وهكذا فإن رحابة الصدر وسماحة النفس تنتظم الرحمة التي تدعو إلى الحلم الذي يقود إلى العفو فيكون من وراء ذلك التأثير التلقائي لأن الإنسان يتأثر بالإحسان:]ادفع بالتي هي احسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ فصلت [34] .
وهذا أمر مشاهد حيث نرى أن من كان سمح النفس يستطيع (( أن يظفر بأكبر قسط من محبة الناس له ، وثقة الناس به ، لأنه يعاملهم بالسماحة والبشر ولين الجانب ، والتغاضي عن السيئات والنقائص ، فإذا دعاه الواجب إلى تقديم النصح كان في نصحه رقيقًا لينًا ، سمحًا هينًا ، يسر بالنصحية ، ولا يريد الفضيحة ، يسد الثغرات ولا ينشر الزلات والعثرات ) )الأخلاق الإسلامية (2/443) .
وبعض الدعاة ممن لا يتحلون في أنفسهم بهذه السمة تجدهم يندفعون مع أدنى خطأ أو أقل عثرة ، وإذا بهم يدعون بالويل والثبور وعظائم الأمور ، وكثيرًا ما يواجهون الناس بالأحكام الدامغة الخطيرة من الفسق أو الابتداع أو التساهل ونحو ذلك ، وهؤلاء كثيرًا ما يستزلهم الشيطان بهذه الحمية الزائفة التي لا تأتي في موضعها الصحيح ، والشيطان ينفخ في حميتهم بأن الحق أحق أن يتبع ، ويثير التساؤل أين الغيرة الإيمانية والحمية الإسلامية ؟ ليغطي على الأناة التي تنظر في عواقب الأمور والحلم الذي يضبط النفوس والرحمة التي تستميل القلوب ، بعض هؤلاء - وللأسف - يندفعون أحيانًا خوفًا من أن يُتهموا بعدم الغيرة أو التميع والتساهل ، ولا يفهم من قولي أن كل فاعل لذلك مذموم ، ولا أن كل موقف يقتضي الحلم واللين فقد أشرت فيما سبق إلى ما ينقص هذا الفهم ولكني أنوه إلى صور في الواقع ناشئة من أفهام قاصرة وممارسات خاطئة .
الفصل الرابع: مقومات النجاح في ممارسة الدعوة:
في الفصل الماضي كان الحديث عن المقومات اللازم توفرها في شخصية الداعية وتكوينه الذاتي ، وهذا الفصل يركز على المقومات التي يحتاجها الداعية - وقد استكمل المقومات السابقة - أثناء ممارسته للدعوة وفي المواقف التي يمر بها .
المبحث الأول: المراعاة والتدرج:
إن تغيير النفوس ونقلها من ميولها ومألوفاتها أمر ليس سهلًا ، وإن الأعراف التي استقرت في العقول وتواطأ الناس عليها لا تتغير بأمر يصدر أو دعوة توجَّه ، والعادات في السلوكيات التي تجذرت وترسخت لا يتصور اقتلاعها في يوم وليلة ولذا فلا بد من إدراك حقيقة مهمة للدعاة وهي أن المراعاة والتدرج لازمان للتغيير وحصول الاستجابة ، وكما قيل: (( إذا أردت أن تطالع فأمر بما يستطاع ) )، وهناك أمور كثيرة يلزم مراعاتها والأخذ بالتدرج فيها وهذه خلاصة نافعة في هذا الباب:-
أولًا: مراعاة الطبائع
إن الناس يختلف بعضهم عن بعض ، في علمهم وفهمهم وطبائعهم الشخصية وعوائدهم الاجتماعية ، وكل ذلك يحتاج الداعية إلى مراعاته ، وبالنسبة لطبائع الأشخاص فإن المدعوين على ثلاثة أنواع:
1.فمنهم الراغب في الخير ولكنه غافل قليل البصيرة فيحتاج على دعوته بالحكمة .
2.ومنهم المعرض عن الحق المشتغل بغيره فمثل هذا يحتاج إلى الموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب التنبيه على ما في التمسك بالحق من المصالح العاجلة والآجلة ، وعلى ما في خلافه من الشقاء والفساد .
3.الطبقة الثالثة من الناس من له شبهة قد حالت بينه وبين فهم الحق والانقياد له فهذا يحتاج إلى مناقشة وجدال بالتي هي أحسن حتى يفهم الحق وتنزاح عنه الشبهة (مجموع فتاوى ابن باز(2/241-243)
ومن الناس من طبعه الحدة وسرعة الانفعال ، ومنهم من يميل إلى السكينة وطول البال وكل له مدخل وأسلوب يناسبه ومراعاة ذلك مهمة في نجاح الداعية .
ثانيًا: مراعاة الأفهام:
تفاوت الأفهام أمر معروف، وله أسبابه من قلة العلم أو اختلاف البيئة، أو استحكام العوائد ونحو ذلك .
قال ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى ]فذكر إن نفعت الذكرى[: أي (( ذكر حيث تنفع التذكرة ، ومن هنا الأدب في نشر العلم فلا يضعه عند غير أهله ) )تفسير ابن كثير (4/500) ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم (( يا عائشة لو لا أن قومك حديث عهدهم - قال ابن الزبير: بكفر- لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين ، باب يدخل الناس وباب يخرجون ) )أخرجه البخاري ، في كتاب العلم ، باب ترك بعض الأخبار مخافة أن يقصر فهم بعض الناس (الفتح) (1/223) ، قال ابن حجر في الفتح: (( ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة ، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه ، وأنّ الإمام يسوس رعيته بما فيه إصلاحهم ولو كان مفضولًا ما لم يكن محرّمًا ) )الفتح لابن حجر (1/225) .
وروى الإمام البخاري في صحيحه ، في كتاب العلم ، باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كراهية ألاَّ يفهموا ، عن علي بن أبي طالب قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون ، ودعوا ما ينكرون ، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله ؟ صحيح البخاري ، كتاب العلم . وروى مسلم ابن مسعود: (( ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ) )أخرجه مسلم في المقدمة ، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (1/11) .
قال ابن حجر: (( ممن كره التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي في ظاهرها الخروج على السُّلطان ، ومالك في أحاديث الصفات ، وأبو يوسف في الغرائب .
وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة ، وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره مطلوب والله أعلم )) فتح الباري (1/225) .
ولذا ينبغي للداعية مراعاة ذلك وعدم مخالفته سيما بالنسبة للعوام ، ومن تقصر بهم الأفهام ، وقد عدَّ الشاطبي في الاعتصام هذا التجاوز ضربًا من الابتداع فقال: (( ومن ذلك التحدث مع العوام بما لا تفهمه ولا تعقل معناه ، فإنه من باب وضع الحكمة في غير موضعها ، وسامعها إما أن يفهمها على غير وجهها- وهو الغالب- وهي فتنة تؤدي إلى التكذيب بالحق ، والعمل بالباطل ، وإما لا يفهم منها شيئًا وهو أسلم ) )الاعتصام (2/13) .
وأوضح ذلك أيضًا في موافقاته ومثل له بأمثلة من إنكار الصحابة لذلك فقال: (( ومن ذلك سؤال العوام عن علل مسائل الفقه وحكم التشريعات ، وإن كان لها علل صحيحة وحكم مستقيمة ، ولذلك أنكرت عائشة على من قالت: لم تقضي الحائض الصوم ، ولا تقضي الصلاة ؟ وقالت لها: أحرورية أنت ؟ ، وقد ضرب عمر بن الخطاب صبيغًا لما كان كثير السؤال عن أشياء من علوم القرآن لا يتعلق بها عمل وربما أوقع خيالًا وفتنة وإن كان صحيحًا ) )الموفقات (4/191) .
وهذه كلمات للشاطبي أضعها أمام عين كل داعية وأهتف بها في سمعه ليعلم أنه (( ليس كل ما يعلم مما هو حق يطلب نشره إن كان من علم الشريعة ومما يفيد علما بالأحكام ، بل ذلك ينقسم: فمنه ما هو مطلوب النشر ، وهو غالب علم الشريعة ، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق ، أولا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص ) )الموفقات (4/189) .
وأزيد الأمر وضوحًا بذكر القاعدة الضابطة الرائعة التي ذكرها الشاطبي وأرشد إليها مخاطبًا كل عالم وداعية حيث أوصاه أن يعرض مسألته على الشريعة فقال: (( فإن صحت في ميزانها فانظر في ماَلها بالنسبة إلى حال الزمن وأهله ، فإن لم يؤد ذكرها إلى مفسدة ، فاعرضها في ذهنك على العقول فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها إما على العموم إن كانت مما تتقبلها العقول على العموم ، وإما على الخصوص إن كانت غير لائقة بالعموم ، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ فالسكوت عنها هو الجاري على المصلحة الشرعية والعقلية ) )الموفقات (4/191) .
ثالثًا: مراعاة المقاصد والنيات: