قوله: (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم) هذه العبارة يشير بها الإمام الطحاوي رحمه الله إلى الرد على الروافض والنواصب، فرقتان على طرفي نقيض، فالروافض يلعنون الصحابة رضي الله عنهم، أو بصورة أخرى: يفرطون في حب بعض الصحابة كعلي مثلًا، ويكفرون باقي الصحابة رضي الله عنهم إلا قليل.
وقد أثنى الله ورسوله على الصحابة ووعدهم بالحسنى، فقال عز وجل: (( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ) ) [الفتح:29] وقال تبارك وتعالى: (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ) ) [التوبة:100] السابقون الأولون هم الذين أنفقوا من بعد الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وقيل: هم من صلى إلى القبلتين، ولا دليل عليه، والصلاة إلى القبلة منسوخة، وليس فيه فضيلة، لأن النسخ ليس من فعلهم، وقال تبارك وتعالى: (( لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ) ) [الحديد:10] .
وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تسبوا أحدًا من أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه) وذلك لأن عبد الرحمن من السابقين الأولين، وهم أخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامه إلى فتح مكة، فسموا الطلقاء منهم أبا سفيان وابناه يزيد ومعاوية رضي الله عنهم، فالمقصود أنه نهى من له صحبة أخرى يعني: متأخرة أن يسب من له صحبة أولى الذي سبقه، فكيف بحال من ليس من الصحابة مع الصحابة؟! يعني: كان هذا الخطاب: (لا تسبوا أحدًا من أصحابي) لمن وجهه النبي عليه السلام؟ وجهه إلى خالد بن الوليد حينما سب عبد الرحمن بن عوف، مع أن كلاهما من أصحابه، لكن فضل عبد الرحمن لأنه من السابقين الأولين، وأما خالد فهو ممن تأخر إسلامه، فإذا كان النبي نهى من له صحبة أخرى متأخرة عن أن يسب من له صحبة أولى، فكيف بحال من ليس له صحبة لا أولى ولا أخرى؟ لا شك أنه أولى أن ينزجر عن الخوض في شأن الصحابة رضي الله تبارك وتعالى عنهم.
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة) وقول الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم. يعني: لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم كما فعلت الشيعة فنكون من المعتدين، قال تعالى: (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ) ) [النساء:171] ، وقد غلت الشيعة في بعض الصحابة وبالذات أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنهم غلوًا شديدًا.
ولا نتبرأ من أحد منهم كما فعلت الروافض أيضاًَ، فعندهم لا ولاء إلا ببراء، يعني: لا يتولى أحد أهل البيت حتى يتبرأ من أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، أما أهل السنة فهم يوالونهم كلهم وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها بالعدل والإنصاف، لا بالهوى والتعصب، وهذا معنى قول بعض السلف من الصحابة والتابعين كأبي سعيد الخدري رضي الله عنه وإبراهيم النخعي والحسن البصري والضحاك: الشهادة بدعة والبراءة بدعة. يعني: الشهادة على معين من المسلمين أنه من أهل النار أو أنه كافر بدون العلم بما ختم له سبحانه وتعالى له به.
** خدعة التقريب بين السنة والشيعة وتورط الداعين إليها **
ثم قال: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. طبعًا هذه المسألة كما قلنا هي من أصول الإيمان عند أهل السنة، ولم ينحرف عنها إلا من كان شاذًا خارجًا عن الجماعة، وعن إجماع الأمة، فعملية تهوين هذا الأمر هذه خدعة كبرى، ولا يتورط فيها في الغالب إلا جاهل بأشياء كثيرة، يعني: جاهل بعقيدة أهل السنة التي ينتمي إليها اسميًا، انتماء مسطحًا، ليس له أي أعماق، انتماء، اسمه فقط أنه سني، لكن في الحقيقة هذه من أصول الدين والإيمان، فبعض الناس حينما يتكلمون في موضوع التقريب بين السنة والشيعة، والكفار يتحدون علينا، فيقولون: ونحن ينبغي أن ننسى خلافاتنا فضلًا عن أن نذكر بعض الموغلين في الدس، فيورطون أنفسهم في كلام لا يدركون مغزاه، فيقولون: نتعاون مع الشيعة فيما اتفقنا فيه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه. مصيبة ولم يعرف ولا يدري ما يقول، إنما نطق بهذه العظيمة، لأن معنى تقول: نتعاون فيما اتفقنا فيه، لكن كيف تعذرهم فيما اختلفنا فيه؟! تعذرهم في سب أبي بكر وعمر وفي تكفير الصحابة، وفي الاعتقاد بأن القرآن الحقيقي خلاف القرآن الموجود بين أيدينا الآن! وفي عصمة الأئمة! وفي كذا وكذا من طاماتهم! فهذا نقول فيه: إنه جاهل بالإسلام، وجاهل بعقيدة أهل السنة، وجاهل بتاريخ الرافضة الذي يعجز أن يقدم دليلًا واحدًا يبرئ الرافضة من خيانتهم لأمة المسلمين في كل العهود، وهذا الكلام يكون الشخص الذي يقع فيه ويتورط فيه في أحسن أحواله إنسان جاهل ساذج منخدع، وأما إن كان يعلم فهذه مصيبة.
إن كنت لا تدري فهذه مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
فالمصيبة أعظم؛ لأن معناه أنه يخون الأمة، وكم جلب دعاة التقريب بين السنة والشيعة من مصائب وبنوا للشيعة جسرًا عبروا عليه إلى جوار العالم الإسلامي! وكم جلبت لنا فكرة التقريب هذه من مصائب! لأن الشيعة ليس لهم غير مفهوم واحد للتقريب، وهو تقريب أهل السنة للشيعة على سبيل القطع والجزم يدل عليه بشواهد كثيرة جدًا من أئمتنا، فهم قد حاولوا أن يحسنوا الظن بالشيعة، ثم انكشف لهم الأمر فرجعوا يحذرون المسلمين من خيانتهم.
فالذي نقطع به أن هؤلاء القوم التقريب عندهم له معنى واحد فقط لا ثاني له، وهو تقريب السنة إلى الشيعة، ولكن لا يعرفون على الإطلاق، أو لا يريدون بهذه الكلمة أبدًا تقريب الشيعة إلى السنة، فالتقريب له معنى واحد هو أن يتنازل أهل الحق عن عقيدتهم ويتابعوهم على باطلهم، أما العدل فليس عند الشيعة كما كان عندنا، فلذلك عملنا وحدة وطنية مع الشيعة، وهذا كان زمان فكرة التقريب وانتعشت حتى أقحم المذهب الجعفري في دراسات الأزهر ويا أسفاه! وحتى صدرت فتوى مؤلمة موجعة من أكبر مرجع ديني في مصر، يقول فيها: إنه يجوز التعبد بمذهب الشيعة الإثني عشرية كسائر المذاهب الأربعة. ويجوز للإنسان أن ينتقل من مذهب إلى آخر بحيث يغير مذهبه من مذهب حنبلي أو شافعي مثلًا إلى جعفري فلا حرج، وهذه خطيئة تاريخية، ليس خطأ شخصيًا، خطيئة تاريخية نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعفو عن من تورط وورط المسلمين فيها، وذلك كان في العام الذي قامت فيه -ثورتهم ثورة الخميني عليه من الله ما يستحقه- في نفس العام كانت هذه الفتوى أول ما صوروها توزع بملايين النسخ في موسم الحج، وهذه الفتوى صادرة من الأزهر بصورة رسمية حتى أنها توزع على أهل السنة وسهلوا لها الغزو الفكري للرافضة.