قد يتفق اثنان في عمل ما ومع ذلك يختلف الحكم عليهما باختلاف النوايا ، فهناك من يفعل الفعل ناسيًا ، أو جاهلًا بحرمته ، أو متأولًا فيه ، أو مكرها عليه ولكلٍ حكمه ومنهم من يفعل الإثم قاصدًا عالمًا بالحرمة لكنه مغلوب بضعف عزمه ، ووسوسة شيطانه فلا يلبث أن يندم ويتوب ويستغفر ، ومنهم قاصد مصرّ ، وآخر محادٌّ الله ورسوله وهكذا ، ونحن نعلم أن النوايا مخفية في طوايا القلوب ، ولكن بعض القرائن والأحوال تدل عليها ، وقد تصرح بها الألسنه فتعرف بوضوح .
وفي المسائل الفقهية ما يوضح هذا المعنى سيما في أحكام الطلاق والأيمان والنذور إذ يسأل أصحابها عن مقاصدهم وما نووا بكلامهم ، ويعول في الحكم على نواياهم ويوكل أصحابها في صدقهم إلى تدينهم لله ، وما يعرف عنهم من قرآئن وأحوال ولنا الظواهر . ومراعاة مثل هذا من الأمور التي لا ينبغي إهمالها كما قال ابن القيم: (( إياك أن تهمل قصد المتكلم ونيته وعرفه فتجني عليه وعلى الشريعة ، وتنسب إليها ما هي بريئة منه ) ). ومن أبز الأمثلة على اعتبار النيات حديث التائب الذي قال (( اللهم أنت عبدي وأنا ربك ) )أخطأ من شدة الفرح (أخرجه مسلم ، في كتاب التوبة ، باب في الحض على التوبة والفرح بها(عبد الباقي) (4/2103) فلم يؤاخذ بذلك ، ومثله حديث مسلم في قصة الرجل الذي أوصى أن يحرق ويذرّ رماده في البر والبحر خشية من عذاب الله ، فغفر الله له لهذا المقصد الذي استولى على قلبه (أخرجه مسلم ، في كتاب التوبة ، باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه(عبد الباقي) (4/2109) .
رابعًا: مراعاة الأحوال الخاصة:
سئل النبي صلى الله عليه وسلم الوصية والنصيحة من بعض أصحابه فقال لأحدهم: (( لا تغضب ) )أخرجه البخاري ، في كتاب الأدب ، باب الحذر من الغضب (الفتح) (10/535) ، وقال لآخر: (( قل آمنت بالله ثم استقم ) )أخرجه مسلم في كتاب الإيمان ، باب جامع أوصاف الإسلام (عبد الباقي) (1/65) ،وقال للثالث: (( لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله ) )أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات ، باب ما جاء في فضل الذكر (شاكر) (5/427) وما ذلك الاختلاف في الجواب إلا مراعاة منه صلى الله عليه وسلم للأحوال الخاصة بالسائلين إذ كان يعلم حاجة كل واحد منهم والجانب القاصر عنده ، والأمر اللائق به ، فأوصى كل واحد بما يناسبه .
وجاء شاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: يا رسول الله (( أقبل وأنا صائم ؟ قال: لا ، فجاء شيخ فقال: أقبّل وأنا صائم ؟ فقال: نعم ، فنظر الصحابة بعضهم إلى بعض(أي متعجبين من اختلاف الفتوى) فقال صلى الله عليه وسلم: قد علمت نظر بعضكم إلى بعض إن الشيخ يملك نفسه ))مسند الإمام أحمد (2/185) ، وهذا واضح الدلالة في التفريق بين حال الشيخ وحال الشاب ومراعاة ذلك في الفتوى والمعاملة والتوجيه .
خامسًا: مراعاة الأعراف والعوائد العامة:
إن كل بلد لها أعرافها وكل بيئة لها عوائدها ، ومراعاة ذلك بالضوابط الشرعية ، من ضروب الحكمة وموافقة جوهر الشريعة ، وقد امتن الله على البشر بإرسال الرسل وخص بالمنة كون الرسل من البشر وامتن على الأقوام بأن جعل الرسل منهم وينطقون بألسنتهم ، فقال تعالى:]وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم [إبراهيم [4] فهذا (( من لطفه تعالى بخلقه أن يرسل إليهم رسلًا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به ) )تفسير ابن كثير (2/522) ، ولذا ينبغي لداعية التنبه بذلك ، الحرص على معرفة الأعراف والعوائد في البيئة التي يدعو إليها لتكون دعوته مؤثرة في النفوس ، مقنعة للعقول ، محببة للقلوب ، مناسبة للظروف ، قابلة للتطبيق فإذا جاء في بيئة يغلب عليها الفقر ويشيع فيها الكسل فإن المطالبة بالزهد في الدنيا والترفع عن شهواتها غير مناسب للبيئة وأحوال الناس ، وإذا دعا قومًا فاضت الأموال في أيديهم وشغلت الدنيا أوقاتهم فالحديث عن ضرورة التمتع بالمباح من الدنيا والحث على ذلك غير ملائم كذلك ، كما لا ينبغي أن يطول الحديث في الإنكار على أمور لا وجود لها في بيئة الدعوة إذ لا نفع في ذلك ، بل ربما ترتب عليه ضرر من حصول تشويش واضطراب أو حصول تطلع وافتتان بتلك الأمور .
قال ابن القيم في إعلام الموقعين منبهًا على هذا الموضوع: (( ولا تَجمد على المنقول في الكتب طول عمرك ، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك فلا تجره على عرف بلدك ، وسله عن عرف بلده فأجره عليه وأفته به دون عرف بلدك والمذكور في كتبك ) )إعلام الموقعين (3/78) ، ثم بين أثر ذلك وضرره فقال ك (( ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل ، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبَّب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم بل هذا الطبيب وهذا المفتي الجاهل أضر ما على أديان الناس وأبدانهم ) )إعلام الموقعين (3/78) .
وضرب ابن تيمية لذلك مثالًا علميًا فقال: (( ولو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأمورًا بالمخالفة لهم(أي الكفار) في الهدي الظاهر لما عليه في ذلك من الضرر بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه أن يشاركهم أحيانًا في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلى الدين ، والاطلاع على باطن أمرهم أو دفع ضررهم عن المسلمين ونحو ذلك من المقاصد الصالحة ))اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية (ص: 173) .
سادسًا: مراعاة الأولويات:
المراد بمراعاة الأولويات معرفة مراتب الأعمال ووضعها في مواضعها ، فإن المنهج الإسلامي قد جعل لكل عمل قدرًا ، فإماطة الأذى وإن كانت من الإيمان فإنها في الرتبة الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم: (( الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله وأدناه إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان ) )"ولا إله إلا الله"يقاتل لأجلها كما أخبر الرسول الكريم (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ) )وإماطة الأذى لا يمكن أن تكون سببًا لقتال بل هي دون ذلك بكثير ويكفي فيها نصح ووعظ ، ولا يمكن المساواة بينهما ، في الدعوة إليهما والبذل في سبيل تحقيقهما .
وهذا ظاهر في بيان تفاوت عدد من الأعمال فيما تضمنه قوله تعالى ]أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين ، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون [ التوبة [19_20] .
ولا بد للداعي أن يعلم أن الأصول لا بد أن تقدم على الفروع ، والفروض تقدم على النوافل ، وفروض الأعيان مقدمة على فروض الكفايات ،وفروض الكفايات التي فيها عجز ظاهر أولى من التي انتدب لها غيره من المسلمين.