وأقول: إن الصعوبات قد تفتق من الإبداعات وتفتح من المكنونات والمخزونات ما لا يتفتح في ظل الأوضاع الراكدة لكن المسألة تحتاج اليوم إلى قيادات استثنائية متفانية متوازنة مقدامة هائلة التفكير ، حكيمة التدبير ، شورية القرار ، ملمة بالعصر ، شاملة الطرح ، واسعة الأفق ، رحبة النظر والرؤى ، متسامحة ، وإلا فلا داعي للمواجهة من الأساس.
إن التحديات لا تخيف ، لكن التخلف هو الذي يخيف ، بمعنى أن تظل الأطروحات المكرورة والمهزوزة والممجوجة ، والخلافات تسود العمل الإسلامي ، هذا يخيف أكثر من الصهيونية ومكرها ، وأمريكا وغدرها.
الآن زمن التشمير ، لكن التشمير الحكيم ، لا العمل الهزر النزر الذي لا حب تحته ولا طائل وراءه ، ولربما كان العمل بحاجة إلى شيء من التكتم ، والمراجعة الدائمة ، والنقد الذاتي ، واستغلال كل طاقة ، والاستماع إلى كل صوت.. إن الفردية جنت علينا ، أفننقلها إلى العمل الإسلامي ؟
ثم لا بد من التركيز على مشروع المواجهة في فلسطين ، إن انتهاء المواجهة مؤذن بانهزام مشروعنا الثقافي والحضاري كله لعدة سنين فلا بد من المواصلة ولتكن التضحيات ما تكون.
ثم لا بد من الخروج من قوقعة التحزبات ، فهذا أوان الخروج من الشرائق ، للتعاون والتلاقي والتناصح والتآخي ، والانفتاح على الجميع ، فالهجمة أكبر من الجميع ، والموج طاغ ، والعدو باغ ، والإمكانات - إن حشدت - مباركة ، والفارق الهائل مع عدونا لا يجسره ولا يردمه إلا تعاوننا وشحذ قدراتنا ، التخطيط الجيد ، العمل الدؤوب ، الطرح الواسع ، الأخوة الحقيقية بين المؤمنين ، التسامح مع الآخرين ونبذ التعصب ، الانفتاح على العصر وفهمه بعمق ، اليقين المطلق بالحق الذي نحمل.. كل ذلك من معينات المرحلة الحرجة التي تعيش.
تلاحم الأجيال:
كما دعا فضيلة الشيخ أحمد نوفل إلى تلاحم الأجيال فقال: إن الحركة ناموس الوجود ، والتجدد سنة الكون ، والحركات لا بد أن تستوعب هذا ، فحكمة الشيوخ مطلوبة، ودماء الشباب الفوارة وحماسهم الجياش مطلوب كذلك ، في تناغم وتعايش بين الأجيال ، لكن يحصل أحيانًا فجوة وجفوة بين الأجيال ، وعين هذا على هذا والعكس ، ولقد مضى زمان مثل هذا العبث والضياع ، والحرص على الموقع مصيبة، فمن عاقل يحرث على موقع في الذروة في هذا الريح العاتي ؟ اللهم إلا إذا كان لا يستوعب المرحلة ، فالمفروض أن يتصدى للإمامة والقيادة الأكفأ والأمضى عزمًا ، بقطع النظر عن الزمن ، فلرب من أفنت الأيام عمره يملك من مضاء العزيمة ما لا يملك من هو قادم إلى الوجود حديثًا ، هذه معركة مصير ، ومعركة وجود ، ينبغي أن يفسح فيها لكل صاحب طاقة ، ولكل صاحب قدرة وعقل وحكمة ورؤية وروية ، وأن يثق بعضنا ببعض ، وأن تتناغم الأجيال وتتعايش ، مضى زمان النوم ، مضى وقت التردد والحساب ، وآن أوان الجد والعمل ورص الصف وحشد الطاقة واستنفار كل مخزون الأمة الروحي والنفسي والعقائدي والحضاري.
الدكتور محمد خضر عريف
فشل المشروع السياسي:
من جهته أكد الدكتور محمد خضر عريف أنه ينقص عالمنا العربي في الوقت الحاضر الكثير من المشروعات كي يخرج من ضائقته المزمنة ، وينهض من الضعف المدقع الذي ألم به ، حتى أصبح من الكتلة البشرية الأكثر ضعفًا في بدايات القرن الحادي والعشرين.
ومن تلك المشروعات التي تنقص العالم العربي: المشروع الاقتصادي ، والمشروع العسكري ، والمشروع الإعلامي ، وقبلها جميعًا: المشروع السياسي ، إذ ما تزال السياسة العربية هائمة على وجهها منذ نهاية القرن الماضي ومطلع القرن الحالي.
ولم يستطع العرب منذ تحرر كل بلدانهم من نير الاستعمار الغربي - أو الإمبريالية الغريبة وهو التعبير الأدق - لم يستطيعوا أن يحددوا لأنفسهم طريقة ما ، فتشتتوا بين القومية والاشتراكية - وهي الاسم الملطف للشيوعية - والانغلاق والانفتاح والرأسمالية ، حتى أفلست هذه جميعا وأخفقت في تمثيل المشروع السياسي العربي ففكر العرب في بدائل كثيرة لم يكن الإسلام يومًا واحدًا منها ، بل على العكس ظلوا يعتقدون أن الإسلام - بوصفه بديلًا لكل الأيدلوجيات التي اعتنقوها - مرفوض تمامًا ، بل ويجب حربه والتصدي له: إذ يمثل الخطر الأكبر ، وبناء عليه بقي العرب تحت وطأة الإمبريالية ولكن بشكل غير مباشر ، وهذا الشكل غير المباشر أنكى وأشد بلاء من الشكل المباشر الذي تنكشف فيه كل الأوراق ، بينما تلعب الإمبريالية في الخفاء في الشكل غير المباشر ، وبالنسبة لهؤلاء الإمبرياليين فإن غايتهم الكبرى متمثلة في عدد من الأمور أهمها: إحكام السيطرة على القرار السياسي في البلدان التي تقع تحت سيطرتهم فلا يكون هذا القرار إلا مناسبًا لتطلعاتهم وأطماعهم بغض النظر عن مصالح تلك البلدان أو مصائرها ، ومنها السيطرة على مقدرات تلك البلدان وامتصاص خيراتها بحيث ينتعش اقتصاد الدولة المسيطرة ويتردى اقتصاد الدول المسيطر عليها ، ومنها كذلك الهيمنة والعربدة العسكرية التي تهدد بالثبور وعواقب الأمور كل من يخرج عن الطوع وقد تبادر إلى الذهن (ضرب المربوط فيخاف السايب) كما يقول المثل العربي .
وهكذا تحقق الإمبريالية غير المباشرة الأهداف نفسها التي تحققها الإمبريالية المباشرة ، ويحدث ذلك كله في ظل غياب المشروع السياسي العربي ، ويبدو في تقديري أن العرب لم يبدأوا معركتهم من أجل تحرير بلدانهم وشعوبهم من وطأة الاستعمار أو الإمبريالية بعد ، مع أن عشرات السنين قد انقضت منذ إعلان استقلال الدول العربية عن المستعمر الغربي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ، وبعد كل الضوائق التي مر بها العرب في هذا القرن ، لا بد من التفكير في كيفية الخروج منها في مطلع القرن الحالي ، وإلا فإن هذه الضوائق ستحكم الخناق عليهم فلا يجدوا ما يأكلونه أو يشربونه أو يلبسونه.
تتار الأمة يرسمون لها الدوائر:
ويحذر الدكتور محمد خضر عريف من الإسراف في التفاؤل ، فيقول: يتفاءل البعض ويقول: إنه قد مرت على الأمة العربية والإسلامية عهود ضعف أشد وطأة من العهد الحالي ويضربون لذلك الأمثلة بعهد التتار ، حيث كان الواحد منهم يرسم للمسلم دائرة ويأمره بالوقوف فيها دون حراك حتى يذهب ويحضر سيفه ليقتله ، فيتمثل المسلم لذلك ولا يجرؤ على مغادرة الدائرة حتى يعود التتري فيقتله ، ونقول ردًا على ذلك إنه في الواقع الأليم لم تمر على الأمة عهود كانت فيها أضعف مما هي عليه في الوقت الحاضر ، فإن كانت حادث التتار المشار إليها تمثل حادثة مزرية وقعت لشخص وعدد لا يمثل بقية الأمة التي ما فتئت أن انتفضت وتحررت من التتار وقضت عليهم قضاء مبرمًا ، فإن ( تتار) هذا العصر يرسمون للأمة العربية كلها دوائر عديدة لا يجوز لها الخروج منها فإن خرجت وجدت الصواريخ والقنابل والمدافع في انتظارها.