فهرس الكتاب

الصفحة 1466 من 3028

ولا ننسى أنه عندما كان الاسلام يحكم العالم بقوة, وكانت أوروبا غارقة في بحر الظلمات, وكانت تحرم وتجرم وتقتل أيًا من يقول إن الأرض كروية, أو إن الأرض تدور حول الشمس, في تلك الفترة كانت الحضارة الاسلامية عاكفة على دراسة وترجمة وتطوير علوم الاغريق والروم والفرس والهند, ( ولم يكن آنذاك قد تم فك ترجمة لغة حضارة الفراعنة بعد. وإلا لكان المسلمون أول من درسها وترجمها وصورها) , فلم يكن هناك رفض للشيء الغريب أو الجديد, ولكن كانت هناك دراسة وتحليل واستخدام ما هو مفيد وتطويره, وهذا دليل على القوة. ومما لا شك فيه أن ديننا القوي يسمح بالتطور ويواكب التغيرات, فهو دين صالح لكل زمان, ولكل مكان. وحتى لو رغبنا في غلق الأبواب والنوافذ على مجتمعنا - فإننا لا نستطيع ذلك لأننا نعيش في عالم تتسارع فيه التغييرات, وتتلاشى الحدود, ومهما كنا حريصين على تقاليدنا وأعرافنا فنحن أمام موجة من المتغيرات القادمة, ولن يفيد أبدًا أن نغلق أعيننا وأذاننا, فالتغيرات قادمة وستصيبنا سواء شئنا أم أبينا. والمرأة كانت منذ آلاف السنين ولا زالت إلى اليوم تقود الإبل والبغال وخلافها, وهي اليوم في مختلف دول العالم لا تقود فقط السيارات وإنما تقود أيضًا الطيارات والدبابات والمدرعات. ونحن في شريعتنا عندما نستنبط أحكاما للمسافر في عصرنا الحالي, وهو يسافر بالطائرة وليس بالجمال إلا أننا نستخدم ما كان ينطبق على الجمال لاستنباط ما يمكن تطبيقه على السفر حاليًا بأحدث الوسائل, ونطبق صلاة القصر والجمع, فلماذا لا يتم استخدام نفس المعيار الاستنباطي للسماح للمرأة بقيادة السيارات ?

رابعًا: لا شك أننا جميعًا سمعنا عن ما الذي سيحدث للسيدات عندما تصاب سيارة إحداهن ببنشر أو تتعطل, وكيف أنهن سيصبحن فريسة لشبابنا الذي لن يتوانى في الهجوم عليهن. بصراحة أنا أستغرب من هذا المنطق, لأنه ببساطة يعني أن شبابنا عبارة عن وحوش كاسرة تتجول في الشوارع لتصطاد أي ضعيف, أو فريسة, وربما كان هذا ينطبق على بعض من الشباب, ولكني أربأ أن يكونوا كلهم بهذه الصورة, وأعتقد أنه لكل حادثة معاكسة واحدة أو استهتار لفئة ضالة من الشباب, هناك حالات عديدة من الشهامة والمروءة لشبابنا الذي تربى في حضن مجتمع يدعو إلى الشهامة والمروءة. بالإضافة لذلك فإن منع السيدات من القيادة بسبب خوفنا عليهن من المضايقات أو الهجوم, هو شبيه منطقيًا بالمطالبة بمنع أطفالنا من الذهاب للمدارس لأنهم قد يتعرضون لتحرش جنسي أو إيذاء جسدي, وشبيهة أيضًا منطقيًا من منع شبابنا من السفر للخارج لأنهم قد يتعرضو ن لفتن تضلهم عن الطريق المستقيم, وتؤدي إلى انحرافهم.

المطلوب في مثل هذه الحالات أن نسعى لمنع الأذى بالوقوف أمام المتعدي أو المؤذي والتصدي له, وعلى أساسه أن يتم معاقبة أي أستاذ أو معلم يصدر عنه سلوك غير مستقيم, وليس الحل هو أن نقفل المدارس أو نمنع الطلبة. بالتالي لو كان فعلًا السبب في منع قيادة السيدات للسيارات هو ناتج من أن لدينا شبابا ورجالا همجيين ومتوحشين فعلًا, فإن المفروض أن يتم منع الشباب والرجال من القيادة - وليس النساء - فالقانون يجب أن يعاقب المخطئ أو المعتدي, ولا يعاقب الضحية.

خامسًا: أما القول بأن المجتمع غير جاهز أو غير ناضج لقيادة السيدات, فربما قد يكون هذا صحيحًا, ولكن أود أن أعلم كيف توصلنا إلى هذه المقولة, هل تم تعيين شخص معين كوصي على المجتمع السعودي بحيث يستطيع هذا الفرد أن يصدر أحكامه من تلقاء نفسه بأن المجتمع السعودي غير جاهز لهذا أو لذاك.

بصراحة أنا لم أر تطاولا وتجاوزا على أي مجتمع مثلما أراه الآن على المجتمع السعودي حيث قد يقوم أي شخص بتنصيب نفسه كوصي على هذا المجتمع, ويطلق أحكامًا عامة وصارمة بأن المجتمع غير جاهز لهذا أو لذاك.

هذه في الواقع ليست إلا أحكامًا فردية وآراء شخصية, نرجو أن يلتزم من أصدرها بتطبيقها على نفسه هو, وألا يعممها على المجتمع ككل, إلا إن كان لديه بينة تدعم مقولته, أما إطلاق الأحكام بأن مجتمعنا غير جاهز, أو غير ناضج, فنحن مجتمع لا ينتظر أن يأتينا فرد ليقول لنا متى نكون جاهزين أو ناضجين. نحن علينا بأحكام الله - وهنا علينا السمع والطاعة - أما خلاف ذلك فهو اجتهاد ويجب أن يناقش ليتم تحديد الأصلح, ويترك للمجتمع الخيار .

سادسًا: أما القول بأن السماح بقيادة السيدات للسيارات سوف يؤدي لخروج النساء من بيوتهن, فإن كان المقصود بأن البديل للسماح بقيادة السيارات هو أن تبقى النساء في بيوتهن دون أن يخرجن, وإن كان المقصود بهذه المقولة أننا ضد خروج المرأة أصلا, فعلينا إذًا بإغلاق المدارس والوظائف وأي شيء له علاقة بالنساء, فلا داعي لإنفاق المليارات على أي شيء له علاقة بالمرأة, ودعونا نتفق على أنه من الولادة إلى الممات على النساء أن يبقين في البيوت, ثم إن اتفق المجتمع على هذا, علينا أن نوفر المليارات التي يتم صرفها على تعليم وتدريب النساء, ونترك موضوع النساء جانبًا, وليكن هذا واضحًا للجميع, ولكن لنعلم اننا إذا قمنا بذلك فقد عطلنا وألغينا عطاء ضخما لنصف المجتمع,أما إذا كان المقصود من القول أنه مسموح للمرأة بالخروج, ولكن عليها أن تخرج مع سائق, فأنا أتساءل هنا هل إن كان السائق أجنبيا, أو غير محرم, فهذا مسموح للمرأة ? ولا يعتبر مفسدة ? بينما لو خرجت تسوق بنفسها وتقضي حاجاتها, وتوصل اخواتها فهذا يعتبر مفسدة ?

وأضيف هنا أن موضوع قيادة السيدات للسيارات هو موضوع خياري, بمعنى أن لا أحد يسعى لأن يكون القانون فرضا إجباريا على الجميع, فلو تم السماح لقيادة السيدات للسيارات هذا لا يعني أن شرطة المرور سوف تقتحم كل منزل, وتخرج النساء قسرًا وترغمهن على قيادة السيارات, هذا لن يحدث, فإن كان هناك امرأة أو حتى رجل لا يرغب القيادة, فهذا موضوع راجع له, وإن كانت المرأة تعتقد أن قيادة السيارة فيه مفسدة أو ضرر, أو حتى أنه أمر لا يستهويها, فإن لها كامل الخيار ألا تقود ولن يرغمها أحد على ذلك, أما المرأة التي لها مصلحة أو ضرورة في القيادة, ويمكن أن تتولى مسئولية ذلك, فهي مسموح لها أن تقود تماما مثل الرجل.

قيادة المرأة هو أمر خياري وليس أمرا إجباريا, والسماح به لا يعني أنه يجب على كل امرأة أن تترك منزلها وتقضي وقتها تتسكع في الطرقات إلى ما بعد منتصف الليل. هذه سلوكيات غير مقبولة سواء من المرأة أو من الرجل.

سابعًا:اما القول بأننا يجب أن نحافظ على السيدات, وأن نتعامل معهن كالدرر المصونة, فأرجو الا تكون هذه المقولة كباب ظاهره الرحمة ومن باطنه العذاب, بمعنى أتمنى على الذين يقولون بأنهم يتعاملون مع النساء كأنهن درر مصونة, أتمنى عليهم أن يصرحوا بأسماء هؤلاء النساء اللائي يتعاملون معهن.

هل يا ترى لو سألت أحدًا منهم عن اسم زوجته أو أخته أو أمه أو بنته سوف يقف هاتفًا بكل فخر باسم هذه (الدرة) , أم أنه سوف يخجل من الاجابة, أمل أن يسارع الذين يعتزون بالسيدات ويعتبرونها كدرة مصونة للدفاع عن حقوقهن في الميراث, وحقوقهن في أموالهن, وحقوقهن في المكوث بمنازلهن (لو تم الطلاق لا سمح الله) , و حقوقهن في رعاية أولادهن وحضانتهم, وحقوقهن في اختيار الزوج, وحقوقهن في النفقة والعشرة بالمعروف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت