تصل إليه في مدارج الصلاح أو الفساد على مدى التاريخ .

فالنظام الذي يكون أعظم ما يصل إليه - بالندرة - أن يقدم شخصية عمر غير النظام الذي يكون أقصى ما يصل إليه شخصية الإسكندر ، أو شخصية هتلر ، أو شخصية كلينتون ، أو بوش ، أو توني بلير ، أو شخصية"مايكل جاكسون"المغني المخنث ذائع الصيت ، مع دخول أولئك جميعا في خانة الندرة المطلوبة ، لكن لكلِّ دلالته على فضيلة عصره أو خسته.

إن الأمويين عموما كما يقرر المؤرخون أصحاب دعوة إسلامية: تمرنوا على قيادة الجيوش ، وحكم الناس ، منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكان أكثر عماله منهم ، وقد امتد ملك الإسلام في عهدهم من سواحل الأطلنطي إلى بلاد الصين ، ومن جبال القوقاز ، إلى خط الاستواء وما وراءه . ودخلت الإسلام في عهدهم أمم الأرض كلها: من العرب والسريان ، والفرس ، والكلدان ، والمصريين ، والنوبيين ، والبربر، والسودان ، واليونانيين ، والهنود ، والترك والتتار ، وأمست آي القرآن تتلى في سمرقند كما تتلى في قرطبة ، وكاد الإسلام أن يستقر في جنوب فرنسا بعد أن اجتاحها .

هذا الحجاج بن يوسف الثقفي الذي ينصبونه هدفا لطعناتهم للتاريخ الإسلامي وإفراغه من محتواه يقول عنه الدكتور عمر فروخ: ( لما جاء الحجاج إلى العراق كانت حروب الفتن قد خربت الدور ، وطمرت الأفنية ، فخلت المزارع من فلاحيها ، وهجر معظم أهل القرى قراهم ، فلم يبدأ الحجاج إصلاح البلاد وتنظيم الإدارة بإصدار المراسيم ، والقوانين ، ولكنه أعاد بناء البلد وأصلح الطرق ، وأعاد حفر الأقنية ، بعدئذ أمر أهل القرى بالرجوع إلى قراهم ، وأخذ بجمع الضرائب وإرسال الجيوش إلى الفتوح ، فانتشر الأمن في طول البلاد وعرضها ، حتى كانت المرأة تنام وحيدة في بيتها ، وباب بيتها مفتوح ، ولما مات الحجاج بن يوسف خلف مصحفا وسيفا ، وعشرة دراهم فضة . )

وماذا عن الدولة الأموية بالأندلس ؟ ألم تكن هي التي استقرت هناك ثم أرسلت الحملة إثر الحملة لفتح فرنسا ، حتى تمكنت على يد الوالي القائد عبد الرحمن الغافقي - الذي عين واليا على الأندلس من قبل هشام بن عبد الملك عام 112 هـ - من دخول فرنسا وفتح النصف الجنوبي كله من الشرق إلى الغرب في بضعة أشهر والاستيلاء على بواتييه وإن وقعت هزيمته فيها والخروج منها بعد ذلك ؟

وما ذا عن الدولة العباسية ؟ لا خلاف على أن كانت جماع التقدم البشري شعرا وأدبا وعلما دينيا وعلوما دنيوية ، وسياسة ، وقوة ، وهيبة ، واتساعا ، ومستوى معيشة أصبح يرمز إليها في وجدان الغرب بعالم ألف ليلة وليلة . يقول الأستاذ محمد كرد علي في كتابه عن الحضارة الإسلامية: ( في القرون التي كانت فيها العرب تنعم بلذائذ العقل والعمل والمال وتأخذ من مسرات الحياة الفاضلة بأوفر نصيب ، ويهاب سطوتها البدو والحضر ، وتؤلف أمة متحضرة وحكومات ناهضة ، كان الغربيون - بمواريثهم اليونانية والرومانية واليهودية والمسيحية - متوحشين جاهلين لا يعرفون الترف ، ولا يتذوقون عيش الرفاهية ، لا أمن ولا إدارة ، ولا ملوك يعرفون واجبهم في إقامة العدل ، وتوطيد الأمن )

وما ذا عن الدولة العثمانية المفترى عليها ؟ إن هذه الدولة - كما يقرر المؤرخون المتخصصون ومنهم أد أحمد عبد الرحيم مصطفى - استطاعت أن تعيد لدار الإسلام حضورها وهيبتها ومنعتها بعد ما لحق بها من التفرق والانحسار ، وأن تحمي حياض المسلمين من البرتغاليين الذين غزوا شرق الجزيرة العربية توطئة لدخول البحر الأحمر والزحف إلى مكة المكرمة وهدم الكعبة .

وظل العثمانيون طوال ستة قرون الدرع الواقية للأمة الإسلامية ضد أطماع الاستعمار الأوربي ، وكانوا الذين فتحوا باسم الإسلام مدينة القسطنطينية عاصمة الدولة البيزنطية ، وأطلقوا عليها اسم إسلامبول ، ومنها انطلقوا يرفعون راية الإسلام ، في قلب أوربا: في يوجوسلافيا ، وبلغاريا ، وألبانيا ، ورومانيا ، واليونان .

وكان العثماني يعتبر امبراطوريته التي ما لبثت أن ضمت كل المراكز الإسلامية الكبرى وكأنها الإسلام ذاته ، بحيث أصبح الإسلام في العهد العثماني - وفي أوج قوة الدولة - على مستوى رفيع من الأهمية والنفوذ .

في تلك الدولة - كما يقول الدكتور أحمد عبد الرحيم مصطفى - تغلغل الإسلام في كيان الأمة حتى لم يعد لمصطلح"عثماني"مدلول قومي ، وبحيث ظل العثمانيون حتى القرن التاسع عشر يعتبرون أنفسهم مسلمين في المحل الأول ، وكان الإسلام هو الشرط الأساسي للتمتع بالسلطة والامتياز .

ولم يكن لفظ"تركي"يستعمل في أوج العصر العثماني إلا قليلا للإشارة إلى"التركمان"ثم بعد ذلك إلى الفلاحين الخشنين الجهلة ، الذين يتكلمون اللغة التركية ، ويقطنون قرى الأناضول ، وحتى القرن التاسع عشر لم يتخذ التركي لقب تركي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت