ثانيًا: الدونمة: هي القوة اليهودية الكامنة داخل الدولة العثمانية التي اختارت مدينة سالونيك ودخلت الإسلام بعد تاريخ طويل معروف، وهي التي أنشأت المحافل الماسونية في الدولة العثمانية لهذه الغاية واتصلت بجماعة الاتحاد والترقي (وحزب تركيا الفتاة) وأفسحت له في محافلها الفرصة للعمل، وتلاقت الرغبات على التخلص من الوجه الإسلامي لتركيا، ومن السلطان عبد الحميد وكان ذلك قد بدأ يأخذ طريقه بقوة منذ أعلن السلطان عبد الحميد دعوته إلى المسلمين. وكانت قوى كثيرة تشارك اليهودية العالمية في هذا الاتجاه وقد كان السلطان عبد الحميد يعرف هذه القوى التي يواجهها في الداخل ويعرف المؤامرة التي تدبر لفكرته وله وكان يعرف أبعاد المخطط كله: فئة المثقفين الغربيين الذين سيطرت عليهم أفكار الثورة الفرنسية ربيبة المحافل الماسونية من ناحية وحركة الإرساليات الأجنبية في لبنان وثمارها المنبثة في مصر وسوريا والبلاد الإسلامية تحمل أحقادها على الإسلام والوحدة الإسلامية والمحافل الماسونية في سالونيك. وإذا كان السلطان قد عارض مدحت وحزب تركيا الفتاة فقد كان عالمًا بأنهم واقعون تحت نفوذ الماسونية العالمية أداة الصهيونية العالمية في ذلك الوقت وأن موقفه دون تمكين اليهود من فلسطين قد حرض كل هذ ه القوى وأمدها بإشارة الانقضاض. إن تصريحات كثيرة للسلطان عبد الحميد تكشف أنه كان عالمًا بأهداف الصهيونية في هذا الوقت المبكر، ولذلك فقد كان وقوفه في وجه الاتحاديين وتركيا الفتاة وعمله على تحطيم مخططاتهم ليس نابعًا من كراهية لنهضة الدولة العثمانية ولكنه كان عمقًا في النظرة إلى الأهداف البعيدة لتدمير هذه القوة التي كانت تحمي آمال المسلمين داخل الدولة وخارجها.
ولقد صدقت نظرة السلطان عبد الحميد على الاتحاديين بعد أن دخلوا التجربة فعلًا وسيطروا على الحكم من 1909 م إلى 1918 م وما قاموا به من تسليم كامل للدولة وتبعية كاملة لمخططات الاستعمار والصهيونية مما كشف أصالة عبد الحميد وبعد نظره وجلال موقفه الحاسم في وجه النفوذ الاستعماري نفسه بالدعوة إلى الوحدة الإسلامية وفي نفس الوثت بمقاومة هذه التبعية التي كانت تحمل مظهرًا براقًا هو الإصلاح على طريقة الغرب بينما كانت تحمل في أعماقها إيمانًا بالفناء في الغرب كله، ولقد خدع المسلمون والعرب بالاتحاديين وأقاموا الأفراح وسرعان ما اكتشفوا أنهم سلموا أنفسهم إلى فك الأسد وأنيابه. إن مقدرة السلطان عبد الحميد على فهم ما يحيط به كانت مما يظن كثيرون ولكنه كان في موقف لا يستطيع معه أن يكاشف المسلمين بالأخطار التي تحيط به.
قد كان اليهود يرون في السلطنة العثمانية شبحًا مخيفًا خطرًا على مستقبلهم كما يقول الدكتور محمد علي الزغبي في كتابه الماسونية في العراء، وكانت الدونمة بكل مؤسساتها وتداخلاتها أداة التنفيذ في الوقت المناسب.
ثانيًا: بعد أن عقد مؤتمر بال 1897 م وكانت حركة الوحدة الإسلامية قد استحصدت، كانت وجهة نظر اليهود هي اقتحام فلسطين ولذلك فقد تركزت الخطط حول الدولة العثمانية وحول السلطان عبد الحميد في محاولة لاحتوائه ظنًا منهم أنه في ظرف من الضعف وفي حالة من الاستدانة تجعله يخضع للإغراء، إغراء اليهود بالذهب وهم من قبل أصحاب العجل الذهبي، وبدأت المحاولات منذ ذلك الوقت واتخذت وسائط كثيرة وووسائل متعددة منها وساطة الإمبراطور غليوم ولقاء اليهود الثلاثة (مزارحي قراصوا - جال - ليون) ولقاء هرتزل ومعه موشي ليوي حاخام اليهود في الدولة العثمانية ولقاء السفير اليهودي غوش وهي سابقة على مقابلة اليهود الثلاثة ثم لقاء هرتزل للسلطان ولرجال قصره.
وقد عرض من خلال هذه المقابلات مشروع يرمي إلى تقديم قرض للدولة العثمانية يبلغ خمسين مليونًا من الجنيهات الذهبية وخمسة ملايين جنيه لخزانة السلطان الخاصة. بناء أسطول كامل للدفاع عن أراضي العلية.
وذلك في مقابل السماح لليهود بإنشاء مستعمرة صغيرة لهم قرب القدس ينزل بها أبناء جلدتهم.
وحتى لا نطيل والتفاصيل كلها موجودة والمراجع ثابته: فنوه بالرد النهائي للسلطان عبد الحميد: بلغوا الدمتور هرتزل ألا يبذل بعد اليوم شيئًا عن المحاولة في هذا بالأمر (التوطن بفلسطين) فإنس لست مستعدًا أن أتخلى عن شبر واحد من هذه البلاد لتذهب إلى الغير فالبلاد ليست ملكي بل هي ملك شعبي روى ترابها بدمائه. فليحتفظ اليهود بملايينهم من الذهب فإن الدولة العلية لا يمكن أن تختبئ وراء حصون بنيت بأموال أعداء الإسلام.
لست مستعدًا لأن أتحمل في التاريخ وصمة بيع بيت المقدس لليهود وخيانة الأمانة التي كلفنى المسلمون بحمياتها.
إن ديون الدولة ليست عارًا لأن غيرها من الدول الأخرى مدين مثل فرنسا.
إن بيت المقدس قد افتتحه المسلمون أول مرة بخلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولست مستعدًا أن أتحمل في التاريخ وصمة بيعها لليهود وخيانة الأمانة. وقد أورد هرتزل في مذكراته التي طبعت بالألمانية في تل أبيب عام 1924 م قصة هذه المحاولات وقال بعد فشل المحاولة الأخيرة: إن السلطان عبد الحميد الشريف الفذ الذي أخفى المسلمين والعرب منذ عام 1909 م حتى سنوات قريبة عندما ترجمت مذكرات هرتزل وكان أول من أشار إلى هذا النص الأستاذ أحمد الشقيري في دروسه في معهد الدراسات العربية بالقاهرة منذ عشر سنوات وقد ظل المسلمون والعرب خلال فترة لا تقل عن خمسين عامًا يرمون الرجل عن قوس واحدة لأن الاستعمار والصهيونية والصحف العربية التي أصدرها تلاميذ مدارس الإرساليات وخاصة في مصر (المقطم، الأهرام، الهلال، المقتطف، مجلة سركيس) وعشرات من الصحف كانت تصف عبد الحميد بالسلطان الأحمر المستبد. وقد انتقلت هذه العبارات من الصحف إلى كتب التاريخ وكتب تاريخ الأدب العربي، وما من كتاب أرخ هذه الفترة إلا احتوى على هذه العبارات التي أصبحت مسلمات بالإضافة إلى تغير آخر سنعود له من بعد وهو"الاستعمار التركي العثماني".
كانت هذه العبارات النارية التي وجهها السلطان عبد الحميد إلى هرتزل عام 1902 م إيذانًا بتلك الحملة العاتية على السلطان بعد أن تقرر إزاحته وكانت هذه الحملات التي وجهت إليه تمهيدًا وإعدادًا للرأي العام لهذا الغرض. ولقد جرت منذ ذلك الوقت محاولات لاغتياله وإسقاطه حتى وقع ذلك عام 1908 م بالإنقلاب الذي قام به الاتحاديون بالاشتراك مع الماسونية ممثلة في الدونمة.
ولا تزال عبارات عبد الحميد نبراسًا مضيئًا وتاجًا لامعًا وشرفًا ما بعده شرف، يتوج جبينه في تاريخه المعاصر، وعند ربه، ويتردد عنه ومن حوله كل الإشاعات والشبهات والأضاليل. وقد تبين من بعد في وثائق كثيرة وانكشف الستار عن مؤامرة قلب الدولة العثمانية وإنزال عبد الحميد بالذات كخطوة أولى لتنفيذ هذه الجريمة البشعة. والمؤامرة العالمية لتحطيم الوحدة الجذرية والرابطة العضوية القائمة بين العروبة والإسلام. ولقد تحقق فعلًا لليهود وللاستعمار بإسقاط عبد الحميد كل ما كانوا يرجونه ولم تلبث الهجرة إلى فلسطين أن بدأت سافرة منذ ذلك الحين وتحقق ذلك الأمل الذي استعصى سنوات وسنوات، وكان ذلك مقدمة لاشك فيها للقضاء على الخلافة الإسلامية.