فهرس الكتاب

الصفحة 1476 من 3028

وعلى مدى قرنين من الزمن ، وبسبب من ضغط لا يرحم من الإحساس بالدونية تجاه ثقافة الآخر ، تناولنا سما كثيرًا ، بدلًا من البحث عن المصل المجدد القوى ، ولقد قاد هذا السم إلى انحلالنا الثقافي أكثر فأكثر.

واليوم ندرك أننا كنا مخطئين ، وأننا خسرنا زمنًا طويلًا كان بمقدوره لو أحسنا التحميص والتخير ، أن يجعلنا ، ليس فقط أكثر أصالة ، وإنما - أيضًا - أن نقلل الهوة بيننا وبين الآخر ، وأن نرغمه على احترامنا ، وربما مد اليد لطلب العون منا.

غياب فقه الواقع عن العمل الإسلامي:

وحول غياب فقه الواقع عن العمل الإسلامي إلى حد كبير قال الدكتور عماد الدين خليل:

إن الحديث أية محاولة للنقد الذاتي ، أو تعديل الوقفة ، أو تقديم البدائل الأكثر فاعلية وجدوي ، أو طرح مقترحات عمل ، إلى آخره لن تأخذ مسارها الصحيح بالضرب على غير هدى ، ولا بد - أولًا - من تحديد طبقات أو محاور الجهد الإسلامي .

وهي ، إذا أردنا أن نبدأ بالأكثر عمومية ، تأخذ الترتيب التالي:

1-المستوى الحضاري: الأمة والعالم.

2-المستوى السياسي: الدولة والسلطة.

3-المستوى الدعوي: القطر.

4-المستوى الاجتماعي: المدينة.

5-المستوى السلوكي والشعائري الفرد.

وهي مستويات يفضي بعضها إلى بعض ، ويقوم أحدها على الآخر ، كما أنها لا تعمل بمعزل عن الأخريات ، فهي تنطوي في اللحظة الواحدة ، على السياقات كافة، لكن البؤرة الأساسية لكل مستوى تتركز عند الحضاري حينًا ، وعند السياسي أو الدعوي حينا آخر ، وعند الاجتماعي أو السلوكي أو الشعائري حينًا ثالثًا.

في الإسلام والنشاط الإنساني عمومًا ليس ثمة فواصل أو جدران نهائية في الفاعلية ، هذه مسألة معروفة ، لكن التخصص له أحكامه ، ولا بد - ابتداء - من إدراك مركز الثقل في الفاعلية وهدفها الأساس في ضوء خارطة نستطيع بواسطتها أن نحيل كل مفردة أو مقترح إلى مستواها النوعي ، ثم نتحدث عن أهميتها ودورها في الإضافة أو التعديل ، وصيغ معالجتها التي تمكنها من تجاوز الأخطاء والمضي إلى الهدف بأكبر قدر من الفاعلية والاقتصاد في الجهد والزمن.

إننا في ضوء هذه الخارطة سنحدد هدف الجهد ابتداء ، فلا يتداخل أو يتميع أو يضرب في التيه ، وسواء كان هذا الجهد درسًا يعطى أو محاضرة تلقى أو مقالًا يكتب أو بحثًا يؤلف ، وسواء كان تبادلًا في الرأي أو حوارًا ، فإن الذي يقوده إلى هدفه ويحميه من الهدر والتشتت والضياع إنما هو تحديد المحور الذي يتحرك فيه، أو المستوى الذي يتعامل مع بعض ظواهره ومفرداته ، هل هو المستوى الحضاري ؟ أم السياسي ؟ أم الدعوي ؟ أم الاجتماعي ، أم السلوكي ، أم الشعائري ؟

والذي حدث في كثير من الأحيان ، تداخل الحضاري بالدعوي والسياسي بالاجتماعي ، حيث اختلطت الأوراق وضاعت البؤرة التي يتحتم أن يتمحور عندها الجهد لكي يكون أكثر فاعلية وعطاء.

هذه هي واحدة من البوابات التي دخل منها الاضطراب فضيع على الإسلاميين الكثير من الجهد والزمن ، وجعلهم يدورون أحيانًا في حلقة مفرغة حيث ما يلبثون أن يجدوا أنفسهم ، بين فترة وأخرى ، عند نقطة البداية.

وعلى سبيل المثال ، فإن (المشروع الحضاري) الذي تدعو إليه بعض المؤسسات والجماعات الإسلامية ، ينطوي على فضاء واسع قد يمتد إلى العالم كله ، فيتعامل معه بمنطق الصراع أو الحوار الحضاري الذي يتطلب إدراكًا لقوانين الحركة التاريخية ، وصيرورة الحضارات ، ويسعى لاكتشاف عناصر القوة والضعف في هذه الحضارة أو تلك ، والميزات الجوهرية لحضارة الإسلام التي تؤهلها لأن تكون البديل المترجى ، ليس على مستوى جغرافية الإسلام وحده ، وإنما على مدى العالم كله ، تلك الميزات الخصبة المتنوعة من مثل: الرؤية التوازنية لهذه الحضارة بين الوحي والوجود ، والمادة والروح ، والعدل والحرية ، والفرد والجماعة ، والعقل والوجدان ، وسائر الثنائيات الأخرى ، ومن مثل قدرة هذه الحضارات المندثرة - على التجدد والانبعاث انطلاقا من شبكة تأسيساتها في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

إن مشروعًا كهذا ينطوي على فضاء عالمي يمثل جهدًا يختلف في طبيعة توجهه مع أي جهد دعوي محدد تمارسه هذه الجماعة أو تلك ، وهذا الفرد أو ذاك في دائرة حيّ أو مدينة أو قطر أو بيئة جغرافية ، كما أنه يختلف عن أي جهد اجتماعي يستهدف إقامة بعض المؤسسات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الترفيهية التي تحكمها قيم الإسلام وضوابطه ، وهو يختلف بالضرورة كذلك - عن أي نشاط سياسي قد يعتمد هذه الفرصة (الديمقراطية) إذا جاز التعبير ، أو تلك ، لرفع خطابه وتأكيد مصداقيته أمام الجماهير ، والتقدم خطوات إلى الأمام.

صحيح أن هذه الأنشطة ، بدءًا من حجر الزاوية ونقطة الانطلاق المتمثلة بإعادة صياغة السلوك ، والالتزام التعبدي ، بما يجعل الفرد مهيئًا تمامًا للمراحل التالية مرورًا بالأنشطة السياسية أو الدعوية أو الاجتماعية ، إنما تؤول جمعيًا إلى هدفها الحضاري الشامل وتصب في البؤرة الواحدة التي تستهدف إعادة صياغة السعي البشري في هذا العالم ، بما يريده الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

إلا أن هذا المنطوق التكاملي في الجهد يجب ألا يسوق الإسلاميين إلى تداخل الرؤية واضطراب الحلقات ، وعدم تبين الحدود الممكنة للجهد الإسلامي في هذا المجال أو ذاك.

إننا إذا استطعنا منذ البدء أن نحدد طبيعة الجهد ، أو أن نحيله إلى مستواه المحدد على خارطة العمل: حضاريًا أو سياسيًا أو دعويًا أو اجتماعيا أو سلوكيًا قدرنا على الوصول إلى الهدف بأقل قدر من الإسراف في الطاقة والزمن ، وبالتركيز الضروري الذي يعطي ثمارًا أكثر نضجًا.

لا يتسع المجال في لقاء كهذا للدخول في المزيد من التفاصيل ، وقد تكفي هذه التأشيرات العامة من أجل تبين موضع أقدامنا في كل حلقة من حلقات الجهد الإسلامي وإحالة هذا الجهد إلى دائرته الحقيقية لكي يتسلسل العمل وفق برنامج مرسوم ، يبدأ بأعمق نقطة في وجدان الإنسان الفرد لكي يمضي إلى العالم كله مبشرًا بمشروعه الحضاري البديل.

والآن ، فإن هذا - بإيجاز شديد - هو أحد وجهي (المشكلة المتعلقة بفقه الواقع ، ويبقى هناك الوجه الآخر الذي لا يقل أهمية ، والذي مارس - هو الآخر - دورًا خطيرًا في عرقلة الجهد الإسلامي وتفتيته) .

فإذا كانت المعضلة في الوجه الأول تنطوي على اضطراب في حلقات التسلسل العمودي الصاعد للجهد الإسلامي الذي يبدأ بالفرد وينتهي بالمشروع الحضاري ، فإن هذه المعضلة في الوجه الآخر ، تبدو في غياب أو اضطراب المنظور الأفقي ، وضياع خرائط العمل المحكم الذي يضع في حساباته وهو يعاين المنظور ، تغاير البيئات ، بكل ما ينطوي عليه مصطلح البيئة من مفردات ومواصفات وبالتالي ملاحظة اختلاف المطالب والحاجات وصيغ العمل بين بيئة وأخرى.

إن المقتل الأشد خطورة ، كان عبر القرن ونصف القرن الأخير يتمثل في عدم الالتفات إلى هذه الحقيقة ، والبداية الصحيحة تكون هنا هنا: إن الجهد أو النشاط يجب أن يضع نصب عينيه مواصفات البيئة التي يتحرك فيها وينسج خيوطه ، فإذا كانت بيئة ما تصلح للنشاط الديمقراطي أو السياسي ، فإن بيئة أخرى فقد تتطلب ، في لحظة تاريخية محددة نشاطًا جهاديًا أو تربويًا أو علميًا أو عقليًا أو اجتماعيًا أو حتى روحيًا صرفًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت