فهرس الكتاب

الصفحة 1433 من 3028

الأول: أن يكون أهل بلاد العرب هم ساقة هذه الدعوة وحملة لوائها ومن هنا فقد اتخذ في كل قطر عربي"مشيرًا"له فجمع حوله علماء وأمراء من الجزائر والشام ومكة ومنهم أبناء الأمير عبد القادر الجزائري وغيره من أمراء المسلمين.

الثاني: هو إنهاء الخلاف الذي أحجبه الاستعمار بين السنة والشيعة أو بين الأتراك والفرس وقد استخدم لذلك علامة كبيرًا هو السيد جمال الدين الأفغاني وأجرى صلحًا مع شاه فارس وصفي أمر الخلافات كلها.

ولم يتوقف عند هذه الحركة الفكرية وحدها إنما جعلها واجهة لعمله الكبير الذي بدأه في بناء القوة الحربية والعسكرية وتقوية جيوشه وأساطيله فقد استخدم بعثة ألمانية ولم يلبث أن أنشأ معاهد عسكرية دخلها عدد كبير من الشبان الممتازين من شباب العرب من العراق وسوريا ومصر. وقد مضت الخطة إلى غايتها المرجوة فاشتد عصب المسلمين بالترابط وتوحدت فكرتهم بالعمل الجامع، وكان دعاة الفكرة الإسلامية ينشرون ثقافة جديدة قامها مواجهة الاستعمار الغربي الزاحف والخطر الأوروبي القيصري الصهيوني جميعًا، وتركزت الآمال حول السلطان عبد الحميد خليفة المسلمين وترابطت الدول الإسلامية وأهلها حول عاصمة الخلافة علت نحو بلغ غاية القوة (فكانوا يذكرون اسمه في خطب الجمعة ويدينون له بالولاء والطاعة الروحية وباسم خلافته على المسلمين كافة) وجعلهم من رعايا دول أوروبا في الهند وجزر الهند الشرقية وشمال أفريقيا، وكان السلطان على حد تعبير محمد رفعت باشا في كتابه التوجيه السياسي للفكرة العربية"يفاوض الدول الكبرى ويساومها بل يهددها أحيانًا ملوحًا بسلاح الجهاد الديني، واستطاع السلطان أن يجمع تحت لواء الدعوة أبرز المسلمين في مجال الفكر والسياسة وفي مقدمتهم: خير الدين التونسي وجمال الدين الأفغاني وأبو الهدى الرفاعي الصيادي وأبناء الأمير عبد القادر الجزائري".

وأقام من العرب فرقة خاصة ضمها إلى الحرس السلطاني وولى كثير منهم مناصب رئيسية في الدولة وفي مقدمتهم أحمد عزت العابد. وكان من أكبر أعمال السلطان في هذا الصدد: إنشاء سكة حديد الحجاز التي تربط بين دمشق والمدينة وكذلك فرعها الذي يربط الحجاز وبغداد وقد وجد هذا العمل تقديرًا بالغًا من المسلمين في كل مكان وتبرعوا له بأكثر من ثلاثة ملايين من الجنيهات الذهبية، فكان من أخطر المشروعات التي عجلت بالقضاء على السلطان فقد كان منذرًا للغرب بتغيير إسلامي كبير. وقد استهدف في الأغلب القضاء على دسائس الإنجليز ومؤامراهم في البحر الأحمر والجزيرة العربية وكان من أخطر مواقف الحركة الإسلامية الواحدة التي دعا إليها وحمل لواءها عبد الحميد: هو معارضة أهداف الحركة الصهيونية في السيطرة على فلسطين ومواجهتها.

ومن هنا انطلقت الصحافة الأوروبية وتباعتها الصحافة العربية التي ظهرت في مصر والتي قاد حركتها خريجو الإرساليات التبشيرية، من أمثال: سليم سركيس وفارس نمر ويعقوب صروف وفرج أنطون وغيرهم الذين حملوا لواء التشهير باللواء ومعارضته وإشاعة الاتهامات المحتلفة حول شخصيته وتصويره ومعارضته وإشاعة الاتهامات المختلفة حول شخصيته وتصويره بتلك الصورة الرديئة لحساب الصهيونية العالمية التي انطلقت لإشاعة روح االكراهية والانتقاض للرجل بعد موقفه الحاسم الكريم من مطالبهم وكان أعظم ما تركز عليه هذه الحملة إثارة عوامل الفتنة بين قيادة الحركة الإسلامية وبين العناصر المختلفة في الدول العثمانية وخارجها.

وكان أقوى من هاجم حركة السلطان عبد الحميد في مصر اللورد كرومر الذي حمل على فكرة الجامعة الإسلامية حملة ضارية ودعا الدول الأوروبية في تحريض سافر إلى التجمع للوقوف في وجه هذه الدعوة وكذلك هاجمها هانوتو الفرنسي واللورد غراي ووصفوها بأنها بؤرة التعصب الديني وأنه ليس القصد منها إلا تحدي قوات الدول الغربية المسيحية وقد حملت جريدة المقطم في مصر لواء معارضة هذه الدعوة.

ولقد شهد كثيرون بأصالة هذه الحركة وقوتها وأثرها، يقول الدكتور توفيق برو: أنها كانت كرد فعل للحركة الاستعمارية الأوروبية الطاغية وأن قادتها كانوا من الدعاة المبرزين وقد أذكى نار هذا الشعور أئمة من أفاضل العلماء أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومصطفى الغلاييني ورشيد رضا الذين قاموا باستغلال هذا الشعور في سبيل سيطرة السلطان في الداخل وتقرير مكانة الدولة في الخارج.

وبعد فلقد كان السلطان عبد الحميد سياسيًا قديرًا وقرمًا من أقرام السياسة الدولية وأولا ذلك ما استطاع أن يصمد في وجه هذه الرياح العاتية وكان قادرًا على التعرف على مختلف التيارات والمؤامرات وكان يفهم أبعاد الخطر الداخلي الذي يؤججه الاستعمار والصهيونية عن طريق حزب تركيا الفتاة وكيف تسيطر عليهم الماسونية العالمية وتوجههم لصالحها كما كان يعرف نقاط الضعف في الدول الغربية وأوجه الخلاف بين بعضها البعض فيستغلها ويستفيد منها. ولست أستطيع أن أصور هذا المعنى بأعظم مما صور به جمال الدين الأفغاني: الذي التقى بالسلطان ساعات ومرات وتدارس معه شئون العالم الإسلامي ومخاطر السياسة الأوروبية ومخططاتها. وذلك بعد أن قدم إلى الآستانة قال: رأيته يعلم دقائق الأمور السياسية ومرامي الدول الغربية وهو معد لكل هوة تطرأ على الملك مخرجًا وسلمًا وأعظم ما أدهشني ما أعده من خفى الواسائل وأمضى العوامل كي لا تنفق أوروبا على عمل خطير في الممالك العثمانية ويريها عيانًا محسوسًا، إن تجزئة السلطنة العثمانية لا يمكن إلا بخراب يعم الأمم الأوروبية بأسرها. وقال: إن ما رأيته من يقظة السلطان وشدة حذره وإعداده العدة اللازمة لإبطال مكايد أوروبا وحسن نواياه واستعداده للنهوض بالدولة قد دفعني إلى مد يدي له فبايعته بالخلافة والملك. أ. هـ.

ولقد أكد كثيرون من المؤرخين والباحثين في إنصاف أن السلطان عبد الحميد كان آخر الحصون التي دافع بها الإسلام عن وجوده العالمي وبعد انهياره تمت مؤامرات الغرب وربيبته الصهيونية. ومن الحق أن يقال أن الحركة التي حمل لواءها السلطان عبد الحميد في تجميع المسلمين تحت لواء الخلافة كانت اتجاهًا طبيعيًا وأملًا يملأ كل النفوس، ولذلك فقد حققت نجاحًا كبيرًا، أزعج الاستعمار والصهيونية إزعاجًا شديدًا مما استدعى العمل من جانبهم لإجهاضه والقضاء على حامل لواء الدعوة أصلًا كوسيلة للقضاء عليها وتدميرها.

في هذا الضوء يتمثل العمل الذي قامت به الصهيونية من جانبين:

أولًا: من جانب الدونمة داخل الدولة العثمانية وخاصة في محاصرة السلطان والتآمر عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت