تجاهل باكثير
ألا تتفق معنا في أن الأديب الكبير على أحمد باكثير تجاهله الأدباء والنقاد عمدا، وأنه ظلم حيا وميتا، فما تزال بعض أعماله لم تطبع بعد، ومنها ما تعرض بالفعل للضياع ؟
الحق أن باكثير عايش أزمات أمته وتحدياتها المختلفة سواء الاستعمار أو الغزو الفكري أو الصهيونية، واستطاع أن يعالج القضايا العربية كلها، وأن يتفاعل معها، خاصة قضية فلسطين ؛ لأنها القضية الكبرى، فكتب"شعب الله المختار- إله إسرائيل"وبعد نكسة يونيو كتب"التوراة الضائعة"وفي آخر حياته اتجه بقوة إلى تاريخ الإسلام، وأنشأ"ملحمة عمر"وحارب الماركسية ، وهاجم الماركسيين في مسرحياته ، مثل مسرحية"حبل الغسيل"لذلك عامله الماركسيون والشيوعيون معاملة سيئة للغاية، خاصة عندما سيطروا على مجال المسرح والقصة ، ومنعوا إنتاجه ومسرحياته، إذن لا ريب أن باكثير ذهب ضحية هذا الجو الخانق ، ونسأل الله أن يقيض من ينشر إنتاجه المتنوع من الشعر والقصة والمسرحية .
فقاعات طه حسين
أستاذنا الكاتب الكبير: ألا تعتقد أن حملاتك المتتابعة على الدكتور طه حسين أثارت ، وأدهشت كثيرا من المثقفين المعجبين به ، كما أن تعقبك لجميع مواقفه ومؤلفاته لقى بلبلة وفتورا واسعا على المستويات الأدبية نظرا لما حققه الدكتور طه حسين من الشهرة الواسعة؟
إن هؤلاء الذين لم يشهدوا هذا التاريخ ولم يعايشوا هذه الوقائع معذورون ، فقد سمعوا باسم رنان وشهرة مدوية وطبل قوي الرنين ، دون أن يعرفوا ما وراء ذلك ، فأردت أن أكشف لهم هذه الخلفيات ، وهذه المواقف بالحق، ليتعرفوا على من أطلق عليه"عميد الأدب العربي"ولهم في ضوء هذه الوقائع أن يحكموا ، إنني مؤمن تماما أنه من أشق الأمور أن يقبل الناس الرأي الآخر في إنسان ، عاشوا السنوات الطويلة يسمعون اسمه مقترنا بالإكبار والإجلال والدوي ، دون أن يكون من شأن عملهم وظروفهم أو دراساتهم الكشف عن خلفيات هذه الشخصية ، ومعرفة الخيوط الاستعمارية التي تحرك بعض الممثلين في المسرح الكبير ، وتلقي عليكم الأضواء ، وتستطيع بالجهد والإلحاح المستمر أن تثبت في النفوس والعقول مسلمات كاذبة ، إنني أعذر الذين يزعجهم كشف خبيئة الرجل ، ولكني كنت أرجو منهم إذا كانوا يطلبون الحقيقة أن يسألوا عن البراهين والأدلة والوثائق على ما يظنون أننا ندعيه ، فإذا ثبت لهم ذلك كان عليكم الإقرار بالحق والإذعان لأمر الله ( يأيها الذين آمنوا لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) [المائدة:8] ، ولقد هوجم طه حسين منذ اليوم الأول إلى آخر يوم في حياته ، لم تتوقف حركة اليقظة عن متابعته وكشف شبهاته ودحر مخططه، وجاءت هذه الردود الصاعقة على ألسنة أناس - لا يزال منهم أحياء - لهم مكانتهم في عالم الفكر والأدب ، فضلا عن معاصريه أمثال الرافعي ومحمود شاكر وزكي مبارك وغيرهم ، فهل يمكن أن يكون طه حسين عميدا للأدب ، وهو يزدري الأدب والأدباء ، أو قائدا لثقافة أمة ، وهو منكر لمفاهيمها، ولا يدين لها بالولاء ، أو مفكر لا يثبت أي شيء ويثير من حوله الشكوك والسخريات والأحقاد ؟ كيف يمكن أن يكون موضع القيادة وموضع الثقة من يقول:"إن الإنسان يستطيع أن يكون مؤمنا وكافرا في وقت واحد، مؤمنا بضميره وكافرا بعقله"؟ هذا مفهوم كنسي غربي مسيحي يرفضه الإسلام وينفر منه ، ذلك أن الإسلام هو دعوة التوازن بين الروح والمادة ، والعقل والقلب ، دين الطمأنينة والسكينة الروحية، والالتقاء بين القيم على هدى وبصيرة .
الحقيقة والوهم
لكن هناك من يقول إن طه حسين غير آراءه وأفكاره أو تاب عن هذه المعتقدات مثل التشكيك في القرآن والسنة وقبل أن يموت فما هي مصداقية هذا الرأي ؟
هؤلاء المدافعون عن طه حسين يقولون: إنه كتب كتابه"على هامش السيرة"وبه كفر ورجع عن كتاب"الشعر الجاهلي"وكتب كتابه"الشيخان"وبه كفر عن كتاب"مستقبل الثقافة"وذلك كله خداع وباطل ، فإن الدكتور طه حسين لم يغير آراءه مطلقا، فقد كان هناك حارس وديدبان يحول بينه وبين ذلك ، هذا الحارث كان مقيما في بيته، يلفت نظره دائما إلى الخط المتفق عليه ، ولكن الدكتور طه غير أساليبه ووسائله في سبيل أن يصل إلى قلب القارئ المسلم ، وبعد أن كانت أساليبه هي الهجوم على الإسلام أصبحت تقوم على ترضي الإسلام داخليا ، ودس السم على مراحل خلال البحث ، ولا يقل السم المدسوس في كتاب"الشيخان"عن السم المدسوس في"هامش السيرة"أو"مستقبل الثقافة"فقال لهم: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما كتبت الشعر الجاهلي ، أو قوله: اكتم عني ، أو قوله للسفير المسلم أحمد رمزي عن كتاب"مستقبل الثقافة"إنني متفق معك على أن في الكتاب أخطاء كثيرة ، ذلك هو أسلوب طه حسين المرن الماكر الخادع الذي لا يواجه صاحبه بالمعارضة ، ولكن يلين ، حيث يرى أن صاحبه واع لسمومه ، فإذا وجد من يجهل لم يمتنع عن خداعه ، وقصته مع اللواء محمود شيت خطاب معروفة ، إذ أفضى إليه برأي له في القراءات ، فواجهه اللواء خطاب قائلا: هذا كلام أعداء الإسلام ، أما القول بالتراجع فإن هناك من الأدلة الكثيرة التي تكذبه:
أولا: إن أسلوب التراجع معروف ، وهو أن يعلن الكاتب أنه كان يقول كذا، ثم تبين له سوي ذلك، وأن يوقف على الفور ماله من مؤلفات في هذا الصدد، مثلما فعل الإمام الأشعري في تراجعه عن آرائه .
ثانيا: أن يعلن أنه اتخذ هذا الأسلوب كوسيلة للعمل ، ثم تبين له أنه لا ينتج ، وأنه تحول عنه ، مثلما فعل الدكتور محمد حسين هيكل الذي غير اتجاهه من الثقافة الغربية إلى التراث الإسلامي والثقافة الإسلامية ، فهل تراجع طه حسين حقا عن رأي من آرائه وهو حي ، وأعلن ذلك ؟"إن هذا لم يحدث"ولا يكفي أن يتراجع طه حسين عن رأي أو آخر في مرة خاصة مع صديق ، دون أن يعلن ذلك على الملأ ، بل إن هذا الأسلوب يدل على إصرار الدكتور طه حسين على الرأي وحرصه أن يذيعه في الناس فيفسد به مزيدا من العقول والقلوب ، وقد أشار كثيرون إلى وقائع له مع الدكتور أحمد الحوفي ، ومحمد بهجت الأثري ، وسعيد الأفغاني ، ولكن هل توقف طه حسين عن آرائه ؟
هل حدث تلاميذه بشيء من هذا التراجع ؟
إن ذلك الأمر ظل قاصرا على مسمع عدد قليل من أصدقائه ، وليس على الملأ العام من قرائه ومحبي فكره .
عقبات على طريق الدعوة
يتناول الدرس أهم العقبات التي تواجه الدعاة إلى الله، ومنها مخططات أعداء الإسلام في الخارج والداخل، ومحاولة القضاء على القرآن الكريم، وتشويه وتحريق التاريخ والفكر الإسلامي، والقضاء على وحدة المسلمين إلى غير ذلك مما ذكره من عقبات .
إن طريق الدعوة طريق الأنبياء والمرسلين , وطريق العاملين والدعاة الصديقين، وهو طريق وعر شاق طريق مليء بالعقبات، وأهم هذه العقبات ما يلي:
العقبة الأولى: أعداء الإسلام في الخارج والداخل:
فهو مستهدف من قبل أعدائه الذين لا يتفقون على شيء قدر اتفاقهم على القضاء على الإسلام، ولم يدعوا سبيلًا إلا وسلكوه ، ومن هذه السبُل ما يلي:
أولًا: القضاء على الحكم الإسلامي متمثلًا في الخلافة .
وقد نجحوا بالفعل في القضاء على الخلافة الإسلامية وفصل الدين عن الدولة في أوئل هذا القرن على يد [كمال أتاتورك] في معاهدة لوزان عام 1922م ، وكانت بنود هذه المعاهدة التي اشترطها ووضعها [كرزون] وزير خارجية انجلترا هي كما يلي: