فهرس الكتاب

الصفحة 1475 من 3028

إضافة إلى أن هذه الصحوة تشير إلى فشل الغزو الفكري والثقافي الذي ظل يداهم العالم الإسلامي أكثر من قرنين ، وبالرغم من وجود عدد كبير من الشباب في العالم الإسلامي ممن يدين بالتبعية للفكر الغربي ، الذين تم احتواؤهم أثناء دراستهم في الجامعات الغربية ، ولا سيما الأمريكية حتى أصبحوا (مؤمركين) إن جاز لي استخدام هذا التعبير ، في فكرهم في عاداتهم ، في مأكلهم ، ومشربهم ويعتبرون كل ما يأتي من أمريكا محمدة ، حتى لو احتلت بلادهم ، ورغم وجود عدد كبير من أبناء وبنات الإسلام من العلمانيين الذين يهاجمون الإسلام ، ويكنون له العداء ، ومنهم أدباء وأرباب فكر وقلم ، بل أضحى معظم رواد الحركة الأدبية والإعلامية في عالمنا العربي والإسلامي من معتنقي المذهب العلماني الذي يحضر الشعوب للاحتلال والإذلال.

رغم كل هذا فإن الغرب ، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية يخشون من هذه الصحوة الصامدة القوية التي تتصدى بجرأة وثبات لكل الافتراءات التي تفترى على الإسلام ، وهم الذين يتظاهرون احتجاجًا على ما تعرض له المسلمون من حروب واضطهادات في فلسطين وأفغانستان والشيشان والبوسنة والهرسك وألبانيا والعراق ، وهم يريدون من الدول الإسلامية وضع مناهج تنشئ أجيالًا تدين بالولاء لأمريكا ، ولا ترفض الوجود الأمريكي.

مجلة المنار ، العدد 68 ، ربيع الأول 1424هـ

الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل:

حيث تفضل مشكورًا بالكتابة ( للمنار) بالرغم من انشغاله بمهام علمية في الأردن ، وكان ذلك أثناء القصف الأمريكي الغاشم على العراق حيث تقيم أسرته وأهله ، وقد بدأ حديثه بالإجابة على ماذا كان الأعداء يراهنون في اعتمادهم على الاستعمار الثقافي ؟

فقال: كانت مراهنتهم تقوم على تخريج نخب علمانية في ديارنا العربية والإسلامية ، تعكس الرؤية الغربية للحياة ، وتحاصر كل ما يرتبط بالإسلام عقيدة وشريعة وثقافة وسلوكًا.

والجهد الاستعماري أوضح من أن يتطلب إثباتًا في تمهيد الطريق لهذه النخب كي تتربع على المفاصل الحساسة لكل دولة عربية أو إسلامية ، وتسعى إلى تدمير الجسور بين المواطن وعقيدته ، في الوقت نفسه الذي تبذل فيه جهدًا استثنائيًا لتأكيد قيم الثقافة الغربية من خلال آليات التربية والتعليم والإعلام - بل حتى - إذا اقتضى الأمر - الجيش والبوليس.

وليس ثمة - كالآليات الثقافية - أداة ذات قدرة عالية على التبديل والتفكيك وإعادة الصياغة في البنية الحضارية للأمم والشعوب ، بسبب كونها تنبثق عن خلفيات رؤية شاملة وتنهض قائمة على منظومة من التصورات والمذاهب والفلسفات التي تغذيها وتمنحها الملامح والخصائص وتنحاز بها - بالتالي - صوب هذا المنظور أو ذاك ، إنها ليست محايدة كالعلوم الصرفة أو التطبيقية ومن ثم فإن تقبلها في نسيج أية ثقافة مغايرة ، سيقود تلك الثقافة ، بدرجة أو بأخرى ، ليس إلى مجرد إضافة عناصر غريبة عن المناخ الذي تتشكل فيه وتتنفس ، وإنما إلى أن تفقد شيئًا فشيئًا مقوماتها الأساسية ، وتضحي بتميزها، وتمارس - هي الأخرى - انحيازًا قد يؤذن بتفككها وسقوطها.

كان هذا أحد مداخل الغزو الفكري عبر القرنين الأخيرين أن نتقبل عن الحضارة الغالبة معطياتها التي تتعامل مع الإنسان والتي قد تتقاطع منذ لحظات تشكلها الأولى ، ليس مع المفردات الإسلامية فحسب ، وإنما مع أسسها وبداهاتها.

لقد تموضعت الحضارة الغربية شيئًا فشيئًا في دائرة صنمية ترفض الله سبحانه وتصنع على هواها شبكة من الطقوس تنسجها المصالح والأهواء حينًا ، والظنون والأوهام حينا آخر ، وما يسمى بالأنشطة العلمية الإنسانية في معظم الأحيان ، لقد أريد لنا - لسبب أو آخر - أن ندخل اللعبة نفسها - أن نفقد اليقين بالأساس الإيماني الموغل في بنياننا الثقافي ، وأن ننسى الله.

إن هذا التقابل المحزن بين صنميات الثقافة الغربية وبين ثقافتنا التي يراد لها أن تنسلخ عن جوهرها الإيماني القائم على التوحيد ، يذكرني بعبارة قالها ( رجاء جاردوي) في (وعود الإسلام) وهو يتحدث عن (الصنمية التمائمية) التي تتفرخ وتتكاثر) في المجتمعات الغربية: (صنم النمو، صنم التقدم ، صنم التقنية العلموي، صنم الفردانية ، وصنم الأمة بمحذوراتها جميعًا ، ومحرماتها ، وبرموزها المقدسة وبطقوسها) وأنه ليس ثمة في مواجهة هذا كله سوى أن نتشبث أكثر فأكثر بـ (لا إله إلا الله) هذا الإثبات الأساسي للإيمان الإسلامي ، وإننا لنعرف بالتأكيد ما لهذا اليقين في العقيدة من قوة هدم وتحرير فالحوار هكذا مع الإسلام يمكن أن يساعدنا على ابتعاث خميرة عقيدتنا الحية فينا ، تلك التي تستطيع نقل الجبال من مواضعها).

وأتذكر - كذلك - عبارة أخرى في الكتاب المذكور نفسه تبين أننا نمارس لعبة خاسرة ونحن نتعامل مع ثقافة الغير دونما أي قدر من التريث أو النقد والتحميص: (لم نشدد على الوجوه التي لعب بها العلم الإسلامي باكتشافاته دور(الرائد) للعلم الغربي الحالي ، وإنما على صفاته الخاصة في تبعيته وخضوعه للوسائل الإنسانية ذات الغايات الإلهية ، في هذا المنظور على القرن الواحد والعشرين أن يتعلم كثيرًا من الإسلام).

فالذي يحدث منذ حوالي قرنين هو أننا لم نمارس تعليم الآخرين ، أو نحاوله على الأقل ، وإنما رحنا نأخذ منهم معارف إنسانية تقطعت وشائجها بالإنسان - في أقصى حالات توازنه وأدناها - وفقدت أية غاية إيمانية تتجاوز الحاجات القريبة ، وتبعد بالحياة البشرية عن أن تكون مجرد حركة في الطول والعرض.

فما لم تكن ثقافتنا متلبسة بمطالب العقيدة ومقاصد الشريعة التي انبثقت عنها ، ما لم تكن هذه الأنشطة ذات طموحات كبيرة بمستوى المنظور العقدي للإسلام نفسه ، فمعنى هذا أن هناك نقصًا ، ثغرة ما أو فراغًا قد يكون فرصة ملائمة لتقبل ثقافة الآخر الصنمية حيث لا نزداد إلا ضياعًا وتضاؤلا وتبعية وانحسارًا.

لقد دلت التجربة نفسها ، كما يقول رجل القانون الدولي المعاصر (مارسيل بوازار) في (إنسانية الإسلام) (على أن محاكاة العقائد المستوردة من أوساط ثقافية أجنبية، غير ملائمة ، والحركات التي تستلهم الإسلام - بما فيها شبكة التعامل المعرفي- قادرة وحدها على أن تدمج عند الاقتضاء مختلف التيارات الباقية على الساحة لتقدم منها حلولًا مركبة تظهر الفضائل الأخلاقية من خلالها إحدى القوى الأساسية للحضارة) .

ومنذ أكثر من نصف القرن كان ( ليوبلود فايس: محمد أسد) قد حذر في كتابه (الإسلام على مفترق الطرق) من ممارسة انهزامية كهذه ، وأن يكون المسلمون أكثر تأصيلا ثقافيًا ، مشددًا على أن الإسلام بخلاف سائر الأيادن ، إنما هو فلك ثقافي اجتماعي واضح الحدود ، فإذا امتدت مدنية أجنبية بشعاعها إلينا ، وأحدثت تغييرًا في جهازنا الثقافي - كما هو الحال اليوم - وجب علينا أن نتبين لأنفسنا إذا كان هذا الأثر الأجنبي يجري في اتجاه إمكانياتنا الثقافية أو يعارضها ، وما إذا كان يفعل في جسم الثقافة الإسلامية فعل المصل المجدد للقوى أو فعل السم.

ويخلص (محمد أسد) إلى القول بأن الشيء الوحيد الذي لا يستطيع المسلمون أن يتمنوه هو أن ينظروا بعيون غربية ويروا الآراء الغربية ، إنهم لا يستطيعون إذا أرادوا أن يظلوا مسلمين ، أن يتبدلوا بحضارة الإسلام الروحية تجارب مادية من أوروبا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت