فهرس الكتاب

الصفحة 1485 من 3028

.ويقول صلى الله عليه وسلم ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم ، وقال الترمذي: حسن صحيح ، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما ، ولا أعلم له علة .

وفي الصحيحين ( خير القرون قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ،وقد جمعهم الله تعالى في آية واحدة هي قوله تعالى: ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ، ولا يرضى الله إلا عمن علم حسن خاتمتهم ووفاتهم على المحجة البيضاء

وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) نجد طائفتين من الأئمة والعلماء: من يستشهدون به على فضل الصحابة .

ومن يحكمون بضعفه - أو بوضعه - لكن بعض هؤلاء يقبل معناه ،استنادا إلى حديث آخر صحيح أخرجه مسلم بسنده عن أبي بردة عن أبيه قال: صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قلنا لو جلسنا حتى نصلى معه العشاء ، قال فجلسنا فخرج علينا فقال ما زلتم ههنا ؟ قلنا يا رسول الله صلينا معك المغرب ثم قلنا نجلس حتى نصلى معك العشاء ، قال أحسنتم أو أصبتم . قال فرفع رأسه إلى السماء وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء ، فقال: النجوم أمنة للسماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد ، وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون ، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون )

وممن استشهد بحديث ( أصحابي كالنجوم ) ابن عبد البر في كتابه التمهيد ج 4 ص 263- 267 بعد حكايته خلافا بين ابن عباس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم في حكم غسل رأس المحرم: ورجوعهما في ذلك إلى أبي أيوب الأنصاري ، وأخذهما بما نقل أبو أيوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ابن عبد البر: ( وهذا يبين لك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: أصحابي كالنجوم ) هو على ما فسره المزني من أهل النظر أن ذلك في النقل ، لأن جميعهم ثقات مأمونون عدل ، فواجب قبول ما نقل كل واحد منهم ، وشهد به على نبيه ) .

وفي تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري ج10ص155 -156 بعد شرح حديث"أنا دار الحكمة وعلي - أي ابن أبي طالب رضي الله عنه - بابها"أي الذي يدخل منه إليها ، وأنه لا يعني أن عليا بابها الوحيد يقول: ( ومما يدل على أن جميع الأصحاب بمنزلة الأبواب قوله صلى الله عليه وسلم"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم")

وجاء في المغني لابن قدامة المقدسي ج 3 ص 269 بعد أن ذكر قضاء الصحابة في بعض أحكام الصيد في حالة الإحرام: ( ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم(أصحابي كالنجوم بأيهم اهتديتم ) وقال ( اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ) ولأنهم أقرب إلى الصواب وأبصر بالعلم فكان حكمهم حجة على غيرهم كالعالم مع العامي ).

وقال القاري في شرح قوله صلى الله عليه: ( تركت فيكم ما إن تمسكتم به ..كتاب الله وعترتي أهل بيتي ) - فيما نقله عنه المباركفوري في كتابه تحفة الأحوذي ج10-ص196: ( والمراد بالأخذ عنهم التمسك بمحبتهم .. وهو لا ينافي أخذ السنة من غيرهم لقوله صلى الله عليه وسلم"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) ."

أما الحافظ ابن حجر العسقلاني فبعد أن يذكر أوجه الضعف في سند الحديث يذكر ما قاله الإمام البيهقي في صحة معناه ، لتطابقه مع معنى الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم بلفظ ( النجوم أمنة أهل السماء ) إلخ: ثم يقول: قلت: صدق البيهقي هو يؤدي صحة التشبيه للصحابة بالنجوم خاصة ، وظاهر الحديث إنما هو إشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة من طمس السنن وظهور البدع وفشو الفجور في أقطار الأرض والله المستعان اهـ

في موقع الصدر الأول بين المثالية والواقعية يخوض الخائضون في اختلاف الصحابة ، ويمارسون ما يمارسون من تشويه التاريخ الإسلامي

ونذكر هنا ردا على ذلك ما روي عن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول: ما سرني لو أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة"، ويقول الإمام الخطابي في غريب الحديث: والاختلاف في الدين ثلاثة أقسام: الأول في إثبات الصانع ووحدانيته وإنكاره كفر ، والثاني في صفاته ومشيئته وانكارهما بدعة ، والثالث في أحكام الفروع المحتملة وجوها ؛ فهذا جعله الله رحمة وكرامة للعلماء ، وهو المراد بحديث اختلاف أمتي رحمة . انتهى ."

و أخرج الخطيب عن هارون الرشيد قوله لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله نكتب هذه الكتب يعني مؤلفات الإمام مالك ونفرقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمة . قال يا أمير المؤمنين إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمة كل يتبع ما صح عنده وكل على هدى وكل يريد الله تعالى. أهـ من كشف الخفاء .

يقول الإمام ابن حجر: ( اعلم أن الذي أجمع عليه أهل السنة أنه يجب على كل أحد تزكية جميع الصحابة ، وإثبات العدالة لهم ، والكف عن الطعن فيهم ، مع الثناء عليهم فقد أثنى الله عليهم في كتابه العزيز ) . وقد اعتبر علماء المسلمين - ومنهم الإمام مالك رضي الله عنه - أن القدح في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدح في الرسول صلى الله عليه وسلم ، وتلفيق الروايات في مثالبهم وخلافاتهم لا يعدو أن يكون القصد منه الرسالة المحمدية ،والذي جاء بها ، والذي جاء فيها .

ونحن نقول: - وبناء على ما تقدم من تحقيق منهجي في مكانة الصحابة يصبح - على المسلم أن يرفض أي رواية تاريخية تخالف ذلك لأنها كاذبة في منهجه العلمي والإيماني معا

إنه من الغريب أن بعض هؤلاء الذين يشككون في الصحابة يتساهلون إلى أبعد حد في قبول بعض أخبار التاريخ ، وقد يكون نبأ من فاسق ، وهو الأمر الذي جر الويلات في طعن تاريخنا في الصميم .

وإنه ليغيب عن الكثير منا أن التاريخ الإسلامي لم يكن يكتب في حينه ولكن في ظل الدولة الجديدة ، وقد تولى كتابته نماذج مختلفة من المؤرخين ، يتباينون في اتجاهاتهم ، ودوافعهم ، ومهم مؤرخون ثقات ، أمثال ابن جرير الطبري ، وابن الأثير ، وابن كثير ، وقد وضع هؤلاء لأنفسهم منهجا علميا معلنا: هو أن يذكروا أسماء الرواة الذين ينقلون عنهم ، وأن يذكروا الأخبار كلها من مختلف المصادر ، ثم يتركون لمن بعدهم أن يميز بين الصحيح وغير الصحيح .

ثم لحق التشويه بمنهج هؤلاء ممن جاء بعدهم حيث ذكروا رواياتهم بعد أن جردوها من الأسانيد ، وضموا الروايات بعضها إلى بعض للاختصار ، أو لأغراض خاصة ، فاختلط الحابل بالنابل ، وأصبح من الصعب على قرائهم أن يفرقوا بين روايات الثقات ، وروايات أصحاب الأهواء ، فنشأ من ذلك ترديد لكثير من الأخبار التي اختلقها أعداء الإسلام ، ووصل الأمر - حديثا - إلى نقل الأخبار من مراجع السمار ، كالذي انساق إليه الكتاب المحدثون من الأخذ من كتاب"الأغاني"لأبي الفرج الأصفهاني ، واعتباره مصدرا للتاريخ ، ودرة للتراث !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت