ولقد عني الصهاينة بذلك عناية كبرى: وتظهر المؤرخة الأمريكية الصهيونية ييل زيروفابل في كتابها ( الجذور المستعادة: الذاكرة الجماعية و تشكيل التقليد الوطني الإسرائيلي ) الصادر عام 1995 أن قصة الانتحار الجماعي لليهود في روما في قلعة"مسادا"لم تكن معروفة لغالبية اليهود قبل أواخر القرن الماضي ، وتقول إن شهرة القصة بدأت عند ترجمة كتاب"حروب اليهود"للمؤرخ اليهودي القديم جوزيف إلى العبرية في عام 1862 ، وأعيد تركيبها لتصبح"نقطة تحول رئيسية في التاريخ اليهودي ، وحجا لليهود في العصر الحالي وموقعا أثريا شهيرا ، ورمزا سياسيا معاصرا"
ومن هذا المنطلق: ألا وهو إدراك أهمية التاريخ في سياق الغزو الفكري للعالم الإسلامي أخذت تنهال المعاول على تاريخنا بقسوة وشماتة ، بهدف إفراغ المسلم من ماضيه ، واقتلاعه من جذوره ليصبح بعد ذلك مطواعا لكل تيار جديد ، وليصبح خلعه من دينه بعد ذلك أمرا ميسورا.
إنها معركة خاضت مثيلاتها - كما يقول إدوارد سعيد - كل الشعوب التي تعرضت للاستعمار ، والتي سيطرت عليها قوى خارجية احتلت الأرض أولا ثم أعادت كتابة التاريخ لكي تكتسب شرعية وجودها في تلك الأرض ، وشعرت كل دولة استقلت بعد تفكيك الامبراطوريات الحديثة في أعقاب الحرب العالمية الثانية بضرورة استعادة تاريخها بأقصى ما يمكن من البعد عن الأحكام المسبقة التي أدخلها المؤرخون الأجانب ، ومن لف لفهم .
و للمستشرقين دور في هذه العملية الموجهة ضد التاريخ الإسلامي يقول إدوارد سعيد: 0 ( إن المستشرقين الغربيين المحدثين يعيدون كتابة تاريخ الإسلام كقصة لا تنتهي من الحقد واللاعقلانية حتى يبدو الوجه العربي والمسلم لفلسطين وكأنه جزء ضائع أو حتى غير موجود ) راجع حديث لإدوارد سعيد بعنوان"جناية النزعة القومية على التاريخ"بجريدة الخليج 24\8\1996.
ومن الواضح لدينا أن الأمر لم يقتصر على المؤرخين الغربيين وإنما شاركهم في ذلك أتباعهم من أبناء البلد ، كما شاركت بصفة جوهرية مناهج التربية في المدارس والمعاهد والجامعات . فضلا عما سيأتي بعد . وإلا فمن أين جاء الجهل المطبق بين أجيال هذه الدور بتاريخنا مع الصليبيين والصهاينة والاستعمار ، وتاريخ فلسطين .
ولقد اتخذ هذا الغزو في مجال التاريخ: ثلاثة اتجاهات:
اتجاها لتجميل الصورة - الشائهة أصلا - لتاريخ الأعداء .
واتجاها إلى تشويه مالا يمكن محوه من التيار العريض لتاريخنا الإسلامي .
واتجاها إلى المحو ، حيث يكون ذلك ممكنا من تاريخنا ، في مجال ما قد يظن أنه دائرة صغيرة من دوائر التاريخ الإسلامي يمكن الإجهاز عليها .
وفي جميع الأحوال كان الهدف هو إخراج الإسلام من الساحة . فبمحو التاريخ الإسلامي أو تشويهه يتم إخراج الإسلام من الساحة بدعوى أنه لم يكن له دور إيجابي ، وبتجميل تاريخ أعداء الإسلام يتم إخراج الإسلام من الساحة بدعوى أنه لم يكن لتحركهم تجاهنا أسباب دينية .
وأخيرا فإن علينا - وبخاصة في عصر جلد الذات الذي نعيشه اليوم لدوافع بعضها خبيث هدام - أن نقبل على دراسة تاريخنا بحب ومودة ، وأن نكون واثقين من قدرتنا على أن نصنع من المجد مثلما صنع آباؤنا ، وفي هذا الأمل الواثق يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مثل أمتي مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره ) رواه الترمذي والحاكم والطبراني في الأوسط ، والبزار بإسناد حسن.
في سياق الاعتداء على التاريخ الإسلامي تجري عمليات تجميل تاريخ الأعداء في علاقتهم معنا أو تخفيف مدى القبح فيهم ، حيث يقوم الخونة من عملائهم وأذيالهم بتفسير مواقفهم في أحسن الأحوال على وجوه شتى: تفسيرات حضارية ، أو اقتصادية ، أو اجتماعية ، أو تطورية ، أو عرقية ، أو مصلحية ، أو ديموقراطية ، أو استعمارية محبوبة ! أو تحريرية موبوءة ؟؟! وفي جميع الأحوال يظهر الحرص على كتمان التفسير الديني: والهدف من ذلك كما سبق أن قلنا إخراج الإسلام من الساحة .
وبهذا جميعه يتم تعمية المستقبل على المسلمين بجعلهم يجهلون: من العدو ؟ فإذا جهلوا من عدوهم جهلوا من صديقهم ، فوقعوا في مصادقة العدو ، ثم وقعوا في عداوة الأصدقاء كما هو الحال اليوم
فإذا ذهبنا نستعرض كيف تم تجميل وجه الأعداء فإننا نتعرض هنا: للموجات: الصليبية ،.
يقول الدكتور قاسم عبده في كتابه ماهية الحروب الصليبية تأليف الدكتور قاسم عبده العدد 145 من سلسلة عالم المعرفة - الكويت ص 13 ( لقد استقر في الوجدان الشعبي الأوربي والأمريكي أن الحملة الصليبية لابد أنها كانت بالضرورة حملة نبيلة القصد والهدف ، بل إننا كثيرا ما رأينا قادة الرأي والساسة الغربيين يستخدمون مصطلح"الحملة الصليبية"بهذا المفهوم النبيل والخيِّر والعادل ) . ومن الغريب أن الدكتور قاسم عبده يرى أن تجريد هذه الحملات من هذا التزويق يكون بتجريدها من وصف"الصليبية"الذي وقعنا فيه عن طريق شباك الترجمة عن الأوربيين ، وأن الأولى بنا أن نعود إلى تسميتها بما سماها به المؤرخون العرب في بداية الأمر ، يقول سيادته ص 15: ( ووجه الخطورة في هذا المصطلح عند ما يستعمل في اللغة العربية فإنه يوحي بأن الحركة كانت ترتبط بالصليب رمز المسيحية . ولا تقدمها في إطارها الصحيح !!! باعتبارها مغامرة استيطانية ) . ومع تقديرنا لهدف سيادته المعلن وهو تجريد تلك الحملات من زيف النبالة والانتساب للدين ، فإننا نختلف معه في الوسيلة التي تؤدي إلى عكس ما أراد: إذ في هذه الوسيلة دفاع عن الصليبية بوجه أو بآخر ، وهو تزويق آخر بوجه آخر ، ونحن نرى أن هذه الحملات إن أنكرنا عليها أن يكون الصليب هدفا - جدلا - فإن أحدا لا يمكن أن ينكر أنه كان أداة ، وعود على بدء ففي الحالين يكون الصليب قد قام بالدور الأساسي في هذه الحروب وفقا لمعتقدات أصحابه ، ومهما قلنا بأن الصليب لم يكن هدفا ، وإنما كان الاستيطان ، فهذا لا ينفي أن الاستيطان الذي تحدث عنه سيادته هو استيطان الصليب . وهذا ما نستند إليه فيما يقول الدكتور قاسم عبده نفسه: ( إن الحملة الصليبية كانت التطور المنطقي للحج المسيحي إلى فلسطين .. وإن أوربا التي بدأت تشعر بقوتها رفضت بقاء أرض المسيح بأيدي المسلمين الذين صورتهم الدعاية الكنسية في صورة الكفار المتوحشين . يقول البابا أربان الثاني من أكبر الدعاة إلى الحملة الصليبية الأولى عن المسلمين في سيل من الأكاذيب:"إنهم جنس غريب على الرب تماما ، قد غزا أرض أولئك المسيحيين ، وأخضع الناس بالسيف والتدمير والحريق ، كما حمل بعضهم أسرى إلى بلاده ، وذبح البعض بوحشية ، وسوى الكنائس بالأرض ، وأجروا عمليات الختان للمسيحيين ، وصبوا دماء الختان على مذابح الكنائس أو في أواني التعميد")