فهرس الكتاب

الصفحة 1482 من 3028

ثم يقول الدكتور قاسم ( كانت الفكرة التي ملكت عقول أبناء الغرب الأوربي في أخريات القرن الحادي عشر الميلادي هي فكرة تخليص الأرض المقدسة من المسلمين ، وقد أدى هذا بالضرورة إلى إبراز أهمية القيام بحملة مسلحة - وهي الحملة الصليبية - لتحقيق هذا الهدف ، ولقد كانت الفكرة الحاسمة في كليرمون عام 1095 هي عسكرة الحج ، وإضفاء طابع القداسة على هذه الممارسة . كان الصليبي في حقيقته حاجا من طراز خاص ، إذ كان يتمتع بامتياز حمل السلاح ، وكان السيف الذي يحمله الصليبي مباركا من الكنيسة باعتباره جنديا في جيش المسيح ، كما كانت سائر مهمات الحاج هذا تحظى بمباركة الكنيسة ، ثم توارت كلمة حاج التي استخدمها المؤرخون الذين عاصروا الحملة الأولى رويدا رويدا ، وأخذت تحل محلها كلمة"جندي المسيح"ثم"صليبي"، وكان أهم عناصر الحملة المقدسة التي دعا إليها البابا يتمثل في مفهوم"الغفران"الذي كان هو العنصر الأهم في عيون الفرسان ، والعامة ، لقد خطب البابا أربان الثاني في كليرمون قائلا:"إنني أخاطب الحاضرين ، وأعلن لأولئك الغائبين - فضلا عن أن المسيح يأمر بهذا - أنه سوف يتم غفران ذنوب كل أولئك الذاهبين إلى هناك إذا ما انتهت حياتهم بأغلالها الدنيوية ، سواء في مسيرتهم على الأرض أو اثناء عبورهم البحر ، أو في خضم قتالهم ضد الوثنيين !! ، وهذا الغفران أمنحه لكل من يذهب بمقتضى السلطة التي أعطاني الرب إياها".ثم تحول هذا الغفران الجزئي في الحملة الأولى إلى غفران كامل في الحملة الثانية - 1145-1149م - ويؤدي هذا الغفران - في زعمهم - إلى غفران جميع الخطايا والإعفاء من التوبة والتكفير . )

ومن قراءة نصوص الروايات التي أوردها المؤرخون حول خطبة البابا أربان الثاني في كليرمون ، يتبين: أنه كان يدعو إلى حملة مقدسة هدفها فلسطين اعتمادا منه على نصوص وردت في الأناجيل المسيحية ، وأهمها نص من إنجيل لوقا يقول:"ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذا".

وانه كان يدعو إلى هذه الحملة المسلحة باسم الرب بوصفه نائبا عنه في الأرض ، يقول البابا: ( إنني لست أنا ولكن الرب هو الذي يحثكم باعتباركم وزراء المسيح أن تحضوا الناس من شتى الطبقات ) - راجع كتاب ماهية الحروب الصليبية للدكتور قاسم عبده ص 110 - 111 - ثم برر البابا هذه الحرب بأن هدفها أن تحرر الكنيسة الشرقية من ربقة المسلمين ، وأن تخلص الأرض المقدسة من سيطرتهم ، هذه الأرض التي وصفها الكتاب المقدس بأنها تفيض باللبن والعسل ، ووصفها أربان الثاني بأنها ميراث المسيح .

ثم أشار البابا إلى منح الغفران الجزئي لكل من سيشارك في هذه الحملة سواء مات في الطريق إلى الأرض المقدسة ، أو قتل في الحرب ضد المسلمين .

وقد لقيت هذه الخطبة استجابة فورية هائلة من الحاضرين ، وتجسدت هذه الحماسة في عبارة أخذ يرددها جمهور الحاضرين ، معناها ( الرب يريد ) ، وسارع الكثيرون إلى البابا يقسمون أمامه على القيام بالرحلة ، كما أخذ كثيرون يخيطون صلبانا من القماش على ستراتهم رمزا لأخذهم شارة الصليب . وتم الاعتراف بجميع الفرسان الذين أقسموا على الذهاب جنودا في جيش الرب . وصار الصليب شارة كل فارس في كل حملة صليبية .

وبعد خطبة البابا قام برنارد مقدم دير كليرفو بشرح ما قاله البابا قائلا: ( أيها الجندي الباسل يارجل الحرب: الآن لديك قضية تجعلك تقاتل دون أن يحيق الخطر بروحك ، قضية النصر فيها مجيد ، والموت في سبيلها مكسب ، إن باستطاعتي أن اقدم لك صفقة محترمة ، فلا تجعل هذه الفرصة تفوتك ، خذ شارة الصليب وفي الحال ستنال الغفران على كل خطاياك . ولن يكلفك كثيرا أن تشتري مكافأة السماء إذا ارتديت شارة الصليب في تواضع ) كتاب ما هية الحروب الصليبية للدكتور قاسم عبده ص 30

ثم حدث تطور جديد في منح الغفران ، فقد صارت البابوية تمنحه لمن يرسلون المحاربين بدلا منهم ، ولمن يساهمون بأموالهم في تمويل إحدى الحملات ، عوضا عن المشاركين بأنفسهم .

يقول أحد البابوات في عام 1246 م: ( نحن نمنح الغفران لكل أولئك الذين أخذوا على عاتقهم إنجاز هذا العمل شخصيا ، وعلى نفقتهم كما نمنح الغفران لأولئك الذين لا يشاركون في الحملة شخصيا ، ولكنهم يرسلون المحاربين اللائقين على نفقتهم حسب إمكاناتهم ، ونمنحه أيضا للذين يقومون بهذا العمل على نفقة الآخرين ، ونحن نرغب في أن يتمتعوا بكل الحصانة والامتيازات التي نمنحها في المجمع الكنسي العام ، لمن يساعدون الأرض المقدسة ) كتاب ماهية الحروب الصليبية ص 33

حتى الأطفال كان لهم دور: ففي أوائل القرن الثالث عشر خرجت حملة عجيبة من أوربا الغربية عرفت باسم ( صليبية الأطفال ) بقيادة صبي فرنسي في الثانية عشرة من عمره اسمه استيفن زعم أنه تلقى خطابا من المسيح يخبره بأن العناية الإلهية اختارته لقيادة حملة من الأطفال الأبرياء الذين سوف يستردون - في زعمه - مدينة القدس ، بعد أن فشل الملوك والأمراء والبابا وغيرهم في استعادتها بسبب ذنوبهم ، وخرج معه بضع مئات من الأطفال من باريس وغيرها من أقاليم فرنسا ، وانضم إليها عدد من صغار لقساوسة ، وسار موكب حملة الأطفال الصليبية حتى مرسيليا في انتظار أن ينشق البحر أمامهم في معجزة مثل تلك التي حدثت لموسى عليه السلام ، ثم جاءت سفن نقلت عددا منهم إلى جهة مجهولة .

ويبدو أن أطفال ألمانيا أحسوا بالغيرة حين وصلت أنباء حملة استيفن إلى حوض الراين ، فخرجت من ألمانيا حملة أخرى بقيادة صبي اسمه نيقولا من إحدى قرى إقليم الراين ، وتخلف بعضهم في الطريق ، أما الذين سافروا فلم يعرف أحد ماذا جرى لهم على وجه اليقين . كتاب ماهية الحروب الصليبية ص 150-151

يقول الدكتور قاسم عبده: ( إنه إذا كان الفارس الإقطاعي في غرب أوربا في القرن الحادي عشر متوحشا همجيا مولعا باللذات الحسية ، لكنه كان في الوقت نفسه متدينا على طريقته ، فقد كان يتقبل تعاليم الكنيسة بلا منا قشة ، وكان كثير منهم يؤدون الطقوس والشعائر الكاثوليكية .. وكان من عادتهم منح الهبات السخية للأديرة ) كتاب ماهية الحروب الصليبية ص 72

وفي مكة المكرمة في أيام صلاح الدين وبعد أن بسط سلطانه على منطقة تمتد من النيل إلى الفرات قام الصليبيون بعدة غارات عبر شبه جزيرة سيناء ، ووصلت قواتهم حتى بحيرات البردويل في منطقة السويس ، وشنوا غارات على تيماء في شبه الجزيرة العربية ، وحاول أرناط أمير الكرك أن يقتحم البحر الأحمر ويغزو مكة والمدينة وهاجم بعض مواني مصر والحجاز لولا أن الأسطول المصري سحق أسطوله تماما كتاب ماهية الحروب الصليبية ص 72

و بعد أن عرفنا ماذا حدث في تحريك النفوس باسم الصليب لننظر بعد ذلك ماذا حدث في تحريك الرءوس والرقاب عن أكتافها باسم الصليب أيضا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت