كان العلامة الراحل في أخريات أيامه لا يستطيع الحديث فترة طويلة ، ولكن قبل أن يشتد عليه المرض أجريت معه هذا الحوار ، وكان حوارا قصيرا لا يتناسب مع عمق وامتداد فكر العلامة أنور الجندي ، ولكن ظروفه الصحية حالت دون أن يكون الحوار في مستوى فكر الموسوعة الراحل ولا مستوى طموحي .
إنه حوار لم ينشر مع الأستاذ أنور الجندي ، لعله يفسح الطريق لمعرفة قدر هذا الرجل بعد موته .
اللقاء متميز جدا ، ومهم جدا ؛ لأنه مع شخصية متميزة ومهمة جدا ، مع شخصية ثرية الفكر ، غاية الثراء ، عميقة غاية العمق ، إنها شخصية مفكر وعالم وكاتب وأديب وباحث متجرد لفكره ، يعيش حياته كلها من أجلها ، وما أطولها من حياة ، وما أجلها من فكرة ، بعيدا في ذلك كله غاية البعد عن مجالات الشهرة والبحث عن النجومية ، أو إحداث الدوي كأنما هو زاهد أو راهب في صومعة لا يتطلع إلى أي شيء في هذه الحياة ، سوي أمر واحد هو أن يقول كلمته ، إنه من النماذج النادرة التي قلما تجود بها الحياة ، أو تظهر في تاريخ الفكر الإنساني ، بين آن وآخر ، لتكون مهيأة بالعقل والقلم على أداء دور كبير، ليس على مسرح الحياة وإنما في أعماقها، من أولئك القادرين على استيعاب مفاهيم عصرهم من أجل الدفاع عن دعوة عالمية، ورسالة سماوية، وغاية سامية، يحملون لواءها مدي حياتهم ، ولا يضرهم من خالفهم ، ولا يصيبهم اليأس ولا التحول ، ولا تزيدهم الأحداث أو الأزمات إلا قوة وصلابة في مواصلة البذل والعطاء ، فكأنما هذه الحياة عندهم مجري طويل ممتد ، يبدأ في أول أمره عاديا غير لافت للنظر ، ثم لا يلبث أن يزداد عمقا، ولا يزال يمتد ويتسع أكثر فأكثر، حتى إذا أوفي على الغاية اكتمل وتضخم وأحال كل ما حوله خصبا وبهجة وحياة .
نعم- هكذا - هي حياة المفكرالأديب والكاتب الكبيروالمدافع العتيد أنور الجندي الذي بدأت رحلته مع التأليف والتصنيف وهو دون الثامنة عشرة من عمره ، ورغم ذلك بدأ ناضجا فكريا ومكتمل الرؤية ، لم يمر بأطوار مختلفة كبقية الكتاب والباحثين ، فقد بدأ وظل واثقا من أدواته البحثية وعدته العلمية ، وترسانته الفكرية ، ومرتويا بثقافته العربية والإسلامية الأصيلة التي قوامها مزيج من دراسات الأدب والعلوم والفقه والتاريخ والسنة والشرائع والقرآن الكريم، موجها قلمه صوب قضايا عصره، ومواجها تحديات الغزو الفكري ورياح المذاهب والنظريات والفلسفات المادية، موقنا - في النهاية - بانتصار كتيبة الحق على كتائب الباطل.
الحوار حاولت أن أجعله عميقا ولكن الشخصية أعمق ، والقضايا جوهرية تتلمس موضع الداء في جسد الأمة العربية، فتضمد بمهارة وحذق وكياسة.
اجعلوا اللغة العربية قضيتكم:
قلت له في البداية: ماهي أهم القضايا الثقافية التي ينبغي أن تكون هي الشغل الشاغل لأدبائنا ومثقفينا في الوقت الراهن ؟
فقال: على الأدباء والمثقفين عامة أن يدركوا أنهم على بر الأمان ، ولا خوف عليكم ، ما تمسكوا بالعربية"لغة القرآن"لغة أكثر من ألف مليون مسلم، وليس مائة مليون هم الغرب وحدهم؛ لأنه ما تزال قوي التخريب وفلول الاستعمار والأحقاد والغزو الثقافي تطارد اللغة العربية الفصحي مطاردة شديدة ، وهناك اتجاه تغريبي يرمي إلى هدم الفصحي وعزلها، والمبالغة في أهمية اللهجات العامية والعناية بدراستها باعتبارهااللغة المستعملة ، ولقداعتقد المسلمون على مدي القرون - واعتقادهم حق - أن لغتهم جزء من حقيقة الإسلام؛ لأنها كانت ترجمانا لوحي الله ولغة لكتابته، ومعجزة لرسوله ولسانا لدعوته ، ثم هذبها الدين بانتشاره وخلدها القرآن بخلوده ، والقرآن لا يسمى قرآنا إلا بها، والصلاة لا تكون إلا بها، فلكل لغة منهجها الفكري القائم على معانيها ومضامينها.
هناك دعوى إلى إقليمية الأدب أي تقسيم الأدب حسب الإقليم المكاني ، فنقول: أدب مصري ، وأدب سوري ، وأدب عراقي ، فما رأيكم في ذلك ؟
-لا شك أن هذه الدعوى غير عربية الفكر أصلا ، ولا منبعثة من صميم تفكيرنا الذي يجري في طريقه الواسع العميق مرتبطا بالثقافة العربية التي تشكلت خلال أكثر من خمسة عشر قرنا ، ونحن نعلم أن الدعوات التغريبية حريصة على أن تمزق وحدة هذا الفكر بأن تؤجج دعوات إقليمية ضيقة النظرة تتصل بالإقليم أو العنصر أو النحلة القديمة القطر ، وقد حاول المغرضون إبراز هذه النظرية في إقليمية الأدب على أساس أن لكل إقليم طابعه الخاص، وأن الأمة العربية هي خلق غير تام التجانس ، لكن هذه الدعاوى دائما تبوء بالفشل والاندثار ؛ لأنها دعاوى مستوردة ودخيلة وليست نابعة من الوجدان العربي ، كما أن وحدة الأدب العربي متمثلة في المشاعر والأهداف والمعاني ومواجهة الأحداث ، وأنه ليست هناك فروق أساس بين الأقطار العربية ، وإن كانت هناك فروق في الفروع ، والأدب العربي قد حافظ على وحدته، وطابعه الشامل في مختلف العصور في أحلك فترات الضعف .
سقوط الحداثة
بماذا تفسرون تراجع أو سقوط نظرية الحداثة برغم الصخب والضجيج الهائل الذي صاحبها منذ ولادتها، برغم كتائب الحداثيين المدججة بالمال والرواج الإعلامي؟
لعل أخطر ما لجأ إليه دعاة التغريب في بلادنا هذه المحاولة اليائسة والمكشوفة - أيضا - إنهم يريدون هدم اللغة العربية بدعوتهم إلى الحداثة ، وما يتصل بها من نظريات كالبنيوية والدادية والتفكيكية وغيرها من النظريات التي ترمي إلى القضاء على الجذور والثوابت اللغوية ، في محاولة لهدم قوانين النظم العربي ، وذلك بالدعوة إلى أساليب مدمرة تستوحي آثار الفلسفة اليونانية القديمة في شعر شعراء ذلك العصر مثل بشار وأبي نواس وغيرهم من الشعوبيين .
وكان للصحوة الإسلامية الواعدة دور كبير في كشف نظرية الحداثة وتعقب أصحابها، وكشف زيفهم ومغالطاتهم، حيث قامت هذه المؤامرة (الحداثة) على أكتاف عصابة من أدعياء الأدب حاولوا تضمين الشعر الحر والقصص بتلك الأساطير الزائفة ونشرها وإعطاءها مكانة الأصل الغائب المهجور ، فمثلا فيما يسمونه إحياء التراث من خروج على الأسلوب العربي الأصيل، وهدم لقيم البلاغة العربية وأصولها، وتغليب لجانب الفلكلور الذي يمثل طفولة الثقافة البشرية على البيان العربي الأصيل ، في محاولة لإعطاء الفن القصصي حرية غير محسوبة تحت اسم حرية الإبداع لتقديم إباحيات جديدة تحت صور قديمة من التاريخ .
الكبار يتعرضون للتشويه
لماذا كانت شخصية"الخليل بن أحمد الفراهيدي"عالم اللغة المسلم هدفا للتشويه والتدمير، خاصة من جانب أصحاب المذاهب الغربية عامة؟
لأن الخليل الفراهيدي أعطى الشعر وأعطي النحو وأعطى الموسيقي قانونا عجيبا ما يزال موضع كراهية وحقد من خصوم اللغة العربية الذين يدعون إلى ما يسمونه"كسر النص"!فهم من أجل ذلك يحملون عليه ويسخرون منه، وهو سامق المكانة ؛ لا تهزه هذه الكتابات المنحرفة ، وليس هذا شأن الخليل بن أحمد وحده، ولكن سهام التغريب والغزو الثقافي لم تدع أديبا صحيحا ، أو شخصية ممتازة في الفكر الإسلامي والأدب العربي إلا حاولت النيل منه ، فعلت ذلك في المتنبي والغزالي وابن تيمية ، في ذات الوقت الذي حاولت فيه أن تعلي من شأن الشعوبيين والمارقين أمثال بشار والحلاج وأبي نواس وابن الراوندي ، وكذلك فهي قد نسبت إلى عمر الخيام العلامة التجريبي الكبير شعرا يحض على الفساد والخمر ، ومن أجل هذا فإن علينا أن نكون حريصين أشد الحرص على حماية هذه الشخصيات الكريمة من هذا الاتهام ، وأن نحرر فكرها وحياتها ونكشف عن وجه الحق فيها.