فهرس الكتاب

الصفحة 1432 من 3028

كان المخطط معدًا لأن تعطي فلسطين في هذا المسرح الذي مثلت عليه هذه الرواية كلها للصهيونية العالمية. وأن استيلاء بريطانيا على فلسطين عام 1948 م كان تمهيدًا لأن تقع بما فيها المقدس في أيدي اليهود.

ومراجعة الأحداث تنبئ بهذا التخطيط الواسع البعيد المدى الذي بدأ منذ وقت باكر يسبق لقاء هرتزل للسلطان عبد الحميد. وهو في حقيقته صراع بين إرادتين. الإرادة الأولى: هي إرادة السلطان عبد الحميد الذي تولى الملك في سبيل الوحدة في مواجهة الاستعمار تحت اسم الجامعة الإسلامية لتعمل مع جميع مسلمي العالم خارج نطاق الدولة العثمانية ولتوحيد كل القوى والمذاهب والأقطار.

ولا ريب كانت هذه الحركة مضادة لإرادة أخرى كانت تستهدف تمزيق الدولة العثمانية نفسها وليس لتمكينها من أن تجمع إليها أقطار المسلمين الأخرى التي في خارجها ولذلك كان لابد من إزاحته، كذلك فإن اليهودية العالمية القوى كلها في سبيل السيطرة على البلاد الإسلامية وتقسيم الإمبراطورية العثمانية بعد أن عمدت إلى إنهاكها سنوات عدة بالحروب والمؤامرات وحين باتت لقمة سائغة جاء السلطان عبد الحميد ليعقد الخناجر على مقاومة الاستعمار وذللك كان لابد من إزاحته، كذلك فإن اليهودية العالمية كانت ترى أن الدولة العثمانية هي مدخلها إلى فلسطين وكانت تعد العدة منذ وقت بعيد في بؤرة خطيرة داخل تركيا هي سالونيك التي كانت تتجمع فيها (الدونمة) أولئك الذين دخلوا الإسلام تقية، من يهود إسبانيا الذين هاجروا بعد خروج الحكم الإسلامي منها، والذين كانوا قد أنشأوا المحافل الماسونية لإعداد خطة الانقضاض على الدولة العثمانية. والذين استطاعوا احتواء جماعة الاتحاد والترقي والتغلغل فيها والسطرة عليها ومن ثم استطاعوا بها إقصاء السلطان عبد الحميد وإسقاط مشروعه والقيام على الدولة لتمزيقها والقضاء عليها، ولا عجب ففي ظل حكم الاتحاديين بعد إسقاط عبد الحميد منذ عام 1909 م إلى 1918 م هزمت الدولة في الحرب العالمية وسلمت طرابلس الغرب إلى بريطانيا وفتحت الطريق أمام اليهود إلى فلسطين.

هذه المرحلة الدقيقة الخطيرة من تاريخ الإسلام في العصر الحديث ما زالت تشوبها الشوائب وتحول قوى كثيرة دون الكشف عن حقيقتها، وما زالت الصورة التي رسمتها الصهيونية والاستعمار لها هي الصورة الرسمية القائمة في كتب المدارس والجامعات بالرغم من الحقائق الكثيرة التي تكشفت والتي أزاحت الظلم عن وجه الرجل الكريم السلطان عبد الحميد وعن موقفه.

والحق أنه ليست هناك شخصية في تاريخ الإسلام الحديث هوجمت بمثل ذلك العنف والتعسف الذي هوجم به السلطان عبد الحميد حتى كشفت الوثائق في السنوات الأخيرة ليس عن براءته بل عن بطولته ومن عجب أن أبرز النصوص التي أحقت الحق، جاءت في مذكرات هرتزل التي نشرها باللغة العربية.

ولنعد إلى حقيقة الصراع بين القوى الإسلامية بقيادة عبد الحميد وبين القوى الاستعمارية واليهودية لنعرف مدى ما حققته إسقاط عبد الحميد لإلغاء الخلافة الإسيلامية.

لكي نعرف حقيقة حركة الوحدة الإسلامية الجامعة التي قام بها عبد الحميد يجب أن نتصور بوضوح واقع الدولة العثمانية والعالم كله خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر وقد بلغت الدولة العثمانية أشد مراحل الضعف وقد تجمعت الدول الغربية على وضع الخطط للقضاء عليها وتمزيقها وإذلالها. وقد كانت روسيا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا جميعًا بالإضافة إلى البابوية تشترك في رسم هذه الخطط وفي انتزاع الأجزاء الأوروبية من الدولة واسترجاعها والاستعداد لتقسيم أجزاء العربية في الدولة وهي الشام والعراق والجزيرة العربية.

وكانت مخططات الصهيونية العالمية تركز تركيزًا شديدًا على الدولة العثمانية من أجل الوصول إلى فلسطين وتحقيق حلمها في إقامة هيكل سليمان. فلما ولي السلطان عبد الحميد الحكم خليفة للمسلمين وسلطانها للدولةى العثمانية واجه الموقف على نحو يختلف عما واجهه به سلاطين آل عثمان الذين سبقوه وكانت مواجهته جادة حاسمة. كان إحساسه بالتبعية كبيرًا وكان ذكاؤه وسعة فكره وإلمامه بالتيارات المختلفة بالغًا، ومن هنا فقد جرى من الأحداث في طريقها المرسوم شوطًا ثم لم يلبث أن وضع خطته المحكمة التي رأى أنها الطريق الوحيد لمواجهة الغزو الاستعماري الزاحف والذي كان قد تشكل داخل الدولة العثمانية في مؤسستين خطيرتين. إحداهما: المحافل الماسونية في سالونيك وتركيا الفتاة التي سميت بعد (الاتحاد والترقي) والتي ضمت مجموعة من المثقفين ثقافة غربية ومن أصحاب الولاء الفكري الغربي وخاصة الفرنسي ومن الذين أغروا عن طريق المستشرقين وكتاب الغرب بأنه لا سبيل أمام الدولة العثمانية لكي تصل إلى التحرر والقوة إلا بالتماس مناهج الغرب التماسًا كاملًا وطرح فكرها وأسلوبها ومنهجها الإسلامي القديم والتخلص منه إلى غير رجعة، غير أن هذه الجماعة لم تستطع أن تقف وحدها فالتمست العون من المحافل الماسونية ومن ثم احتوتها الحركة الصهيونية وسيطرت عليها ووجهتها الوجهة التي ارتضتها في القضاء على الدولة العثمانية وكان السلطان عبد الحميد قد حدد هدفه في مواجهة النفوذ الغربي على هذا النحو: أن الوسيلة الأساسية لمواجهة النفوذ الاستعماري هي تجمع المسلمين في كل مكان تحت جناح الخلافة الإسلامية الذي تحمل لواءه الدولة العثمانية الجامعة في كيانها بين العرب والترك، ومن هنا كان على السلطان العثماني الذي هو خليفة المسلمين أن ينادي المسلمين في جميع أنحاء الأرض أن يقفوا معه في صف واحد في مواجهة النفوذ الغربي ومن هنا كانت صيحته المعروفة المشهورة التي هزت الغرب كله:"يا مسلمي العالم اتحدوا".

ومن هنا بدأ الخطر الذي واجهته الدول الأوروبية والاستعمار والبابوية والصهيونية العالمية في عنف وأخذت في التماس كل وسائل التآمر والغدر في سبيل تحطيم الخطة والقضاء على القائم بها. ولكن السلطان عبد الحميد استطاع أن يصمد لذلك وقتًا طويلًا وأنه كان قد بدأ في هذه الحرةك عام 1879 م على وجه التقريب فقد ظل يحمل هذا اللواء في قوة في مواجهة عواصف السياسة الأوروبية ثلاثين عامًا كاملة دون أن يتزلزل أو يضعف.

لم يكن السلطان عبد الحميد يملك من القووة العسكرية ما يستطيع أن يواجه به أوروبا والغرب المتجمع باسم كلمة (لا إله إلا الله) وتحت لواء قوة عارمة خشيت بأسها أوروبا وحسبت لها ألف حساب، فقد كان المسلمون الموالون للسلطان تحت النفوذ الغربي في عديد من الأقطار التي احتلتها بريطانيا وفرنسا وخاصة قارة الهند يمثلون قوة روحية ذات أهمية خطيرة. ولقد مضى السلطان في تنفيذ مخططه في قوة وسرعة، بحيث شملت الدعوة كل الآفاق الإسلامية وذاعت في كل مكان وحملت معها عملًا إيجابيًا نافعًا قوامه المدارس والمنشآت في كل صقع من البلاد الإسلامية وكان قد أنشأ مدرسة للدعاة الذين سرعان ما انبثوا في كل أطراف العالم الإسلامي إلى الهند والصين وجزائر المحيط ومصر وأفريقيا وتركستان وأفغانستان وبلاد العرب وأطراف المملكة العثمانية، كما عقد مع الأمراء في شتى هذه البقاع مراسلات وعقود وعمق روابط الود والإخاء الإسلامي فيما بينهم وبين دولة الخلافة حتى قيل أنه لم يبق مسلم واحد لم يعرف طرفًا عن هذه الدعوة. وقد جعل السلطان عبد الحميد أمامه أمرين هامين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت