فهرس الكتاب

الصفحة 143 من 3028

وللشيطان أرب في هذا الجانب لدى الدعاة فهو في معركة المراغمة يبدأ بالكفر فإن عجز فإلى البدعة ، فإن لم يفلح فإلى كبائر الذنوب ، فإن فشل فإلى صغائرها ، فإن لم يتمكن فإلى الاستكثار من المباح فإن (( تملص الداعية وسلَّ نفسه لم يكن استعلاؤه على الراحة والرغد كافيًا لحصار الشيطان في زاوية اليأس ، بل للشيطان محاولة سادسة فيكون له التفاف واقتحام من ثغرة أخرى ، فينثر ترتيب قائمة الأولويات النسبية ، بعكس القواعد الشريعة في تفاضل الأعمال الإيمانية ويلهي المؤمن بالمفضول المرجوح ، فيقضي من له علم نافع عن جمهور المنتفعين منه ، يشغله بزيادة ركوع أو سجود ، هما جليلان ، لكن التعليم أوجب عليه بعد الفرض منهما ، وينقل آخر له وفرة قوة وبسطة في الجسم والذكاء وخبرة في السياسة والإدارة ، من تفاعله المنتج مع يوميات الخطة الجماعية ،ومن صولاته في ساحة الفكر إلى إشراف على بناء مدرسة أو إغاثة منكوب ) )المسار (ص:19) .

من المعلوم أن هناك مقاصد ضرورية مقدمة ، ومقاصد حاجية تأتي بعدها ، وهناك أيضًا مقاصد تحسينية تأتي في المرتبة الأخيرة ، ولا بد من مراعاة ذلك ومعرفة أن (( المقاصد الضرورية أصل للحاجية والتحسينية ) )الموفقات (2/17) ، (( وأن الضروري هو الأصل وأن ما سواه مبنى عليه كوصف من أوصافه أو كفرع من فروعه ، ويلزم باختلاله اختلال الباقين لأن الأصل إذا اختل اختل الفرع من باب أولى فلو فرضنا ارتفاع أصل البيع من الشريعة لم يكن اعتبار الجهالة والغرر ، وكذلك لو ارتفع أصل القصاص لم يمكن اعتبار المماثلة فيه فإن ذلك من أوصاف القصاص ومحال أن يثبت الوصف مع انتفاء الموصف ) )الموفقات (2/18) .

والعقيدة هي أساس والشريعة هي البناء ، ولا بناء من غير أساس ولا عمل من غير توحيد وإخلاص ]وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعناه هباء منثورًا [ الفرقان [23] ]ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك [ الزمر [65] ، وسائر الرسل والأنبياء كانت الدعوة إلى التوحيد عندهم هي أولى الأولويات وأهم المهمات وكلهم كان نداؤهم ]اعبدوا الله مالكم من إله غيره [ هود [50] ، ومن منطلق العقيدة الإيمان سعوا إلى علاج الانحرافات الواقعة في مجتمعاتهم كلٌ بحسبه ، فموسى عليه السلام عالج الطغيان السياسي الفرعوني وما ترتب عليه من إذلال الناس واستعبادهم على أساس الإيمان ، ولوط عليه السلام عالج الانحراف الخلقي والشذوذ الجنسي في قومه ، وهكذا سائر الرسل والأنبياء .

والمصطفى صلى الله عليه وسلم بدأ بالإيمان والتوحيد ثم شرعت الشرائع وفرضت الفرائض (( والدعاة عليهم أن يسلكوا سبيله وأن يقتفوا أثره بادئين بالأهم فالمهم ولكن إذا كان المجتمع مسلمًا ساغ للداعي أن يدعو إلى الأهم وغيره ) )بل يجب ذلك عليه (( لأن المطلوب إصلاح المجتمع المسلم وبذل الوسع في تطهير عقيدته من شوائب الشرك ووسائله ، وتطهير أخلاقه مما يضر بالمجتمع ويضعف إيمانه ولا مانع من البدء بعض الأوقات بغير الأهم إذ لم يتيسر الكلام في الأهم ولا مانع أيضًا من اشتغاله بالأهم وإعراضه عن غير الأهم إن رأى المصلحة في ذلك أو خاف إن هو اشتغل بهما جميعًا أن يخفق فيهما جميعًا ) )مجموع فتاوى ابن باز (1/325) .

وهذا الأمر ينبغي أن يفهم فهمًا صحيحًا ، وأن يطبق تطبيقًا سليمًا من غير إفراط ولا تفريط ، فالمراد بالبدء بالعقيدة التركيز على أصولها وأركانها وهو ما يجب على المكلف اعتقاده ، إذ يجب عليه (( أن يؤمن بالله ورسوله ويقر بجميع ما جاء به الرسول من أمر الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ، وما أمر به الرسول ونهى ، بحيث يقر بجميع ما أخبر به وما أمر به فلا بد من تصديقه والانقياد له فيما أمر ، وأما التفصيل فعلى كل مكلف أن يقر بما ثبت عنده من أن الرسول أخبر به وأمر به ، وأما ما أخبر به الرسول ولم يبلغه أنه أخبر به ولم يمكنه العلم بذلك فهو لا يعاقب على ترك الإقرار به مفصلًا وهو داخل في إقراره بالمجمل العام ، ثم إن قال بخلاف ذلك متأولًا كان مخطئًا يغفر له خطؤه ، إذا لم يحصل منه تفريط ولا عدوان ، ولهذا يجب على العلماء من الاعتقاد ما لا يجب على آحاد العامة ، ويجب على من نشأ بدار علم وإيمان من ذلك ما لا يجب على من نشأ بدار جهل ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (3/327-328) ، بالتالي فإن الداعية إذا علَّم الناس أصول الإيمان على الإجمال أو وجدهم بها عالمين كان الأولى به أن يركز لهم على مقتضيات الإيمان وآثاره وربط ذلك بواقع حياتهم ، وهذا أجدى وأنفع من المضي بهم إلى مزيد من المسائل والفروع التي لا يحتاجها إلا طلبة العلم بل ربما المتخصصين منهم.

سابعًا: مراعاة المصالح والمفاسد

وهذا الأمر في غاية الأهمية وذلك لأن (( الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد ،وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور ، وعن الرحمة إلى ضدها ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن دخلت فيها بالتأويل ) )إعلام الموقعين (3/3) ، وهذا مبحث دقيق ينبغي في البداية التنبه إلى أن المراد بالمصالح والمفاسد ما كانت كذلك في حكم الشرع لا ما كان ملائمًا أو منافرًا للطبع ولا يكون تقريرها وفق أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية ودرء مفاسدها العادية (الموفقات(2/37-40) ثم النظر في تقرير المصالح والمفاسد وتقريرها والترجيح بينها يحتاج إلى تقوى لله صادقة ، بصيرة علمية نافذة ، ومعرفة بالواقع واسعة ، ليتمكن الداعية من تحقيق مقصود الشريعة التي (( جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها وأنها ترجح خير الخيرين وشر الشرين وتحصل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (20/48) ، والدقة في هذا المبحث تكمن في أن المعروف قد يترك فعله والحض عليه ، والمنكر قد يترك النهي عنه والإنكار عليه ، بل قد يُدعى إلى ترك بعض أفعال الخير ، ويقصد إلى فعل بعض المنكر وكل ذلك باعتبار تحقيق المصلحة ودفع المفسدة ، فعند تحقيق أعظم المصلحتين تفوت أدناهما وهي من المعروف المطلوب فعله ، وعند درء أكبر المفسدتين يُرتكب أخفهما وهي المنكر المطلوب تركه ، والخلاصة أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها ، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصَّل إلا بها ، والحسنة تترك في موضعين ، إذا كانت مفوَّتة لما هو أحسن منها ، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها عن منفعة الحسنة )) مجموع فتاوى ابن تيمية (20/53) .

وفقه المسألة يزيل ما قد يعلق في العقول من عجب أوشك وبيانه أنه (( إذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقُدِّم أو كدهما ، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبًا ، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة ، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرمًا في الحقيقة ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (20/57) .

وهذه أمثلة عملية في هذا الباب أسوقها من كلام العلماء:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت