فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 3028

المثال الأول: يقول ابن تيمية: (( فمن كانت العبادة توجب له ضررًا يمنعه عن فعل واجب أنفع له منها كانت محرمة ، مثل أن يصوم صومًا يضعفه عن الكسب الواجب أو تمنعه عن العقل أو الفهم الواجب أو يمنعه عن الجهاد الواجب ... وأما إن أضعفته عما هو أصلح منها وأوقعته في مكروهات فإنها مكروهة وقد أنزل الله في ذلك قوله تعالى ]يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين[ فإنها نزلت في أقوام من الصحابة كانوا قد اجتمعوا وعزموا على التبتل للعبادة ، وهذا يسرد الصوم وهذا يجتنب النساء فنهاهم الله عن تحريم الطيبات من أكل اللحم والنساء ) )مجموع فتاوى ابن تيمية (25/272-273) .

المثال الثاني: يقول ابن باز: (( أما إذا كان هجر الشخص قد يترتب عليه ما هو من فعله لأنه ذو شأن في الدولة أو ذو شأن في قبيلته ، فيترك هجره ويعامل بالتي هي أحسن ويرفق حتى لا يترتب على هجره ما هو شر من منكره وما هو أقبح من عمله والدليل على ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم لم يعامل رأس المنافقين عبد الله بن أبي سلول بمثل ما عامل به الثلاثة وهم: كعب وصاحباه ، بل تلطف به ولم يهجره لأنه رئيس قومه ويخشى من سجنه وهجره فتنة للجماعة في المدينة ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يرفق به حتى مات على نفاقه نسأل الله العافية ) )مجموع فتاوى ابن باز (4/235) .

المثال الثالث: قال العز بن عبد السلام: (( الكذب سيئة محرمة إلا أن يكون لجلب مصلحة أو دفع مفسدة كالكذب في حالة الإصلاح بين المتخاصمين لأن مصلحة تأليف القلوب أحسن من مفسدة الكذب، وككذب الرجل على زوجته لإصلاحها وحسن عشرتها ، وكالكذب على الأعداء كأن يختبئ عندك رجل مظلوم والظالم يسألك عنه ، حفظ العضو أعظم من مصلحة الصدق الذي لا يضر ولا ينفع فما الظن بالصدق الضار ) )قواعد الأحكام في مصلحة الأنام للعز بن عبد السلام (ص:84) .

ثامنًا مراعاة الأوقات:

والمقصود بمراعاة الوقت تخير الوقت الملائم للدعوة من حيث فراغ المدعوين واستعدادهم للتلقي ، وكذا المراعاة لأوقات المواعظ والدروس ، ومناسبة طول وقتها لأحول الناس ، ويندرج تحت ذلك مراعاة استعداد المدعو وبلوغه المرحلة التي يكون فيها الوقت مناسبًا لتفاعله واستجابته .

وشاهد الضرب الأول ما روي عن ابن مسعود: (( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا ) )أخرجه البخاري ، في كتاب العلم ، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا (الفتح) (1/161) قال ابن حجر معلقًا:ويستفاد من الحديث استحباب ترك المداومة في الجد والعمل الصالح خشية الإملال ، وإن كانت المواظبة مطلوبة ولكنها على قسمين إما كل يوم مع عدم التكلف ، وإما يومًا بعد يوم ، فيكون يوم الترك لأجل الراحة ليقبل على الثاني بنشاط ، وإما يومًا في الجمعة ، ويتخلف باختلاف الأحوال والأشخاص والضابط الحاجة مع مراعاة وجود النشاط (فتح الباري(1/163) ، وعن ابن عباس مثال آخر أشمل وأظهر إذ روي عنه أنه قال: حدث الناس كل جمعة مرة ، فإن أبيت فمرتين ، فإن أكثرت فثلاث مرات ولا تملَّ الناس هذا القرآن ، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقطع عليهم حديثهم فتملهم ، ولكن أنصت فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه (شرح السنة(1/314) .

وأما الضرب الثاني فيشهد له قول ابن مسعود: (( حدث القوم ما حدجوك بأبصارهم وأقبلت عليك قلوبهم فإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم ) )، فسئل عن علامة انصراف القلوب فقال: (( إذا التفت بعضهم إلى بعض ، ورأيتهم يتثاءبون فلا تحدثهم ) )شرح السنة (1/313) ، ويضاف إليه ما روي عن عائشة أنها قالت لقاص أهل مكة عبيد بن عمير: ألم أحدَّث أنك تجلس ويُجلس إليك ؟ قال: بلى يا أم المؤمنين ، قالت: فإياك وإملال الناس وتقنيطهم (شرح السنة(1/314) وإملال الناس يكون بإطالة الحديث في كثير من الأحوال .

وأما الضرب الثالث فمثاله ما رواه البخاري (( عن حكم بن حزام رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ثم قال: يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه كالذي يأكل ولا يشبع ، اليد العليا

خير من اليد السفلى )) أخرجه البخاري ، في كتاب الزكاة ،باب الاستعفاف عن المسألة (الفتح) (3/393) ، قال ابن حجر (( وفيه أنه ينبغي للإمام أن لا يبين للطالب ما في مسألته من المفسدة إلا بعد قضاء في حاجته لتقع موعظته له الموقع ) )فتح الباري (3/ 395) .

وهكذا نرى أمر المراعاة متشعبًا ومهمًا ، والحقيقة أن المراعاة ضرب من التدرج لأن المراعاة كثيرًا ما تقتضي ترك أمر لعدم ملائمته إما للطبع أو الفهم أو الحال أو غير ذلك والاستعاضة عنه بغيره حتى يكون ممهدًا لعرض الأمر المتروك فيأتي في وقته المناسب فمثلًا (( إذا كان الحكم مستغربًا جدًا مما لم تألفه النفوس وإنما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطئ قلبه ما يكون مؤذنًا به كالدليل عليه ، والمقدمة بين يديه ، فتأمل ذكره سبحانه قصة زكريا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشبيبة وبلوغه السن الذي لا يولد فيه لمثله في العادة فذكر قصته مقدمة بين يدي قصة عيسى عليه السلام وولادته من غير أب ، فإن النفوس لما أنست لولد من بين شخصين كبيرين لا يولد لهما عادة ، سهل عليها التصديق بولادة ولد من غير أب ) )إعلام الموقعين (4/163) .

وهذه أمثلة رويت عن عمر بن عبد العزيز في مراعاته لأحوال الأمة فيما سبقه من الزمن وحرصه على التدرج في الإصلاح .

1.حكي (( أن عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - قال يومًا لأبيه عمر: مالك لا تُنفذ الأمور ؟! فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق !! قال عمر: لا تَعجَل يا بني ، فإن الله ذمَّ الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة ، وإني أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة فيدفعوه جملة ، ويكون من ذا فتنة ) )الموفقات (2/93-94) .

2.قال له ابنه ذات يوم (( يا أبت: ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل ؟ فو الله ما كنت أبالي لو غَلت بي وبك القدور في ذلك .

قال: يا بني ، إنِّي إنما أروِّض الناس رياضة الصعب ، إني أريد أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا فينفروا من هذا ، ويسكنوا لهذا ))

3.روي أن ابنه دخل عليه فقال يا أمي المؤمنين: ما أنت قائل لربك غدًا ، إذا سألك فقال: رأيت بدعة فلم تمتها ، أو سنة فلم تُحيها ؟ فقال أبوه: رحمك الله وجزاك من ولد خيرًا يا بني ، إن قومك قد شدوا هذا الأمر عُقدة عقدة ، وعروة وعروة ، ومتى أردت مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا علي فتقًا يكثر فيه الدماء ، والله لزوال الدنيا أهون علي من أن يراق في سببي محجمة من دم ، أو ما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا هو يميت فيه بدعة ويحي فيه سنة ؟ تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص:240) وغني عن التنبيه أن التدرج يمكن أن يكون تهاونًا وتفريطًا وأن المراعاة لا يصح أن تكون مداهنة ونفاقًا .

المبحث الثاني: الجرأة والحكمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت