فهرس الكتاب

الصفحة 1435 من 3028

ولقد كان ضروريًا للباحث المتمهل المنصف أن يقف دائمًا من تاريخ الدولة العثمانية في العصر الأخير موقف العدل والصدق وأن يفرق بين عهدين: عهد السلطان عبد الحميد الذي انتهى عام 1908 م تقريبًا وعهد حكم الاتحاديين الذي بدأ منذ ذلك الوقت وظل مستمرًا حتى أسلم أمره إلى الكماليين بعد الحرب العالمية الأولى. فهذه التفرقة واضحة وضرورية خاصة بالنسبة لنا في المشرق: ذلك أن سوريا ولبنان والعراق قبل ذلك تعيش في هذا الاتجاه المعارض للخلافة والسلطان بينما كانت مصر التي سقطت عنها ولاية الدولة العثمانية وسيطر عليها الاستعمار البريطاني منذ 1882 م تؤيد الخلافة والسلطان. ولقد كان لموقف حكومة الاتحاد التركي من أهل سوريا ولبنان ومحاكمة رجالهم وتعليقهم على المشانق عام 1916 م أثر نفسي يعيد في نظرتهم الكلية إلى الدولة العثمانية والحقيقة أنها يجب أن تكون قاصرة على الاتحاديين وحدهم.

ومن هنا وجب التفريق بين مرحلة السلطان عبد الحميد التي انتهت عام 1908 م وهي فترة كان موقف الدولة العثمانية فيها بالنسبة للعرب والمسلمين موقفًا كريمًا، وكانت الحركة الإسلامية الواحدة من أعظم الأعمال، أما الفترة التالية التي حكم فيها الذين أسقطوا السلطان فإنها تمثل أسود صفحات الحكم التركي ولاء للصهيونية والاستعمار وضربًا للوحدة الإسلامية وإعلاء للحركة الطورانية، ومحاولة لتتريك العرب في سوريا وتعليق زعمائهم على المشانق، هذه الفترة وحدها هي التي يقف فيها العرب من سوريا موقف الخصومة للترك وهي ليست من حساب الدولة الإسلامية العثمانية في الحقيقة.

كذلك نجد أنه من الضروري أن نصحح عبارة"الاستعمار التركي"أو العثماني. والواقع أن كلمة استعمار كلمة مستحدثة مرتبطة إلى حد كبير بدول مسيطرة بقوة الحديد والنار تأخذ ثروات الأمم بأبخث الأثمان لتجعلها موردًا خامًا لمصانعها ثم تعيد إلى هذه الأمم منتجاتها لتبيعها بأعلى الأسعار، وهذا النظام الاستعماري لم يكن موجودًا في هذه الفترة ولم تكن الدولة العثمانية بهذا المعنى دولة مستعمرة، كذلك فإن الأجزاء العربية التي انضمت إلى الدولة العثمانية لم تكن قد انضمت باحتلال وقسر ولكنها كانت برضاء ودعوة، فقد وجد العرب أنفسهم بعد ضعف المماليك في حاجة إلى الالتقاء تحت اسم الإسلام مع هذه الدولة الكبرى رغبة في الوحدة وحافظة على النفس. وبعد أن تعرضت سوريا ومصر لمحاولات غزو صليبي متجدد من الغرب، والمعروف أن العرب في مصر وسوريا قد رحبوا بالوحدة الإسلامية العثمانية ولم يعارضوها حيث وجدوا في العثمانيين إخوانهم في العقيدة والدين منتعشًا جديدًا للإسلام. وقد أكد المؤرخون والباحثون إن هذا الالتقاء بالعرب والترك في ظل الدولة العثمانية قد حمى العالم الإسلامي أكثر من أربعمائة عام من الغزو الصليبي الذي لم يلبث أن جاء بعد ضعف الدولة العثمانية.

والواقع أن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية لم يتجاوزها الزمن ولقد تبين للمسلمين اليوم بعد سنوات طويلة من الدعوات الإقليمية والقومية أن الوحدة الإسلامية هي الأصل الأصيل والوجهة الصحيحة وكل الدلائل تؤكد أن المسلمين سائرون إلى طريق الوحدة الذي حطمته اليهودية والاستعمار بإسقاط عبد الحميد وإلغاء الخلافة.

حاشية:

عندما عقد الملتقى الإسلامي الثامن في ولاية بجاية من جمهورية الجزائر عام 1974 م وأثار كعادته في كل عام عددًا من القضايا والمعضلات التي تواجه الفكر الإسلامي في العصر الحديث وقد اشترك في الملتقى عدد كبير من الباحثين والعلماء من مختلف أنحاء العالم الإسلامي كما شارك فيه ممثلون للمسلمين في الهند واليابان كانت أبرز القضايا التي تناولها البحث:

وضع الأقليات والجاليات عمومًا والإسلامية خصوصًا في كثير من بلدان القارات الخمس وواجب العلماء والمفكرين ورجال الإعلام نحوها.

وقد أشارت الدكتورة ليلى الصباغ من أساتذة التاريخ بجامعة دمشق إلى الدولة العثمانية إشارة ظالمة حين قالت:

أنها أشلمت البلاد العربية لقمة سائغة للاستعمار العربي.

وقد تصدى لها عدد من الباحثين الجزائريين وعرضوا لوجهة نظرهم إزاء الدولة العثمانية والدور الكبيرة الذي قامت به إزاء حماية المغرب كله من الغزو الأوروبي وتوالت المطالبة بمعرفة دور المشرق وقد تصدى كاتب هذه السطور ذللك فقال:

رغبة في تغطية قضية الدولة العثمانية نظر المشرق والعرب ومصر بالإضافة إلى وجهة النظر المغربية الجزائرية في هذه المسألة نقول: لقد تأثرنا في مصر والمشرق في كتبنا المدرسية وأبحاثنا التاريخية بوجهة النظر الغربية تجاه الدولة العثمانية، وهي وجهة خاصة للغربيين، نتيجة التوسع التركي عرفتها مناطق البلقان وغيرها في القرن التاسع عشر، وقد نقل الاستعمار البريطاني في مصر، والفرنسي في سوريا، وجهة النظر هذه إلى كتب التاريخ التي تدرس في مدارسنا وجامعاتنا، كما تأثر بها بعض مؤرخينا متابعة للنظرة الغربية، أو تحت تأثير الدعوات الإقليمية كالفرعونية الفينيقية وغيرها غير أن هذه النظرة تعمقت من بعد وبلغت أقصى غاياتها في تجاوز الحقيقة، على أثر ظهور الصحافة العربية التي حررها وأخرجها اللبنانيون المارون، خريجو معاهد الإرساليات، وأصحاب العداء الواضح للدولة العثمانية.

وزاد هذه النظرة عنفًا وتعصبًا: تلك المحاولة الخطيرة التي طرحتها الصهيونية العالمية بعد عام 1902 م اتشويه شخصية السلطان عبد الحميد ةرميه بالاتهامات كأمثال السلطان الأحمر والمستبد العثماني وغيره، وكلها كانت محاولات أريد منها تهيئة الأذهان للقضاء عليه وانتزاعه من مكانه، وقد عاونت المقطم والأهرام والهلال والمقتطف وكلها كانت لبنانبة الأصل في هذه الحملة وكان ذلك على أثر الموقف الحاسم الذي وقفه السلطان عبد الحميد من المحاولات المتصلة التي جرت خلال الأعوام السابقة لعام 1902 م والذي أرسل فيه السلطان خطابه التاريخي إلى الصحفي اليهودي ثيودور هرتزل صاحب كتاب الدولة اليهودية ومرؤسس الصهيونية الحديثة وقد جاء في هذا الخطاب بالنص:

قولوا للدكتور هرتزل لا يتصل بي مرة أخرى، أن بلادي تفضل أن تظل مدينة على أن تسدد ديونها من ذهب اليهود، إن فلسطين هي بلاد العرب ولا أستطيع أن أفرط في شبر منها.

وكان الدكتور هرتزل قد عرض على السلطان عبد الحميد خمسين مليونًا من الجنيهات الذهب لخزانة الدولة وخمسة ملايين من الجنيهات الذهب لخزانة السلطان الخاصة إلى مشاريع أخرى كثيرة لدعم الدولة العثمانية اقتصاديًا.

وقد سجل هرتزل في مذكراته كيف حاول إغراء ذلك الرجل الكريم أشد إغراء ثم كشفت وثائق التاريخ من بعد كيف جرت المحاولات لقتله ثم إسقاطه وقد أغري أشد إغراء وهدد أشد تهديد ولكنه صمد صمودًا مشرفًا وظل موقفه هذا محجوبًا عن الصحافة وعن المدارس والجامعات وكتب التاريخ سنوا طويلة حتى ترجمت مذكرات هرتزل في السنوات الأخيرة، وظل اسم السلطان عبد الحميد يذكر في كتبنا المدرسة مشفوعًا بأبشع الاتهامات حتى أحق الله الحق وكشف ذلك الزيف الذي حاول به الاستعمار وحاولت الصهيونية إيقاع الفرقة والخلاف بين العرب في مصر والشام وبين الدولة العثمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت