فهرس الكتاب

الصفحة 139 من 3028

سأل بعض النصارى القاضي أبا بكر الباقلاني بحضرة ملكهم فقال: ما فعلت زوجة نبيكم ؟ وما كان من أمرها بما رميت من الإفك ؟ فقال الباقلاني على البديهة: هما امرأتان ذكرتا بسوء ، مريم و عائشة فبرأهما الله عز وجل وكانت عائشة ذات زوج ولم تأت بولد ، وأتت مريم بولد ولم يكن لها زوج ‍‍‍‍‍! البداية والنهاية (9/135) .

فكان هذا الجواب في غاية الروعة والإفحام ، لأن ذلك الخبيث أراد التعريض والإحراج بقصة حادثة الإفك التي اتهمت فيها عائشة رضي الله عنها ، فأجاب الباقلاني بأن هذه فرية برأها الله منها ولكنه قرن ذلك بذكر مريم ، ليشير إلى أن براءة عائشة عقلًا أولى ، لأنه لو تطرق إلى العقل احتمال الريبة فهو في حق مريم أعظم ، فإن قبلتهم أيها النصارى براءتها فيلزمكم قبول براءة عائشة من باب الأولى .

المثال الرابع:

ما ذكره مفتي الديار السعودية سابقًا العلامة الشيخ محمد بن إبراهيم في مجموع فتاواه (مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم آل شيخ(1/75) عن الشيخ عبد الرحمن البكري حيث قال (( كنت بجوار مسجد في الهند ، وكان فيه مدرس إذا فرغ من تدريسه لعن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وإذا خرج من المسجد مرَّ بي ، وقال: أنا أجيد العربية ولكن أحب أن أسمعها من أهلها ، ويشرب عندي ماء باردًا ، فأهمني ما يفعل في درسه قال: فاحتلت بأن دعوته ، وأخذت (( كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ) )للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، ونزعت غلافه ووضعته على رف في منزلي قبل مجيئه ، فلما حضر قلت: أتأذن لي أن آتي ببطيخة . فذهبت فلما رجعت .. إذا هو يقرأ ويهز رأسه عجبًا فقال: لمن هذا الكتاب ؟ هذه التراجم شبه تراجم البخاري هذا والله نفس البخاري !! فقلت لا أدري ! ثم قلت: ألا نذهب لشيخ الغزوي لنسأله - وكان صاحب مكتبة - فدخلنا عليه فقلت للشيخ الغزوي كان عندي أوراق سألني الشيخ من هي له ؟ فلم أعرف ! ففهم الغزوي المراد ، فنادى من يأتي بكتاب (مجموعة التوحيد) فأتي بها فقابل بينهما فقال: هذا لمحمد بن عبد الوهاب ، فقال العالم الهندي مغضبًا وبصوت عال: الكافر ! فسكتنا وسكت قليلًا ، ثم هدأ غضبه فاسترجع ثم قال: إن كان هذا الكتاب له فقد ظلمناه ، ثم صار كل يوم يدعو له ويدعو معه تلاميذه )) . فهذه فطنة داعية وذكاء عالم .

المبحث الرابع: رجاحة الصدر وسماحة النفس:-

إن الداعية الحق شخصية متميزة فهو كالمنارة الهادية من بُعد لمن ضل أو حار ، وهو كالظل الوارف لمن لفحه حر الشمس والمسير في الهجير ، وبالتالي فهو نقطة تجمُّع بالنسبة للمدعوين ، ولذا فإنه يحتاج إلى أن يتحلى برحابة الصدر وسماحة النفس ليستوعب الناس ويستميلهم للخير والحق (( فالناس في حاجة إلى كنف رحيم ، وإلى رعاية فائقة ، وإلى بشاشة سمحة ، وإلى ود يسعهم ، وحلم لا يضيق بجهلهم وضعفهم ونقصهم ، في حاجة إلى قلب كبير يعطيهم ولا يحتاج منهم إلى عطاء ، ويحمل همومهم ولا يعنيهم بهمه ، ويجدون عنده دائمًا الاهتمام والرعاية والعطف والسماحة والود والرضاء ) )الظلال (1/500-501) .

وهكذا كان قلب الرسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا كانت حياته مع الناس ، (( ما غضب لنفسه قط ولا ضاق صدره بضعفهم البشري ، ولا احتجز لنفسه شيئًا من أعراض هذه الحياة ، بل أعطاهم كل ما ملكت يداه في سماحة ندية ، ووسعهم حمله وبره وعطفه ووده الكريم ، وما من واحد منهم عاشره أو رآه إلاّ امتلأ قلبه بحبه ، نتيجة لما أفاض عليه صلى الله عليه وسلم من نفسه الكبيرة والرحيبة ) )في ظلال القرآن (1/500- 501) ، والنفس السمحة ليس فيها ضيق أو السماحة السهولة واللين . انظر القاموس المحيط (1/229) .

والناس مشاربهم شتى ، وسلوكياتهم متباينة ، واحتياجاتهم كثيرة ، واستفزازاتهم مثيرة ، وهذا لا بد أن يقابله الداعية بالاحتمال ، لأن الاحتمال - كما قيل - قبر المعايب .

هذه الخصيصة مهمة في تكوين الداعية ، يحتاج أن يجتهد في اكتسابها لأنها وقود محرك له في دعوته كما أنها ترفع كفاءة القبول ، وتكبح جماح الانفعالات النفسية ذات الآثار السلبية ، وتتجلى هذه الخصيصة في عدد من الخلال توضحها وتبين أثرها ومن أهمها:

أولًا: الرحمة والشفقة:

(( إن الداعي لا بد أن يكون ذا قلب ينبض بالرحمة والشفقة على الناس ، وإرادة الخير لهم والنصح لهم ، ومن شفقته عليهم دعوتهم إلى الإسلام ، لأن في هذه الدعوة نجاتهم من النار وفوزهم برضوان الله تعالى ، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه وأعظم ما يحبه لنفسه الإيمان والهدى فهو ذلك إليهم أيضًا ) )أصول الدعوة (ص:344،343) .

وهذا الشعور الغامر بالشفقة على الناس يبعث في النفس الحزن والأسى على حال المعرضين والعاصين ، ويتولد إثر ذلك قوة نفسية دافعة لاستنقاذهم من الخطر المحدق بهم ، والهلاك القادمين إليه ، وما أبلغ وأدق النص القرآني في بيان هذه الصفه عند الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ]فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا [ الكهف[6] وقوله تعالى ]لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين [ الشعراء [3] . تأمل هذه الآيات فإنه (( من فرط شفقته صلى الله عليه وسلم داخله الحزن لامتناعهم عن الإيمان ، فهوّن الله سبحانه عليه الحال ، بما يشبه العتاب في الظاهر كأنه قال له: لم كل هذا ؟ ليس في امتناعهم- في عدِّنا- أثر، ولا في الدين من ذلك ضرر ) )لطائف الإشارات (1/377) .

وقال ابن القيم في تفسيره تفسير ابن كثير (3/72) : يقول تعالى:]فلعلك باخع ...[ مسليًاَ لرسول صلى الله عليه وسلم في حزنه على المشركين لتركهم الإيمان وبعدهم عنه )) .

فهذه نفس الرسول صلى الله عليه وسلم ملئت رحمة وشفقة على هؤلاء حتى كاد يُهلك نفسه وهو يدعوهم ويحرص على هدايتهم ، ثم يخالط مشاعره الحزن عليهم والأسى لهم .

إن الداعية ينظر إلى المدعوين نظرة الطبيب إلى مرضاه ، يرحمهم ويشفق عليهم لعلمه بدائهم وخطورته ، ويتلطف في علاجهم ، وإن رأى منهم عزوفًا عن الدواء لصعوبته أو مرارته هاله الأمر واحتال بكل الطرق لتوصيل الدواء ، وإقناعهم بضرورة تناوله ، ولا يمكن أن يتركهم وشأنهم بحجة أنهم المفرطون ، وهكذا فإن (( الداعي الرحيم لا يكفُّ عن دعوته ولا يسأم من الرد والإعراض لأنه يعلم خطورة عاقبة المعرضين العصاة ، وأن إعراضهم بسبب جهلهم ، فهو لا ينفك عن إقناعهم وإرشادهم ) )أصول الدعوة (ص:344) .

فالرحمة - كما ترى - باعث دافع ومحرك للدعوة استنقاذًا للناس من الهلاك ، وهي في الوقت نفسه عامل استمرار وإصرار وتوسيع لدائرة الاستيعاب والتأثير رغم الصد والإعراض .

ولا ينبغي أن تفهم الرحمة على أنها لين وتهاون بل تأتي الرحمة أحيانًا كثيرة في ثنايا الحزم وفي أعطاف الشدة التي تهدف لصالح المدعو ، كما قد يشتد الطبيب مع مريضه الذي لا يدرك خطورة مرضه وعظمة الخطر في ترك التداوي أو التقصير فيه (( فليست الرحمة حنانًا لا عقل معه ، أو شفقة تتنكر للعدل والنظام ، كلا إنها عاطفة ترعى هذه الحقوق جميعًا ) )خلق المسلم (ص:207) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت