فهرس الكتاب

الصفحة 1339 من 3028

وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم كلها عدا أحد والأحزاب, وكذلك جيوش الفتح التي قادها المسلمون كلها من هذا النوع؛ إذ الهدف منها دعوة الناس إلى الدخول في الإسلام عن طواعية بعد أن تزال العقبات التي تقف في طريق ذلك من الحكّام الطغاة، ومن شابههم.

ودعوة التقارب الديني غرضها الأساسي هو إيجاد صيغةٍ للتعايش السلمي بين أهل الأديان المختلفة، حيث لا مجال بعد ذلك للجهاد, بعد الاعتراف بأديانهم واحترامها، وعمل مواثيق معهم على ضوء ذلك.

وقولهم:'أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف' فهو كما يقال: كلمة حق أريد بها باطل، فالهدف من هذه المقولة إبطال الجهاد، وليس الدفاع عن الإسلام؛ لأنه معلوم أن الإسلام يأمر أولًا بعرض الدين على الناس، فمن آمن به فبها ونعمت، ومن رفضه ورضي بدفع الجزية قبلت منه الجزية إن كان من أهل الكتابين، أما إن رفض الإسلام والجزية، أو منع الآخرين من الدخول في الإسلام فما يصنع معه؟ ولماذا خرجت الجيوش الإسلامية, ولأيّ شيء وقعت المعارك الكبرى؟ أليس من أجل ذلك؟

فالجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة لا يبطله جور جائر، ولا دعوة إلى توحيد الأديان.

المخالفة الخامسة: مخالفتها فطرة الإنسان وسنة من السنن الكونية: الدعوة إلى تجميع كل الخلق تحت دين واحد أو جماعة واحدة دعوة مخالفة للفطرة التي فطر الله الناس عليها، يقول الأستاذ محمد محمد حسين رحمه الله - وهو يعدد آثار التغريب على العالم الإسلامي-: 'والدعوة باطلة من أساسها؛ لأنها تخالف سنةً من سنن الله في الأرض, وهي دفع الناس بعضهم ببعض, وضرب الحق والباطل, والهدم والبناء لهذه السنة لا يفتئان يعملان دون انقطاع, وكل ميسرٌ لما خلق له, هذه السنة قائمة بأمر الله تعالى، ولن تجد لسنة الله تبديلًا.' [ الإسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسين: 185-187] .

ما الغرض الأساسي لدعاة تقارب الأديان وتحاورها؟

الغرض من هذه الدعوة هو إيجاد صيغة للتعايش السلمي بين أصحاب الديانات والملل المختلفة في البلد الواحد, وليس غرضها حوار الكفار، ودعوتهم إلى الإسلام، وإزالة الشبه العالقة بأذهانهم عنه, على الرغم من رفعهم لشعار حوار الأديان.

خاتمة: بعض الأخوة الكرام يستعظمون النقد والمناصحة لبعض العاملين في مجال الدعوة الإسلامية، وغيرهم من العلماء والدعاة وطلاب العلم، سواء كان هذا النقد للأفكار والآراء، مهما كانت درجة شذوذها ومخالفتها، أو كان في الأصول، أو في الفروع؛ لظنهم أن ذلك سيؤدّي إلى فتنةٍ، وإلى تفرق الجهود، وإحداث حزازات وإحن في النفوس.

وهذا لعَمْرُ الله من الأخطاء الفاحشة الفادحة، ومن باب الحرص الذي لا مبرِّر له ولا داعي له، وما عَلِم هؤلاء أن الفتنة أعظمَ الفتنة وأشدَّها في ترك المناصحة في أمور الدين، ومجاملة الأشخاص ومداراتهم حيث لا تجوز المجاملة والمداراة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الدِّينُ النَّصِيحَةُ] قُلْنَا لِمَنْ قَالَ: [لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ] رواه مسلم . ، فقد أوجب الله النصيحة لله، ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين من علماء وحكام وعامتهم على قدر الطاقة, ورحم الله عمر رضي الله عنه حين دعا لمن نصحه، واعتبرَ من باب الإهداء الذي يُشكَر عليه, فقال:' رحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي'.

إن من أوجب حقوق الله على عباده - بعد توحيده وعدم الإشراك به - ردَّ الطاعنين على الإسلام، ومقارعتهم بالحجة والبيان.

قال العلامة ابن القيم:'ومن بعض حقوق الله على عبده ردُّ الطاعنين على كتابه ورسوله ودينه، ومجاهدتهم بالحجة والبيان، والسيف والسنان، والقلب والجنان، وليس وراء ذلك حبة خردل من الإيمان' [هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ص10] . ، وهذا هو المراد بالنصيحة لله وكتابه ورسوله.

وهناك أمور لا يجوز السكوت عنها, بل يجب الردُّ عليها في الحال على من كان أهلًا لذلك, وهناك مسائل يجوز أن يُغضَّ الطرْف عنها, وهناك أشياء يحرم التحدث عنها علنًا.

فالمسائل التي يجب الردُّ عليها على الكفاية: الطعن في أصول الدين, والتشكيك في الثوابت, والإتيان بالأقوال الشاذة التي تخرق الإجماع القولي والعملي. ومثال ذلك: مسألة بحثنا هذا وما شاكلها, خصوصًا لو صدرت ممن له أتْباعٌ وشيع يقلِّدونه فيما يقول, فالسكوت مع هذه الحال جريمة لا تغتفر، والخطيئة التي يجب أن يُشْهَر، ويعلن إنكارها مهما كانت الظروف والملابسات.

أما المسائل التي يمكن أن يغض الطرف عنها: فهي الخلافات الفقهية، والأمور الاجتهادية التي تتسع لذلك.

أما المسائل التي يحرم التحدث عنها علنًا: فهي المسائل الشخصية والسلوكية.

فلا بد من التفريق والتمييز بين هذا وذاك، فإن لكلِّ مقامٍ مقالًا، فالأقوال الشاذة والبدع المنكرة، والطعن في أصول الدين، والتلاعب بما أجمع عليه المسلمون؛ أمور يتعين على بعض طلاب العلم الرد عليها في الحال, لكي لا ينخدع بها الجهال, ثم يصبح المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.

وهذا ليس من باب الغيبة, ولا من باب الطعن والتشكيك في الدعاة, ولا هو سبب للتفريق والتشتيت الذي نهانا عنه الشرع, بل هو نصحية يجب إسداؤها, وإذا سكتُّ عنها، وسكت أنت، وسكت هذا، ولم يتكلم ذاك فمن لها؟

رحم الله إمام أهل السنة والجماعة أحمد بن حنبل فقد قال - رادًّا على من تحرَّج من عملية الجرح وقال: إنه يثقل علي أن أقول فلان كذا وفلان كذا: 'إذا سكتَّ أنت وسكتُّ أنا فمتى يعرف الجاهل الصحيح من السقيم؟' [ الجامع لآداب الراوي والسامع ج2: 260، ومجموع الفتاوي ج28: 231] .

فالنصحية دين وحق يجب أن يؤدى مهما كان الشخص قريبًا أم بعيدًا عنك، عالمًا كان أم غير عالم، صالحًا كان أم طالحًا، فالولاء أولًا وأخيرًا لله وحده لا لولدٍ ولا لوالد, ولا لإمام مذهب, ولا لقائد جماعة, ولا لشيخ طريقة .. هذا بالنسبة لمن يطعن في الدين، أو يشكك في أصوله, أو يخشى من الانخداع به.

وأما بالنسبة لما يصدر عنه بعض العلماء الأثبات من هفوات وسقطات في مسائل الفروع، وفي الأمور الاجتهادية [وثبتت إمامته وعدالته وكثر مادحوه وندر جارحوه] فلا يلتفت إلى جرحه؛ لأن المناقص خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث.

أما إذا كان الماء قليلًا جدًا لا يسدُّ الرمق، ولا يزيل الغصة، وحلت به النجاسة؛ فإنه ينجس، وهكذا هؤلاء المشككون هم الذين ينبغي أن يجرحوا، ويكشفوا؛ ليعرفوا على حقيقتهم, والاشتغال بالردِّ على هذا الصنف عبادة وقربى إلى الله. ورحم الله أحمد الإمام قيل له: الرجل ليصوم ويصلي ويعتكف أحبُّ إليك, أو يتكلم في أهل البدع؟ فقال: 'إذا قام وصلى واعتكف فإنما هو لنفسه, وإذا تكلم في أهل البدع فإنما هو للمسلمين, وهذا أفضل'. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

من بحث:'التقارب الديني خطره, أسبابه, دعاته' للشيخ/ الأمين الحاج محمد أحمد

الثقافة العربية والقرن الحادي والعشرون

د. قيصر موسى الزين*

مقدمة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت