فهرس الكتاب

الصفحة 1332 من 3028

ثم قال: وأما المسألة الحادية عشرة وهي أن هذه الأخبار بأن لهم دينهم وله دينه, هل هو إقرار فيكون منسوخًا أو مخصوصًا؟ أو لا نسخ في الآية ولا تخصيص؟ فهذه مسألة شريفة من أهم المسائل المذكورة وقد غلط في السورة خلائق وظنوا أنها منسوخة بآية السيف لاعتقادهم أن هذه الآية اقتضت التقرير لهم على دينهم، وظن آخرون أنها مخصوصة بمن يقرون على دينهم وهم أهل الكتاب، وكلا القولين غلط محض فلا نسخ في السورة ولا تخصيص، بل هي محكمة عمومها نص، وهي من السور التي يستحيل دخول النسخ في مضمونها فإن أحكام التوحيد الذي اتفقت عليه دعوة الرسل يستحيل دخول النسخ فيه وهذه السورة أخلصت التوحيد, ولهذا تسمى سورة الإخلاص كما تقدم، ومنشأ الغلط ظنّهم أن الآية اقتضت إقرارهم على دينهم ثم رأوا أن هذا الإقرار زال بالسيف, فقالوا: منسوخ وقالت طائفة: زال عن بعض الكفار، وهم من لا كتاب لهم فقالوا هذا مخصوص, ومعاذ الله أن تكون الآية اقتضت تقريرًا لهم أو إقرارًا على دينهم أبدًا بل لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الأمر وأشده عليه وعلى أصحابه أشد على الإنكار عليهم تعييب دينهم وتقبيحه والنهي عنه والتهديد والوعيد كل وقت وفي كل ناد، وقد سألوه أن يكف عن ذكر آلهتهم وعيب دينهم ويتركوه وشأنه, فأبى إلاّ مضيًا على الإنكار عليهم وعيب دينهم، فكيف يقال إن الآية اقتضت تقريره لهم؟ معاذ الله من هذا الزعم الباطل وإنما الآية اقتضت البراءة المحضة كما تقدم وأن ما هم عليه من الدين لا نوافقهم عليه أبدًا؛ فإنه دين باطل فهو مختص بكم لا نشرككم فيه ولا أنتم تشركوننا في ديننا الحق، فهذه غاية البراءة والتنصل من موافقتهم في دينهم، فأين الإقرار حتى يدعى النسخ أو التخصيص؟ أترى إذا جوهدوا بالسيف كما جوهدوا بالحجة لا يصح أن يقال لكم دينكم ولي دين؟ بل هذه آية قائمة محكمة ثابتة بين المؤمنين والكافرين إلى أن يُطهِر الله منهم عباده وبلاده, وكذلك حكم هذه البراءة بين أتباع الرسول صلى الله عليه وسلم أهل سنته وبين أهل البدع المخالفين لما جاء به، الداعين إلى غير سنته إذا قال لهم خلفاء الرسول وورثته لكم دينكم ولنا ديننا لا يقتضي إقرارهم على بدعتهم بل يقولون لهم هذه براءة منهم وهم مع هذا منتصبون للرد عليهم ولجهادهم بحسب الإمكان" [40] ."

نريد أن نوحدهم على أصول الملة الإبراهيمية (!!) :

هذا هو ما قاله د. الترابي إنه يريد أن يوحد جميع الأديان التي هي على أصول الملة الإبراهيمية.

وقبل الخوض في هذه المسالة لابدّ من التأكيد على أن إبراهيم علية السلام لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا كما أخبرنا الله عز وجل (ما كان إبراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا) [سورة آل عمران: 67] .

ومن ثم فانّ اليهود والنصارى الحاليين ليسوا على ملّة إبراهيم بل هم ممن سفه نفسه لأنهم رغبوا عن ملّة إبراهيم (ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلاّ من سفه نفسه) [سورة البقرة: 130] .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وإذا كان كذلك فاليهود والنصارى ليسوا على ملّة إبراهيم, وإذا لم يكونوا على ملّة إبراهيم فإن من عبد إله إبراهيم كان على ملّته قال تعالى: (وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا قل بل ملّة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم) [سورة البقرة:136/137] . فقوله: (قل بل ملّة إبراهيم) يبين أن ما عليه اليهود والنصارى ينافي ملّة إبراهيم."

قوله تعالى: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين, وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه والله عليم بالمتقين) [سورة آل عمران: 113] :

من الآيات التي يستدلون بها على جواز التقارب مع اليهود والنصارى هذه الآية, حيث ينزلونها على أهل الكتاب الحاليين. والآية ليس لها علاقة بأهل الكتاب الحاليين, وإنما هي خاصة بأولئك الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم, كعبد الله بن سلام وغيره من الصحابة الذين كانوا يهودًا فأسلموا وحسن إسلامهم, و (ليسوا سواء) معناها ليس أهل الكتاب وأمه محمد صلى الله عليه وسلم سواء, ثمّ تمّ الكلام واستُؤنف بعد ذلك من أهل الكتاب وهم الذين اتبعوا محمدًا صلى الله عليه وسلم وآمنوا به وصدقوه.

قال الإمام القرطبي رحمه الله:" (ليسوا سواء) وتمّ الكلام والمعنى ليس أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم سواء."

وذكر أبو خيثمة زهير بن حرب حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا شيبان عن عاصم عن زر عن ابن مسعود قال: أخّر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء, ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال: (إنه ليس من أهل الأديان أحد يذكر الله تعالى في هذه الساعة غيركم) ،قال: وأنزلت هذه الآية (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة) إلى قوله: (والله عليم بالمتقين) ، وروى ابن وهب مثله.

وقال ابن عباس: قول الله عز وجل: (من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) من آمن مع النبي صلى الله عليه وسلم وقال ابن إسحاق: لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسيد بن عبيد, ومن أسلم من يهود, فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام ورسخوا فيه قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلاّ شرارنا, فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم: (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) إلى قوله: (وأولئك من الصالحين) [41] .

قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) [سورة البقرة: 256] :

يقول د. الترابي في محاضرته التي ألقاها في مؤتمر التقارب الديني السابق:"ولقد جاءت الرسالة المحمدية بالمبادئ الخالدة ألاّ إكراه في الدين لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". والعصرانيون يستدلون بهذه الآية لإبطال أمرين هامين هما:

[1] جهاد الطلب: وهو أن يجاهد المسلمون الكفار طالبين منهم الدخول في الإسلام.

[2] إقامة حدّ الردة: فهم لا يرون إقامته إلاّ إذا كان المرتد محاربًا شاكًا للسلاح, أما الردة الفكرية البحتة, كما يقول الترابي, فلا حدّ فيها.

يقول راشد الغنوشي في حوار له مع مجلة الشراع اللبنانية في رده على سؤال: ماذا بالنسبة للردة؟"إن الردة لا تقام عليها الحدود, والحساب عليها يكون في الآخرة... وأبو بكر الصديق رضي الله عنه حين حارب المرتدين فعل ذلك لانقلابهم السياسي على الإمام وليس لموقفهم العقائدي" [42] .

قلت: هذا من المغالطات المردودة فأبو بكر هو القائل:"والله لأُقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة"..."والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه".

فلنرجع إلى المراد من قوله تعالى: (لا إكراه في الدين) فقد وردت فيها أقوال ستة:

[1] إنها منسوخة بآية القتال.

[2] ليست منسوخة وإنما هي خاصة بأهل الكتاب إذا دفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون, أما أهل الأوثان فيكرهون على الدخول في الإسلام.

[3] إنها نزلت في الأنصار أي لا علاقة لها بأهل الكتاب.

[4] إنها نزلت في رجل من الأنصار بعينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت