فهرس الكتاب

الصفحة 1331 من 3028

لقد ختم د. الترابي كلمته بقوله:"ختامًا نتمنى لهذا المحفل الديني الجليل أن يدفع جهود التفاهم بين الأديان خطوة واسعة نحو الأمام" [27] .

وقد لفتت كلمة محفل واستعمالها بدلًا من كلمة مؤتمر أو اجتماع أو نحو ذلك انتباهي لأن كلمة محفل أصبح لها ظلال معينة وهي مرتبطة بالماسونية فلا يقال محفل إلاّ ويتبع بالماسوني! فهل يا ترى جاءت عفوًا أم أن وحدة الهدف الجامعة لجميع الدعوات العالمية والإنسانية كالدعوة إلى وحدة الأديان والماسونية هي الدافع إلى استعمال هذه الكلمة تيمنًا بالمحافل الماسونية؟!!

الأسباب للقيام بمثل هذه الدعوة:

أهم الأسباب التي أدت إلى قيام هذه الدعوات هي:

[1] الجهل بالدين, وهذا هو السبب الرئيس والأول لأن من له أدنى معرفة بالدين وأصوله ونواقصه لا يمكن أن يتصدى لمثل هذه الدعوة.

[2] الانهزام النفسي، فالمغلوب والمهزوم أن لم يحفظه العلم ويتولاه الله لا يمكنه التمييز بين الحق والباطل.

[3] الخوف من الكفار ومن سطوتهم.

[4] المنافع والمصالح الزائلة. يروى أنه كان في بلاد الشام إمام يقول في الخطبة الثانية من يوم الجمعة:"اللهم صلِّ على محمد وعيسى وأخيهما موسى"! فقال له رجل من الحاضرين:"وذي الكفل, أم ليست له سفارة عندها مصاري؟!".

التشابه بين دعوة التوحيد للأديان وبين الحركات العالمية المنحرفة:

الحركات العالمية والإنسانية التي تدعي أنها تريد أن تجمع البشر على أساس الجنس والوطن أو الإنسانية دون اعتبار للدين كثيرة جدًا منها على سبيل المثال: الماسونية، العالمية أو الإنسانية، الصهيونية، الروحيون، الشيوعيون، الروتاري، الأسود (الليونز) ، التسلح الخلفي، شهود يهوه، التنصير، التغريب، العلمانية، النظام العالمي الجديد، والدعوات القومية والوطنية عمومًا.

"والدعوات المبنية على هذا التصور كلها دعوات هدّامة؛ لأنها تهز بعنف عوامل التجمع والتآلف التي تقوم عليها المجتمعات البشرية, ثم تعجز أن تقيم بدلًا منها عوامل أخرى للتجمع وأساليب أخرى للتعاون والتآلف ينتظم بها العمران, فهي تشكك الناس في ولائهم الديني والوطني, وتفقدهم ثقتهم في كل قوانينهم ومؤسساتهم, ثم تتركهم في الفوضى والقلقلة, وسط أنقاض ما هدمت من عقائد وما قطعت من وشائج" [28] .

مخالفات الدعوة إلى توحيد الأديان أو التقريب بينها للإسلام:

الدعوة إلى توحيد الأديان أو الترتيب بينها أو محاورة أصحابها للعيش معهم في أمن وسلام وطمأنينة واحترام تصطدم مع الإسلام وتتعارض معه تعارضًا بينًا واضحًا.

ومن أبرز مخالفاتها للإسلام وأشدها خطرًا على المنادين بها والداعين إليها, وعلى من وافقهم في ذلك, إنها تقوم على ناقضين من نواقض الإسلام [29] ومبطلاته, هذا بجانب مخالفات أخرى شديد خطرها على عقيدة المسلم.

والناقضان هما:

أن من لم يكفّر المشركين أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر.

أن من تولى الكفار وتعاون معهم وظاهرهم على المسلمين كفر.

وسنتحدث بشيء من التفصيل عن هذين الناقضين, ونبين الصلة الوثيقة بين الدعوة إلى توحيد الأديان وجمعها في دين واحد وبينها, ثم نردف ذلك إن شاء الله بالمخالفات الأخرى.

المخالفة الأولى: من لم يكفّر المشركين أوشك في كفرهم أو صحّح مذهبهم فقد كفر:

الإسلام هو الحق المحض فماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال تعالى: (فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون) [سورة يونس: 32] . جاء في تفسيرها:"ظاهر هذه الآية يدل على أن ما بعد الله هو الضلال لأن أولها (فذلكم الله ربكم الحق) ، وآخرها (فماذا بعد الحق إلاّ الضلال) فهذا في الإيمان والكفر" [31] .

وقال القرطبي:"وقال علماؤنا: حكمت هذه الآية بأنه ليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في هذه المسألة التي هي توحيد الله تعالى".

وقال تعالى: (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقًا) [سورة الإسراء: 81] . جاء في تفسيرها: الإسلام، وقيل القرآن، قاله مجاهد بن جبر، والصواب تعميم اللفظ بالغاية الممكنة فيكون التفسير: جاء الشرع بجميع ما انطوى فيه (وزهق الباطل) بطل الباطل" [32] ."

وقال تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل) [سورة الحج: 26] .

وقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

ووصف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بأنه هو حق وصدق فالإسلام هو الحق والله هو الحق وما سواه باطل يجب الكفر به وإنكاره.

والذي لا يكفّر اليهود والنصارى والمجوس وعباد الأوثان والملاحدة وغيرهم أو يشك في كفرهم أو يصحح مذاهبهم أو مذاهب بعضهم فقد شك في القرآن وشك في صدق الله ورسوله, وذلك أن لله تعالى حكم وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم بأن ما سوى الإسلام باطل محض.

فكفر اليهود والنصارى والمشركين عامة شهد به القرآن، ونطقت به السنة، وأجمعت عليه الأمة، مع كل ذلك نجد بعض الناس في هذا العصر الذي كثُرت فيه الرزايا, وعظُمت فيه البلايا, وعمّ فيه الجهل, وتفشت فيه البدعة يزعم أن اليهود والنصارى مؤمنون, ويدعو إلى قيام جبهة عريضة وحزب واسع يضم أتباع كل الأديان على أساس الملة الإبراهيمية يسمى الحزب الإبراهيمي!!

جاء في تفسير قوله تعالى: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعًا وكرهًا وإليه يرجعون) [سورة آل عمران: 83] ."أن كعب بن الأشرف وأصحابه [33] اختصموا مع النصارى إلى النبي صلى الله عليه وسلم كلا الفريقين برئ من دينه، فقالوا: ما نرضى بقضائك ولا نأخذ بدينك، فنزلت (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض) يعنى يطلبون" [34] .

قال الإمام ابن حزم رحمه الله وهو يتكلم عن النصارى وقد جمع بينهم وبين المجوس لتعدد الآلهة عند جميعهم بل المجوس لهم إلهان أحدهما يخلق الخير والثاني يخلق الشر أما النصارى فلهم ثلاثة"النصارى وإن كانوا أهل كتاب, ويقرون بنبوة بعض الأنبياء عليهم السلام فإن جماهيرهم وفرقهم لا يُقِرون بالتوحيد مجردًا, بل يقولون بالتثليث، والمجوس أيضًا وإن كانوا أهل كتاب [35] لا يقرون ببعض الأنبياء عليهم السلام ولكنّا أدخلناهم في هذا المكان لقولهم بفاعلين لم يزالا فالنصارى أحق منهم بالإدخال [36] هاهنا لأنهم يقولون بثلاثة [37] لم يزالوا" [38] .

وقال ابن القيم وهو يتكلم عن المتناقضات في الإنجيل:"وأما الإنجيل فهي أربعة أناجيل أُخذت عن أربعة نفر اثنان منهم لم يريا المسيح أصلًا , واثنان رأياه واجتمعا به وهما متى ويوحنا, وكل منهم يزيد وينقص ويخالف إنجيله إنجيل أصحابه في أشياء, وفيها ذكر القول ونقيضه" [39] .

شبه دعاة توحيد الأديان في هذا العصر!!:

وسنعرض في هذه الصفحات لأهم الشبه التي ذكروها أو تلك التي يمكن أن تعِنّ لهم فنقول وبالله التوفيق:

قوله تعالى: (لكم دينكم ولي دين) [سورة الكافرون: 6] :

ربما يفهم البعض من هذه الآية إقرار أهل الأديان المخالفة للإسلام على دينهم فهل هذا حقًا هو المراد من الآية؟ أم أن الآية نسخت بالآيات التي أمرت بقتال الكفار؟ أم إنها محكمة باقية الحكم لا نسخ فيها ولا تخصيص لأهل الكتاب؟

دعونا نستمع إلى العلامة ابن القيم رحمه الله يبّين لنا المراد من ذلك, قال رحمه الله في تفسير سورة الكافرون:"قوله (لكم دينكم) مطابق لهذا المعنى: أي لا أشارككم في دينكم ولا أوافقكم عليه بل هو دين تختصون أنتم به لا أشرككم فيه أبدًا فطابق آخر السورة أولها فتأمله."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت