فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 3028

وإن في سيرة المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم أعظم وأروع الأمثلة على الرحمة سيما في المواقف العصيبة التي بلغت فيها المعاناة أشد مراحلها التي تضغط بعنف على النفس لتشتد وتقسو ، وعلى الصدر ليضيق ويتبرم ، ومع ذلك تبقي نفسه الكبيرة ورحمته العظيمة هي الغالبة كما حصل يوم رجوعه عليه الصلاة والسلام من الطائف بعد أن ذهب إليها وفي قلبه أمل ، فلقي فيها أعظم مما كان يتصور من الإعراض فرجع كسير القلب ، فلما بلغ قرن المنازل بعث الله جبريل ومعه ملك الجبال ، يستأمره أن يطبق الأخشبين على أهل مكة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم (( بل أرجو أن يُخرج الله عز وجل من أصلابهم من يعبد الله عز وجل لا يشرك به شيئًا ) )أخرجه البخاري ، في كتاب بدء الخلق ، باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء (الفتح) (6/360) ، وفي صحيح مسلم كتاب الجهاد ، باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين (عبد الباقي) (3/1420) وانظر الرحيق المختوم (ص:150) .

وفي يوم أحد عندما شجّ وجهه الشريف ، وكُسرت رباعيته ، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه (انظر الرحيق المختوم(ص:314) ، وبينما الدم يسيل على وجهه يقول عليه الصلاة والسلام: (( اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )وفي صحيح مسلم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبيًا من الأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم ، ضربه قومه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: (( رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ) )أخرجه مسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة أحد (عبد الباقي) (3/1417) ، ومن هنا جاء الوصف الرباني العظيم في ثنايا الآيات التي نزلت في غزوة أحد:]فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظًا غليظ القلب لا نفضوا من حولك [ آل عمران [159] .

(( لقد أراد الله أن يمتنَّ على العالم برجل يمسح آلامه ، ويخفف أحزانه ، ويرثي لخطاياه ، ويستميت في هدايته ، ويأخذ يناصر الضعيف ، ويقاتل دونه قتال الأم عن صغارها ، ويخضد شوكة القوي حتى يرده إنسانًا سليم الفطرة لا يضري ولا يطغي فأرسل محمدًا صلى الله عليه وسلم وسكب في قلبه من العالم والحلم ، وفي خلقه من الإيناس والبر ، وفي طبعه من السهولة والرفق ، وفي يده من السخاوة والندى ، ما جعله أزكى عباد الله رحمة ، وأوسعهم عاطفة ، وأرحبهم صدرًا ) )خلق المسلم (ص:204) .

نعم (( إن الرحمه كمال في الطبيعة يجعل المرء يرق لآلام الخلق ويسعى لإزالتها ، ويأسى لأخطائهم فيتمنى لهم الهدى ، هي كمال في الطبيعة ، لأن تبلد الحس يهوي بالإنسان إلى منزلة الحيوان ويسلبه أفضل ما فيه ، وهو العاطفة الحية النابضة بالحب والرأفة ) )خلق المسلم (ص:203) .

ثانيًا: الحلم والأناة:

في مسيرة الدعوة تمر بالداعية أحداث مثيرة ، وأفعال مستفزة ، والناس - باختلاف طبائعهم - تختلف مواقفهم إزاء المثيرات التي تعمل على دفعهم نحو الرعونة والطيش ، فمنهم من (( تستخفه التوافه فيستحمق على عجل ، ومنهم من تستفزه الشدائد فيبقي على وقعها الأليم محتفظًا برجاحة فكره وسجاحة خلقه ) )خلق المسلم (ص: 106) .

والحلم (( فضيلة خلقية نافعة .. تقع في قمة عالية دونها منحدرات ، فهو أناة حكيمة بين التسرع والإهمال أو التواني ، وضبط للنفس بين الغضب وبلادة الطبع ، ورزانة بين الطيش وجمود الإحساس ) )الأخلاق الإسلامية (2/325) .

والأناة عند الداعية إلى الله تعالى (( تسمح له بأن يُحكم أموره ، ويضع الأشياء في مواضعها ، بخلاف العجلة فإنها تعرضه للكثير من الأخطاء والإخفاق ، وتعرضه للتعثر والارتباك ، ثم تعرضه للتخلف من حيث يريد السبق ، ومن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه ، وبخلاف التباطؤ والكسل فهو أيضًا يعرض لللتخلف والحرمان من تحقيق النتائج التي يرجوها ) )الأخلاق الإسلامية (2/353) ، وقد امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشج فقال: (( إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة ) )أخرجه مسلم ، في كتاب الإيمان ، باب: الأمر بالإيمان بالله ورسوله (عبد الباقي) (1/48) ، فرحابة الصدر وسعة النفس تقتضي عدم الانفعال المخرج عن حد الصواب والاعتدال ، وجمهور الدعوة قد يقع منهم ما يدفع إلى الغضب ، وكثيرًا ما يتصرفون بدافع من العجلة والرغبة في الحصول على النتائج السريعة ، ومجاراة الداعية لهم في الحالتين خلل في مسلك الدعوة ، لأن المسايرة قد تؤدي إلى عواقب وخيمة ، وقد يكون أولئك العامة مندفعين إلى تلك العواقب بحمية عصبية وحماسة استفزازية ، (( لكن المصلحين العظماء لا ينتهون بمصائر العامة إلى هذا الختام الأليم ، إنهم يفيضون من أناتهم على ذوي النزق حتى يلجئوهم إلى الخير إلجاءً ، ويطلقوا ألسنتهم تلهج بالثناء ) )خلق المسلم (ص:107) .

ومن أمثله من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه أنس بن مالك حيث قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس ، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما قضى بوله أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذنوب ماء أهريق عليه (أخرجه البخاري ، كتاب الطهارة ، باب صب الماء على البول في المسجد(الفتح) (1/324) .

ومواقف أخرى كثيرة تبين حمله الذي لا يندفع فيه مع مقتضى الطبع ، ولا يمضي معه وفق أعراف الجاهلية وانتصاراتها المبنية على الحمية لأن (( الجاهلية التي عالج رسول الله صلى الله عليه وسلم محوها كانت تقوم على ضربين من الجهالة ، جهالة ضد العلم وأخرى ضد الحلم ، فأما الأولى فتقطيع ظلامها يتم بأنواع المعرفة وفنون الإرشاد ، وأما الأخرى فكف ظلمها يعتمد على كبح الهوى ومنح الفساد ، وقد كان العرب الأولون يفخرون بأنهم يلقون الجهل بجهل أشد .

ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا (خلق المسلم(ص:109) .

ثالثًا: العفو والصفح:

ومن مستلزمات الحلم الذي فيه كظم للغيظ وضبط للغضب ، ثم الأناة التي فيها تبصر بالأمور وتأن في التصرف ، مع الاستناد للرحمة بالجاهلين كل ذلك يثمر العفو والصفح لأن (( القلوب الكبيرة قلما تستجيشها دوافع القسوة فهي أبدًا إلى الصفح والحنان أدنى منها إلى الحفيظة والاضطغان ) )خلق المسلم (ص:204) .

ومادام الداعي المسلم ينظر إلى من يدعوهم نظرة الرحمة والشفقة عليهم فإنه يعفو ويصفح عنهم في حق نفسه ، قال تعالى:]خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين [ الأعراف [199] .

وإذا كان هذا هو شأن الداعي المسلم بالنسبة لمن يدعوهم ويحتمل صدور الأذى منهم فإن عفو الداعي وصفحه عن أصحابه أوسع ، قال تعالى: ]فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر [ آل عمران [159] .

وعند ما وقعت حادثة الإفك ، كان وقعها على آل أبي بكر شديدًا ، فلما نزلت البراءة حلف أبو بكر رضي الله عنه ألا ينفق على مسطح بن أثاثة فأنزل الله في ذلك قوله تعالى: ]ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم [ النور [22] .

والداعية الذي يهدف إلى استمالة القلوب وهدايتها لا يقسو لأن (( القسوة التي استنكرها الإسلام جفاف في النفس لا يرتبط بمنطق ولا عدالة . إنها نزوة فاجرة تتشبع من الإساءة والإيذاء ، وتمتد مع الأثرة المجردة والهوى الأعمى ) )خلق المسلم (ص: 207) ، ومن أعظم مواقف العفو عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن المشركين يوم فتح مكة . الرحيق المختوم (ص:480، 481) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت