فهرس الكتاب

الصفحة 1477 من 3028

إن التاريخ لا يقاس بالمسطرة والبركاد ، والحركة التاريخية تستعصي على الأسر في نمطية محددة والتعامل مع البيئات كلها كما لو كانت (حالة واحدة) بغض النظر عن موقعها في الزمن أو المكان ، يتناقض - ابتداءً - مع منهج الدعوة وطرائقها في عصر الرسالة ، حيث يلاحظ أن صيغ العمل في العصر المكي هي غيرها في العهد المدني ، بل إنها في العهد المكي نفسه كانت تتعامل مع اللحظة التاريخية بصيغ مختلفة ، فكانت هناك سنوات العمل السري ، والنشاط المعلن ، واعتماد الهجرة الموقوتة وسيلة للتخفيف عن الضغط وحماية الذات ، كما أن العهد المدني شهد هو الآخر ، إلى جانب أو بموازاة الخط الجهادي العام ، وخط بناء الدولة الإسلامية ، تغايرًا في صيغ العمل ، فكان هناك التحالف المرحلي والصلح الموقوت، والإعلان العام لتصفية الوجود الوثني إلى آخره.

لقد اجتازت الدعوة الإسلامية في عصر الرسالة مراحل شتى بدء ببناء الإنسان المسلم ، مرورًا بإقامة دولة الإسلام ، وانتهاء بصياغة التأسيسات الأولى لشبكة الشروط الحضارية التي وضعت الجماعة والأمة المسلمة قبالة العالم بخصائصها المتميزة وفاعليتها التي مكنتها عبر عقود معدودة من الزمن أن تصوغ حضارتها الخاصة بها.

وما لم ننصت جيدًا لنداء اللحظة التاريخية ، ونتابع بوعي وتبصر عميقين مواصفات المكان ، ما لم ندرك - ابتداء - أن الحركة التاريخية تنطوي دائمًا على الثابت والمتحول معًا ، وأن علينا أن نضع في المنظور كل القطبين ، فإننا سننزلق - شئنا أم أبينا - إلى مواقع الخطأ والهدر ، وسنحكم على أنفسنا كرة أخرى ، بالدوران في الحلقة المفرغة ، حيث العودة بين الحين والآخر إلى نقطة البداية.

إن العديد من الحركات الإسلامية فشل أو تباطأت حركته على أقل تقدير لأنه لم يلتفت لهذه الحقيقة ، أو لم يعرها اهتمامًا كبيرًا ، فمضى لكي يتعامل بمنطوق الإعداد التربوي مع وضع تاريخي يتطلب جهادًا ، أو أعلن الكفاح المسلح في وضع يتطلب إعدادًا تربويًا ، أو نزل تحت الأرض في بيئة تسمح له بالعمل في الهواء الطلق ، أو كشف عن نفسه في ظرف يعد فيه الانكشاف انتحارًا ، أو اصطرع مع خصومه سياسيًا بينما كان الأمر يتطلب نشاطًا تثقيفيًا أو دعويًا صرفًا أو انعزل في وقت يكون فيه العمل الجبهوي فرصة جيدة .

الإسلام في ضوء المعطيات التاريخية:

وثمة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم مؤشرات وضوابط غنية تؤكد ثقل المتغيرات التاريخية وضرورة التعامل الحذر معها ، يمكن الاكتفاء بشواهد محدودة منها في لقاء سريع كهذا:

1-الآيات القرآنية الخاصة بالتقابل العددي التي نزلت بمعدلات القوة من واحد إلى عشرة باتجاه الواحد إلى اثنين.

2-حرب السرايا في بدء العصر المدني والحروب النظامية فيها بعد.

3-السرية المطلقة في فتح مكة، وإعلان النفير العام وكشف الهدف في تبوك ، واعتماد قادة احتياطيين في مؤتة ، وأسلوب الشورى في بدر وأحد ، والانفراد في اتخاذ القرار في الحديبية .

4-تدمير الجماعات الكافرة الذي يعتمد قوى الطبيعة (من مثل: الصيحة ، الحاصب ، الخسف ، الطوفان .. إلخ ، في مراحل تاريخية معينة ، واستبدالها بإعجاز الكلمة الإلهية في مرحلة أخرى تتميز بالرشد العقلي) .

5-إعادة تصنيف خصوم الإسلام في ضوء المعطيات التاريخية.

وعن الآليات الأفضل لنشر الثقافة الضرورية لفقه الواقع في مواجهة التحديات قال الدكتور عماد الدين خليل: تظل المؤسسات المدرسية والجامعية هي الآليات الأفضل في هذا المجال ، جنبًا إلى جنب مع المسجد ، ويتممها دور الكتاب والصحيفة والمجلة ، وقد انضافت إلى ذلك - عبر العقود الأخيرة - آليات المعلوماتية من خلال أجهزة الكمبيوتر أو الإنترنت فضلًا عن التلفاز والفضائيات. ويمثل مربع الشاشة الصغيرة هذا تحديًا للأمة يتحتم أن تشمر عن ساعد الجد للإفادة القصوى منه ، في ذات الوقت الذي يفرض عليها جهدًا موازيًا في مجابهة حلقات السوء التي ينطوي عليها والتي قد تلحق بأبناء الأمة كسورًا فكرية ونفسية وسلوكية ليس جبرها بالأمر اليسير.

البعد عن منهج الوحي:

• أصبحنا عالة على الأمم وتمردنا على أصول الحضارة الإسلامية.

• هذا العصر يحتاج إلى رعاية الإبداع والاهتمام بالموهوبين والمبدعين.

• ما يتعرض له الإسلام ليس جديدًا ومن واجبنا أن نعود إلى التاريخ من وقت لآخر.

• قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) .

• على المسلم أن لا يستهين بدوره ولو بالقليل يدعم به إخوانه ولو بالدعاء.

الدكتور أحمد نوفل:

الدكتور أحمد نوفل كان له مداخلة أيضًا في هذا الملف فقدأكد أن الأعداء يراهنون في اعتمادهم على الاستعمار الثقافي والحضاري ، بعد ( توهم) انتهاء الاستعمار العسكري ، على أمور كثيرة:

أولها: التبعية السياسة التي مهدت للهجمة الثقافية والحضارية، ونفذت ما يرسم من مخططات لمناهج التعليم والإعلام ، وأزعم أن أمريكا داخلة في مفاصلنا الثقافية، ومنتدياتنا ، ومؤسساتنا ، بشكل مؤثر أكثر من أثر الدول المعنية نفسها. وإن كثيرًا من (الأنتلجنسيا) العربية والإسلامية، والمثقفين تابعون للمعسكر الغربي والأمريكي تحديدًا، مفتونون إلى حد الهوس بالنموذج الثقافي والحضاري الغربي ، منخلعون إلى حد الافتراق المطلق من تراب أمتهم وتراث حضارتهم .

كما عمل الاستعمار الثقافي وعملاؤه على تغييب الشعوب ، بشكل يشل فاعليتها ، ويجعلها مضيعة للطاقات مبددة القدرات ، مشلولة الإرادات ، مغلولة العزمات ، والمصيبة أن هذا التغييب الذي تأمر به أمريكا ، هو ذات المبرر الذي تأتي من أجله أمريكا لتمارس تغيير أنظمة العالم الإسلامي والعرب مستغلة حالة الضياع العام مع العلم أن أمريكا تملك أتفه ثقافة في الوجود وحضارة بالغة الحقارة ، ربما لم يشهد التاريخ مثيلًا لها ، لا نقول هذا بداعي الغيظ ، ولكنه الحقيقة الموضوعية ، إن بنيانًا شيد وأنشئ على استئصال الشعوب من أول يوم لن يكون إلا على هذه الدرجة من الوضاعة ، فكيف إذن تروج ثقافتها وحضارتها كل هذا الرواج ؟

إنها تعتمد على قوة الدولة: اقتصاديًا وعسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا ونحن في زمن القوة فيه هي الحق وإن حقًا ضعيفًا لن يعدو في نظر العالم أن يكون باطلًا ، وهذا شأن العالم الإسلام وإسلامه العظيم إننا بمواتنا نظهر إسلامنا مفلسًا من العطاء الحضاري عاجزًا من مواكبة العصر ، وحاشاه.

كما تعتمد القوة الغربية على سياسة تفريغ المنطقة من العقول والخبرات ، والاستنزاف المنظم للطاقات ، وذلك كفيل بأن يجعل العالم الإسلامي منطقة ضغط منخفض ، قابلة لنشر ثقافات الآخرين . ويوم نملك السياسات المبنية للعقول والمتعهدة للطاقات ، والمعتزة بقدرات أبنائها ، تنعكس اتجاهات الريح..

كما أن تفككنا أقوى أسلحة عدونا فبينما الحضارة الغربية تبدو متجانسة إلى حد بعيد ، لا نستطيع نحن أن نتعايش على سبيل المثال: سنة وشيعة ويحذر بعضنا من بعض في عز اشتداد الهجمة علينا.

العمل الإسلامي والمتغيرات:

ويضيف الدكتور أحمد نوفل قائلًا: لا شك أن العمل الإسلامي يزداد صعوبة وإحراجًا يومًا بعد يوم ، ويضيق عليه الخناق في اتساع متلاحق يبهر الأنفاس ، ولكن هذه هي طبيعة الصراع بين الحق والباطل ، المهم أن لا تأخذنا ( الروعة) من هذه الهجمة ، ونحكم العقل في تصرفنا مزيدًا ومزيدًا ، ونرتب الأولويات ، ونتجاوز الصغائر التي ندور في حلقتها دوران من تدير السواقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت