فهرس الكتاب

الصفحة 1340 من 3028

هذا البحث يمثل مسحًا عامًا لبعض المؤشرات والمحددات والأفكار المتعلقة بمعالجة احتمالات تطور اتجاه ( الثقافة الإسلامية) وهي تعبر القرن العشرين نحو القرن الحادي والعشرين. وإسهامها الأساسي يتركز في النواحي المنهجية والمفهومية، وليس في مجال المعلومات التفصيلية. وموضوع المعلومات التفصيلية المهمة لتحليل معطيات الحاضر لإلقاء الأضواء على احتمالات المستقبل، ليس مجال ورقة بحثية واحدة، ولكنه موضوع مشروع بحثي متكامل، وقد لا تستوعبه إلا المجلدات العديدة، ويحتاج إلى فرق من الباحثين. غير أن مثل هذا المشروع البحثي الكبير لن يكون ممكنًا بدون بلورة المسائل المفهومية والمنهجية، وتطوير حوار علمي بين الدارسين، من تخصصات مختلفة ذات صلة بالموضوع.

لقد حاولت الدراسة البحث عن صلات بين ما نطلق عليه كلمة ( ثقافة إنسانية ) و (ثقافة إسلامية) ، وتوضيح ما يكتنف هذه التعبيرات من غموض أحيانا، وما يتصل بها من استخدامات ذات مرامٍ غير علمية، أيدلوجية أو دعائية. أشارت كذلك الدراسة إلى صعوبة تحديد حدود قاطعة لمفهوم (الثقافة الإسلامية) في مجال الزمان والمكان.

وقد اختارت تركيزها المكاني على ما يعرف بـ (العالم العربي) ، لاعتباره أكثر وحدات العالم الإسلامي مركزية فيما يخص مفهوم الثقافة الأسلامية، فهو موطن الإسلام التاريخي، ومحور أهم التطورات المتعلقة به ماضيًا وحاضرًا، وكذلك باعتباره مصدر اللغة المقدسة الخاصة بهذا الدين. وقد اختارت الدراسة معيارًا إجرائيًا بحتًا لتحديد هذا"العالم العربي"وهو معيار أساسي يحدده النطاق الجغرافي لدول منظمة الجامعة العربية. وهذا المعيار أكثر قطعًا في تحديده للمنطقة من المعايير الثقافية، ولكنه لا يختلف معها كثيرًا، فيمكن القول أيضًا بأن العالم العربي هو المنطقة التي يغلب فيها استخدام اللغة العربية كلغة أم وكلغة التخاطب العامة الأساسية. و لا يمكن بحال اعتبار أن هذا العالم كامل التجانس الثقافي، أو أن حدوده في مناطقه المختلفة منبتة الجذور عن الثقافات غير العربية التي ساهمت في الماضي وتساهم في الحاضرفي تشكيل الهوية الثقافية لكل قطر، وأحيانا ًللأقاليم الداخليةالصغيرة في إطار كل قطر، مثل البربرية والنوبية السريانية والفينيقية والفرعونية... الخ).

والثقافة ــ كما يوضح الشكل المرفق ـــ معنى معقد، يقوم علىالكلية والتشابك، فهي ذات طبيعة نسيجية شبكية. غير أن كل خيط من خيوط هذه الشبكة لا يوجد إلا في الواقع، ولا يلمس إلا من خلال أجزاء متحركة متفرقة عديدة، وتتداخل في هذه الحركة الأشياء المادية والفضاء الفيزيائي ( المادي) ، والأفكار والمفاهيم والمشاعر والنظم الثقافية الدينية والقيمية، والمؤسسات والتيارات والنشاطات المرتبطة بها من سياسية واقتصادية وإبداعية...الخ ... وهذه الخيوط المكونة من نقاط عديدة تتلاقى في النهاية لتحديد محصلة الحركة الاجتماعية ذات الطبيعة التيارية، ويمكن تشبيهها بالنهر الذي يجري في الزمن من مراحل الماضي عبر الحاضر إلى المستقبل. إذا كانت التيارات الفرعية، الخيوط، والنقاط أو الجزئيات المشكلة لها ذات طبيعة زمانية يظهر عليها التغيير بوضوح فإن (الكل) أو الثقافة تمثل جوهرا يبقى ثابتا بالمعنى النسبي، وإن عبرت عنه في حيز الواقع المفردا ت المتغيرة. لذلك يمكن أن نقول عن الثقافة إنها (فوق الزمن) ، ولكن بالمعنى النسبي فقط، فهي تتغير ببطء شديد، وهي ليست من ( المطلق) بأية حال. وخيوط المفردات التي تتلاقى ــ والتعبير هنا مجازيًا ــ لتشكيل المحصلة أو اتجاه نهر الزمن، تخرج من الثقافة وتعود إليها دون أن تفقد اتجاه الحركة، فالحركة العامة حلزونية أي تصاعدية ـــ دائرية، وليست دائرية فقط. غير أن الرسم البياني المرفق لا يستطيع أن يوضح هذه الناحية الأخيرة. والخيوط السبعة المشار إليها بالأرقام في الرسم لا ترد علىسبيل الحصر، فكل خيط مكون من خيوط رفيعة لا تحصى، وكذلك فإن عدد الخيوط الكلي ليس نهائيًا، وقد تم اختيار السبعة محاور التي تتابعها الدراسة بالإثبات هنا. وهذا الاختيار اصطناعي فني بحت ذو طبيعة إجرائية تصل بتنظيم فقرات الدراسة وخطة سرد أفكارها الأساسية. (انظر الشكل والمفتاح والملاحظات المرفقة) .

ملحوظات:

أـ التظليل الشبكي للكتلة في مستوى فوق الزمن يعبر عن بعض صفات مفهوم الثقافة، ومعنى (فوق الزمن) يعني اللاتاريخية، وهو معنى نسبي فقط.

ب ـــ السهمان أسفل الرسم باتجاه الأعلى والأسفل يشيران إلى المسار الحلزوني للحركة الاجتماعية الزمنية. فهي تخرج من ( الثقافة) وتعود إليها، ولكن في اتجاه أمامي دائمًا.

ج ــ اتصال الخط يعني الماضي والحاضر. أما النقاط فهي تشير إلى مسار لم يبدأ بعد وهو المستقبل، ومع أنه لم يبدأ ولكن من السهولة التنبؤ بأنه سيشكل إلى حد كبير نوعا من الاستمرار للخط المتصل من الماضي إلى الحاضر.

دـ يمكن أن ترسم بدائل لا نهائية العدد لمحتوى الحركة واتجاهاتها، وهدف هذا الرسم محاولة التقريب وتقديم نموذج توضيحي بسيط فقط، ولا يمكنه إلا الإيماء إلى حقيقة التعقيد في حركة الثقافية في اتجاه الزمن، وعلاقات (اللاتاريخي) بـ (التاريخي) أو (الفرق زمني) بـ (الزمني) .

مدخل:

يراد بتعبير"الثقافة" [1] جملة من معاني الشمول. وهي بنية يصعب تحديد المفردات الداخلة في تكوينها على سبيل الحصر والدقة. قد يقال إنها"الروح"التي تميز مجموعات إنسانية عن غيرها في طرق أدائها لمختلف النشاطات الحياتية. وقد قيل أنها ذلك الكل المعقدالذي يحوى العادات والتقاليد والآداب والفنون والعلوم والنشاطات الاقتصادية إلى آخر النشاطات والإنجازات الإنسانية. وقد يقال عنها غير ذلك، حتى القول بأنها تستعصي على"التعريف" [2] . لكن من مهما يقال لا يمكن إسقاط المصطلح أو حقيقة أنه يدل على ظاهرة من ظواهر هامة أصبح من غير الممكن التناول العلمي لتطور المجتمعات الإنسانية دون استخدامه. ويختلف مصطلح الثقافة عن مصطح"الحضارة"مع الاتصال الوثيق بين الاثنين. فالحضارة، أحيانًا"المدنية"، هي إنجاز إنساني ضخم يقاس زمانًا بالقرون، ومكانًا بالقارات . وهي تنفذ من المحلية للعالمية. ومع ذلك فالحضارة أو المدنية مثل"الثقافة"تتصف بالشمول، وبأنها"روح"تتجلى في شتى مظاهر النشاط الإنساني . وإذا وصفنا كلا من الحضارة والثقافة بأنه ( إنجاز) ، فإن كلا منهما يمثل أيضًا ( نظام) ،فهو (منتج) بقدرما هو إنتاج، أي أنه فاعل بقدر ماهو مفعول به. والصلة بين الثقافة أو الحضارة ومجتمعاتها صلة معقدة ،فقد يرى الرائى أن المجتمع ينتج الثقافة. ويرى آخر ت أو نفس الرائي ـ من زاوية أخرى ان الثقافة هي التي تنتج المجتمع .والواقع أن ( المجتمع) يختلف من كونه واقعًا آنيًا يشكله أفراد محدودون، وينتهي بزوالهم من الحياة الأرضية، إلى كونه تواصلًًا عبر الأجيال والأزمنة والأمكنة . وذلك شكل من اختلاف ( التاريخي) من ( اللاتاريخي) . وقد اعتقد البعض أنه لا يوجد إلا الأفراد المحددون، واعتقد آخرون أن وجود هؤلاء المحددين ما هو إلا انعكاس لبنية مترابطة ومستمرة قبل وبعد وجود هؤلاء المحدودين . وهو اختلاف فلسفي ومعرفي، لاأمل في حسمه، ويدخل دون شك في تحديد معالجات المنهجية في الدراسةالاجتماعية.

الثقافة الإسلامية والثقافة الإنسانية [3] :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت