فهرس الكتاب

الصفحة 1447 من 3028

إن أصابوا فلهم فيها أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم، ثم إن القدر الذي ينكر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جانب فضائل القوم ومحاسنهم، من الإيمان بالله ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة والنصرة، والعلم النافع والعمل الصالح، ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله به عليهم من الفضائل علم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.

يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: ولهذا أوصوا بالإمساك عما شجر بينهم؛ لأنا لا نسأل عن ذلك، لكن إذا ظهر مبتدع يقدح فيهم بالباطل فلابد من الذب عنهم وذكر ما بعلم وعدل.

يعني: قد يضطر المسلم إلى الكلام في الذب عن الصحابة والدفاع عنهم رضي الله تعالى عنهم إذا اضطرهم المبتدعون إلى ذلك، فإذا أظهر المبتدعون ما يقدح في الصحابة بالباطل يجب أن يذب عن الصحابة ويرد عنهم هذا الباطل.

** أعداء الله وتشويههم لتاريخ المسلمين **

وأقبح من المبتدعين من يجبرون التلاميذ والطلاب على دراسة مناهج مشبعة بالتنقيص من قدر الصحابة أو من قدر بعضهم، وتزوير التاريخ الإسلامي، وهذا مناهج مفضلة لكل من أراد أن يسمم عقول الأجيال بقطع الصلة بينها وبين سيرة الصحابة وجهادهم كي لا يتخذوا مثلًا أعلى، وليس هذا في الحقيقة فقط في حق الصحابة، وإنما هو في حق التاريخ الإسلامي بعامته، فهناك بعض الناس من يقوم بتشويه هذا التاريخ؛ لأن هذا القدح هم قد أعلنوا عنه في مؤتمراتهم ومؤامراتهم، أنه كي نقضي على المسلمين لابد أن نقطع صلتهم بأسلافهم وبأمجاد أسلافهم، ويشوهون هذه السير بكل ممكن، حتى صار هذه الأشياء من الأمور المسلمة، فمثلًا زعمهم في قصة التحكيم التي لم يتثبت أن عمرو بن العاص كان داهية ماكرًا، وأما أبو موسى فكان غرًا يخدع به، وأن عمرو بن العاص خدع أبا موسى وقال له: أنا خالعت صاحبي، وقال: أنا ثبت صاحبي، يعني: هذه القصة باطلة، والكلام الذي فيها يشهد ببطلانها، وأنه إذا كان أبو موسى يقول: خلعت صاحبي، يعني: خلعت أمير المؤمنين هل هذا حصل؟ كيف.. ليس له أن يخلعه، والثاني يقول: ثبت صاحبي، معاوية أصلًا ما كان أمير المؤمنين ولا كان يطمح في ذلك، وما كان ينبغي له ذلك في وجود علي رضي الله عنه، وإنما تاق إلى الخلافة بعد وفاة علي رضي الله عنه، فهي نفسها تحمل ما يدل على كذبها، وعلى ضعف أسانيدها، وغير ذلك من أمثال هذه الروايات في سير الصحابة، وأنهم كانوا دمية، وكانوا يتقاتلون من أجل المال والسلطة والسياسة والسيادة والرئاسة وغير ذلك، تشويهًا لتاريخهم، يعني: يضعون الحواجز، وكل ذلك لأجل ألا يقتدي المسلمون بالصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

طبعًا! كتب التاريخ عمومًا تشوه تاريخ الصحابة بالذات، وتشوه التاريخ الإسلامي بعامة، يعني: كثرة الطعن في التاريخ الإسلامي، وإظهاره أنه كله عبارة عن قتل وذبح وصراعات، هذا كله خلاف الحقيقة، بل إنما حتى الدولة الأموية والدولة العباسية لابد أن الناس في زمانهم أشبه منهم بآبائهم، وكلما بعدوا عن القرون المفضلة كلما حصل نوع من الانحراف عن المنهج السوي، لكنه انحراف درجته كانت خفيفة بالنسبة لما نحن عليه الآن، وأضعف مثال للخلافة الإسلامية هي الخلافة العثمانية المتأخرة، لاشك أنه كان لها من الآثار الإيجابية ومن الأمجاد ما لا نطمح إلى عشر أعشاره اليوم، حتى الخلافة الأموية أو الخلافة العباسية ليست بالصورة المشوهة التي يصورونها، لكنها صحيح تسلط الضوء على الصراعات التي لم تخل منها أمة ولا يخلو منها زمان، لكن هذا لا يصرف النظر عن الخيرات التي كانت موجودة كالنهضة العلمية، والجهاد في سبيل الله، وفتح الفتوح، وأخلاق المسلمين والتزامهم وغير ذلك من فوائد هذه الدول، أقيم فيها الحكم بما أنزل الله سبحانه وتعالى، وتطبيق شريعة الله، وقمع أهل البدعة والضلال، فضلًا عن مجاهدة الكفار في أطراف الأرض، كل هذا يجحد ولا يسلط عليه الضوء، وإنما يسلط على صورة ما يعلق في أذهان الناس كالجواري والغناء والمعازف وكل هذه الأشياء والأكاذيب والخمر وكل هذا كذب وطعن.

إذا رجعت إلى سيرة هارون الرشيد رحمه الله تعالى وجدت العجب في عبادته ودفاعه أو جهاده في سبيل الله تعالى، كان يحج سنة ويجاهد سنة، طوال عمره، تسليط الضوء فقط على السلبيات هذه مؤامرة مقصودة، وأما التاريخ فهو حافل بالإيجابيات، لكن لا يسلط الضوء على الإيجابيات.

يقول الإمام الذهبي رحمه الله تعالى: كما تقرر عن كثير مما شجر بين الصحابة وقتالهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وما زال ذلك يمر بنا في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بين أيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه، فهذه فتوى الإمام الذهبي في عملية تفتيش وتنقيش من خلال التراث المنقول عما شجر بين الصحابة، يقول: وما زال ذلك يمر بنا في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك منقطع وضعيف وبعضه كذب، وهذا فيما بين أيدينا وبين علمائنا، فينبغي طيه وإخفاؤه بل إعدامه؛ لتصفوا القلوب، وتتوفر على حب الصحابة رضي الله عنهم والترضي عنهم، وكتمان ذلك -وتأملوا هذه العبارة لأنها في غاية الأهمية- وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء.

كتمان هذا الأمر وعدم الخوض فيه وعدم إشاعته، وكتمان ذلك متعين يعني: واجب.

قال: وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم كما علمنا الله حيث يقول: (( وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا ) ) [الحشر:10] فالقوم لهم سوابق وأعمال مكفرة لما وقع منهم، وجهاد محاء، وعبادته ممحصة.

وقال أيضًا: فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك فلا نعرج عليهم، فأكثره باطل وكذب وافتراء، فدأب الروافض رواية الأباطيل أو رد ما في الصحاح والمسانيد. الروافض بين أمرين عند نقل الأخبار: إما ترويج الأباطيل و الخرافات والأساطير والكذب المحض، فهم أكذب فرقة في التاريخ مطلقًا، فهم إما أنهم يعرضون الأباطيل والأساطير والخرافات والأكاذيب، وإما يردون الصحاح والمسانيد، لأنهم لا يعتدون بشيء من كتب السنة عندنا.

وقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله تعالى: ويجب الإمساك عما وقع بينهم من الاختلاف صفحًا عن أكثر المؤرخين لاسيما الروافض وضلال الشيعة والمبتدعين القادحين في أحد منهم.

مما سبق نخلص إلى أن الأصل في منهج أهل السنة والجماعة هو السكوت عما شجر بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، لكن إن دعت الحاجة إلى الحديث في هذه المسألة الشائكة فينبغي مراعاة الضوابط التالية التي ذكرها أهل العلم في ثنايا حديثهم.

قبل أن نستطرد في مثل هذه الضوابط نشير أيضًا إلى قول الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة: ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم، ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان. هذا ما قاله الإمام الطحاوي في الفصل الخاص بعقيدة أهل السنة في الصحابة رضي الله عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت