فهرس الكتاب

الصفحة 1436 من 3028

وللحقيقة فإننا يجب أن نفرق بيين عهدين في تاريخ علاقتنا بالدولة العثمانية: فترة السلطان عبد الحميد التي تنتهي عام 1908 م باستيلاء الاتحاديين تلاميذ حزب الاتحاد والترقي وإنباع الماسونية وربائب الدونمة وبين الفترة التالية التي استمرت حتى عام 1918 م وهي الفترة التي تمثل أسود صفحات العلاقة بين العرب والترك، وهي ليست من حساب الحكم التركي الإسلامي ولكنها مرحلة متقدمة لخدمة الصهيونية العالمية ونصرها وتشكيل أول محاولة لضرب الوحدة الإسلامية العربية، بإعلاء الدعوة الطورانية، ومحاولة تتريك العرب في سوريا وتعليقهم على المشانق، هذه الفترة وحدها هي التي يقف منها العرب في سوريا موقف الخصومة للترك وهي ليست من حساب الدولة الإسلامية العثمانية في الحقيقة.

كذلك فإن النظرة إلى الدولة العثمانية عام 1619 م عندما انضمت الأجزاء العربية في العراق وسوريا ومصر إليها، فإنها في التحليل التاريخي الدقيق ليست سوى التقاء بين عنصرين مسلمين. وقد وجدت من جانب العرب تقبلًا صادقًا فهي ليست في حقيقتها إلا محاولة طبيعية من محاولات الالتقاء والتكامل بين أجزاء العالم الإسلامي في مواجهة الأخطار وقد جاءت هذه الوحدة الإسلامية بين العرب والترك على أثر ضعف قوى المماليك وتعرض الأجزاء العربية وخاصة الشام ومصر لتجدد الغزو الصليبي. والمعروف أن العرب في مصر وسوريا قد رحبوا بالوحدة الإسلامية العثمانية ولم يعارضوها، حيث وجدوا في العثمانيين إخوانهم في العقيدة والدين منتعشًا جديدًا للإسلام وقوة شابة بدوية مقاتلة رفعت راية الإسلام خفاقة عالية. وقد أكد الباحثون أن هذا اللقاء بين العرب والأتراك قد حمى العالم الإسلامي أكثر من أربعمائة عام من الغزو الصليبي للمرة التالية.

ومن الحق أن يقال أن العثمانيين قد قاموا في هذه المرحلة الأولى بالأخذ بمفاهيم الإسلام في نطاق الحكم وتحركوا من خلال إطاره. ويشهد المؤرخون غير المتعصبين على الإسلام أو الناقمين على الدولة العثمانية بأن العثمانيين قد اقتفوا أثر الخلفاء الأولين في العدل والتسامح وتمثلوا أعمالهم واتخذوهم قدوة وعملوا على جمع القلوب إليهم بتقدير العلماء ةإنشاء المساجد والمدارس ومن هنا جرت محاولات البحوث الاستعمارية على وصف العلاقة بين العرب والترك بأنها نوع من الاستعمار وهي ليست كذلك في الحقيقة وإنما هذه هي النظريات المدخولة التي يحاول الغزو الفكري والتبشير إذاعتها لإقرارها في الأذهان.

ولقد مرت الدولة العثمانية ككل كائن حي بمرحلة القوة ثم بمرحلة الضعف، ولكن السلطان عبد الحميد كان يعرف أساليب الاستعمار ويواجهها في دهاء وبراعة وقد شهد جمال الدين الأفغاني حين التقى به بأن عبد الحميد يدبر لأوروبا في مواجهة كل محاولة ردًا وفي مقابل كل مؤامرة أمرًا.

لم يكن الخلاف أذن بين العرب والترك ولكنه كان بين العرب والاتحاديين دعاة الطورانية فلنفرق دائمًا بين هذه المراحل ولنعرف أنه قد نشأ في مصر والبلاد العربية الآن تيار قوي لتصحيح هذه الأخطاء على ضوء ما كشفته الوثائق من بروتوكولات صهيون أو ما نشر عن مؤامرات الماسونية على النحو الي يعيد الحقائق إلى نصابها في طريق وحدة الفكر الإسلامي المتجه إلى وحدة الفكر الإسلامي كمقدمة للوحدة الإسلامية التي هي أمل المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

تصحيح المفاهيم الإسلامية

الأستاذ أنور الجندي

يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

"لتتبعن سنن من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو عروة حجر ضب لدخلتموه".

ويقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب:"إنما ستنقض عرى الإسلام عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية".

إن أخطر الأخطار التي تواجه المسلمين اليوم: خطر التغريب.

والتغريب هو حمل المسلمين والعرب على قبول ذهنية الاستسلام والاحتواء والتحرك من داخل دائرة الفكر الوافد (وليس من داخل عقلية الغرب نفسه) ودائرة الفكر الوافد تختلف في إنها تحشد الشيء وضده، وتسوق المذاهب المتعارضة كلها في خضم جارف (وجودية وماركسية وليبرالية وهيبية ولا معقولية) حتى تسقط النفس الإسلامية ويسقط العقل الإسلامي صريع الخلاف والاضطراب ويتشكل بالسلبية المطلقة والعدمية.

والهدف من حملة التغريب هو إخراج المسلمين من دائرة فكرهم بما يخلق شعورًا بالنقص في نفوسهم وذلك بالتأثير في النفس والمزاج والروح الإسلامي لإخراجها جميعًا من مفاهيمها ومواريثها وفرض أعراف جديدة عليها مخالفة لها في الأصل مباينة لها في الجذور.

وفي مواجهة هذا علينا أن نعرف بأن هناك عالمين منفصلين: قد يؤثر أحدهما في الآخر ولكنهما لا يمتزجان أبدًا ولا يخضع أحدهما للآخر، ولا يستوعب أحدهما الآخر ولا يحتويه، هما عالم الإسلام المتميز بطوابعه ومفاهيمه وقيمه وعالم الغرب.

والفكر الإسلامي له من جذوره العميقة وأصوله العريقة ما يجعله قادرًا دومًا على التماس التجدد دون أن يفقد الأصالة.

والخطر كله يتمثل في بعض المفكرين من العرب الذين يفكرون من داخل دائرة الفكر الغربي ويتحركون خارج إطار الفكر الإسلامي ومن هنا تأتي أخطاؤهم ويأتي عجز نظرتهم عن أن ترى الأفق الواسع الممتد.

إن هناك منهجًا: لا هو غربي ولا هو إسلامي، وإنما هو منهج زائف صنعته اليهودية التلمودية الصهيونية وكشف عنه بروتوكولات صهيون قد أعد خصيصًا لإدخال العرب والمسلمين فيه، فإذا دخلوا أحكم عليهم كالسجن فلا يصلون إلى شيء لا إلى معطيات الفكر الغربي ولا إلى أصولهم الأصيلة وإنما يذوبون هكذا في غير ما أفق ويدورون في غير ما سماء.

إن مناهج العلوم والنفس والاجتماع والسياسة والاقتصاد التي يقدمها لنا الغرب تنقصها إضافات، الأولى: طابع التكامل والجمع بين العقل والقلب والمادة والروح والدنيا والآخرة.

والثانية: الدور الطليعي الذي قام به المسلمون في بناء هذه المناهج يوم أن كانت موجهة إلى الحق وإلى الحق وحده وقبل أن يلتهمها الإلحاد ثم تستقطبها الصهيونية العالمية.

إن هناك محاولات جادة لتقديم ثلاثة مناهج للفكر الإسلامي تحتاج إلى يقظة ومواجهة:

ما يسمى علم مقارنات الأديان الذي يقوم بأحكام مسبقة إلى تفضيل الأسبق والأول وهذا يستهدف الانتقاص من الدين الجامع الخاتم وهو الإسلام.

ما يسمى علم الأنتروبولوجيا: وهو خاص بدراسة الشعوب البدائية وهدفه استخراج مفاهيم وقيم تعارض الكتب السماوية وإلعاء شأن الأساطير والسحر والتنجيم القديم وإعلاء شأن العنصرية والدماء.

ما يسمى العلوم الاجتماعية بالإضافة إلى نظرية فرويد وتستهدف إلغاء طابع الفطرة الأصيل في الأسرة ورد دوافع الإنسان إلى الجنس وإلى الطعام.

وتسيطر الصهيونية اليوم على هذه العلوم والدراسات بغية تحقيق أهدافها التي أوردتها بروتوكولات صهيون.

وتستهدف محاولات التغريب اليوم أهدافًا متعددة:

أولًا: محاولات إسقاط أسس وقيم وفرائض أساسية كالجهاد مثلا.

ثانيًا: محاولات تحريف التاريخ والنصوص الإسلامية كإسقاط رحلة سيدنا إبراهيم عليه السلام إلى الجزيرة العربية.

ثالثًا: محاولة إضافة أشياء ليست أصيلة كالإسرائيليات.

رابعًا: محاولة الفصل بين الأدب والفكر، واللغة والدين، والدين والمجتمع.

خامسًا: محاولة تمويه القيم بإعلاء القانون الوضعي على الشريعة.

سادسًا: إثارة النعرات الإقليمية والعنصرية بالدعوة إلى القوميات والتجزئة.

سابعًا: محاولة التمويه بخلط الأخلاق الإسلامية المصدر بالعادات والتقاليد التي هي من صنع المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت