ثامنًا: محاولة تألية العقل أو تقديس العلم أو الدعوة إلى عبادة البطولة.
إن الهدف هو الحيلولة دون استئناف المسلمين حياتهم الاجتماعية على أساس الإسلام وذلك عن طريق تركيز التاريخ والتراث الإسلامي في سبيل تأكيد التبعية وفقدان الذاتية.
وقد آن للعرب والمسلمين أن يتحرروا من هذا المخطط الرهيب بالفهم والعمل.
إن الطريقة المثلى للتحرر من الزيف والخطأ من التفسيرات المدخولة: ومن التحريفات والأساطير واخطاء التهاويل هو شيء واحد: هو التماس المصدر الأصيل: وهو القرآن.
هذا المصدر الثابت الموثق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو السور المتين والحائط الصامد الذي يعتصم به المسلمون في كل أزمة وكل جولة ومن كل غزو فكري أو تحد سياسي أو استهداف اجتماعي.
ومنهج الإسلام في القرآن هو أعلى نموذج للمنهج العلمي الأصيل، فهو يدعو إلى إنكار الظن وتحقيق الغرض ونفي الأسطورة والخرافة وإبعاد الوهم والهوى والمطالبة بالبرهان والدليل.
إن قواعد الفكر الإسلامي الأساسية قد بدأت ونمت في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مستمدة من القرآن وأن هذه القواعد لم تتغير من بعد ولم تجر إضافة شيء إليها فظلت قيمها الأساسية كما جاء وحي السماء (القرآن) وسنن النبي في تفسيرها وتطبيقها وإنما جرت حركة العمل من داخل الإطار الذي رسمه القرآن، ولقد كان اتصال المسلمين بالفلسفات اليونانية والفارسية والهندية تجربة قاسية انتهت بانتصار الإسلام وهزيمة محاولات سيطرة الفكر الوافد أو الغزو الفكري كما نسميه بلغة العصر.
وبقيت الحقائق الأساسية قائمة:
إن الإسلام ليس دينًا كسائر الأديان ولكنه حركة اجتماعية واسعة تشمل الاعتقاد والمجتمع والدولة ومختلف نظم الاقتصاد والسياسة والأخلاق وأن ميزة الإسلام: إن نظرته كلية شاملة وأنه لم يجرئ الحياة بل نظر إليها نظرة جامعة متكاملة كما نظر إلى الإنسان نفسه كوحدة نفسية وجسمية لا تنفصل.
ثانيًا: القرآن كتاب الله ومصدر المنهج الإسلامي، يرسم صورة شاملة للقيم الأساسية وأصول مناهج المعرفة والعلوم وسنن الحياة والكون والحضارات والمجتمعات حيث يربط البشرية والكون جميعًا بخالقها وبعثها وجزائها.
ثالثًا: الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم (كان ولا يزال وسيظل) النموذج الأسمى والمثل الكامل والقائم أمام كل المجاهدين والمصلحين والنوابغ قدوة حسنة وأسوة صادقة، من نقطة حب الرسول إلى المتابعة له على طريق الحق.
وقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم آثار تستهدف تحرير البحث العلمي من كل الزيوف.
"ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان:"
من إذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل.
ومن إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق.
ومن إذا قدر لم يتناول ما ليس له"."
إن الطريقة المثلى للتحرر من الزيف والخطأ ومن التفسيرات المدخولة: من التحريفات والأساطير وأخطاء التأويل هي شيء واحد، هي: التماس المصدر الأصيل موثقًا ثابتًا لا يأتيه الباطل من بين يدىه ولا من خلفه فهو بحق: السور المتين والحائط العالي الذي يعتصم به المسلمون في كل أزمة وكل جولة غزو فكري أو سياسي أو اجتماعي وقد رسم الإسلام في القرآن قاعدة المنهج العلمي فهو يدعو إلى إنكار الظن وتحقيق الغرض ونفي الأسطورة والخرافة وإبعاد الوهم والهوى والمطالبة بالبرهان والدليل.
وبهذا المنهج الأصيل نقول أنه قد آن للعرب والمسلمين أن يتحرروا من التبعية للنظريات الغربية أو المفاهيم الوافدة وعليهم أن يفكروا بلغتهم وأن يتحركوا من داخل فكرهم وأن يتجاوزوا سارتر وفرويد وماركس ودور كايم.
وعلى المسلمين أن ينتقلوا من الإسلام إلى الإيمان ولابد أن ينكسر قيد التبعية ويتحطم قيد التقليد ويتحرر الفكر الإسلامي من الدائرة المغلقة التي فرضها عليه نفوذ المنهج الغربي الوافد ولابد أن يرتبط مفهوم"التقدم"بمفهوم الأصالة ويتحرك من داخله، التقدم بمفهومه الجامع: تقدمًا ماديًا ومعنويًا استمدادًا من المنبع الأصيل، وإن من أخطر الأخطار أن يدخل العرب والمسلمون في مواجهة مع عدوهم بمفاهيم وافدة وقيم مضللة واعتقادات وثنية ولابد أن تفتح اللغة العربية أبوابها لاستقبال العلو والتكنولوجيا بمختلف فروعها وأنواعها وهذا شرط أساسي لقيام نهضة حقيقية، فلابد أن تنصهر هذه العلوم في بوتقة اللغة التي هي فكر الأمة ووعاء ذوقها وثقافتها، ولن تستطيع أمة أن تخطو في مجال العلوم خطوة واحدة إلا إذا كانت مفاهيم العلوم داخل إطار لغتها.
ولقد دعا الإسلام معتنقيه إلى معارضة التقليد الأجنبي، وحذر من التشبه بالآخرين وحرص على أن تظل شخصية المسلم وفكره وحضارته ومجتمعه متميزة، وأعلن لذلك حربًا لا هوادة فيها على التقليد وعلى التبعية وحكم على من تشبه بقوم بأنه قد انفصل عن أهله وأصبح من أهل القوم الآخرين. ودعا إلى إعلان التمييز بين الأمم من حيث العادات والأخلاق. وكشف الإسلام عن مدى أثر التقليد في فقدان الشخصية وأثر التبعية في عبودية الفكر والعقل. وقد أكد المؤرخون بأن التقليد في مراحل الضعف إنما يكون في جوانب الهدم والانحلال ويتركز دائمًا على الانهماك في اللذات فضلًا عن أن القوى الكبرى لا تعطي للضعفاء أسرار علومها، وإنما تلهيهم بفتات الأهواء وبريق الرغبات التي من شأنها أن تحطم المقومات وتدمر النفس البشرية وتجعلها غير قادرة دائمًا على معارضة هذه القوى الكبرى.
لذلك فإن الطريق الوحيد للأمم التي تحوطها الأخطار أن تظل دائمًا على تعبئة ومرابطة ومن هنا فإن الذين قالوا لنا: أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لم يكونوا صادقين في النصح والتوجيه.
وحين عمل الإسلام على تحرير أتباعه من التأثير الأجنبي بكل أنواعه، دعا إلى الحذر من الحرب النفسية التي يشنها أعداء الإسلام والتي تهدف إلى تغيير المعالم الأصيلة لعقيدتنا وفكرنا وثقافتنا ومزاجنا النفسي.
ومن مفاهيم التبعية"إيجاد البديل في مواجهة الأصيل"والأمم العريقة التي تكامل فكرها لا تكون عادة في حاجة إلى مفاهيم وافدة، فإذا نظرت فيها فمن أجل أن تعرف أسلوبها وأهدافها، مع تقدير الفارق البعيد بين منهج جزئي انشطاري ومنهج متكامل جامع، بين منهج رباني يستقطب النفس الإنسانية من جميع أبعادها ومنهج بشري عاجز عن الاستمرار والدوام، ولقد رأينا كيف أن النظريات التي قدمها الغرب سرعان ما تصدعت وبان فسادها بمرور الزمن واحتاجت إلى إجراء تعديلات بعد تعديلات وهي في أغلبها تعديلات جوهرية، ذلك أن تحول الزمن واختلاف البيئات يفسد النظريات ويصيبها بالعطب والاضطراب ويكشف عن الفارق البعيد بينها وبين المناهج الربانية الثابتة ثبوت الفطرة وقد رأينا ذلك في الماركسية والفرويدية والوجودية.
ومن أخطر الأخطار أن تتخذ أمة الأسلوب الوافد أسلوبًا أساسيًا لها مع اختلاف المفاهيم والمضامين التي شكلت هذا المنهج في أساسه.
ولقد احتاجت بعض المجتمعات إلى وضع مناهج للحياة (أيديولوجيات) لأنها لم تجد مناهج في عقائدها، أما المسلمون بأنهم ليسوا في حاجة إلى بناء مناهج بشرية وعندهم منهج محكم من صنع العلي الخبير، الخبير بالنفس الإنسانية"ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"ولقد كان من أثر انطلاقة الإنسان ليضع لنفسه منهجًا أن فسر الحياة تفسيرًا ماديًا، وفسر علاقات الإنسان تفسيرًا حيوانيًا وأباح الربا وأطلق الغريزة وفلسف ذلك كله وأرضى به النفوس الصغيرة حين خالف به فطرة البشرية وحكم الله.