فهرس الكتاب

الصفحة 1330 من 3028

وهكذا عدم الوضوح والمراوغة يكمنان وراء دعوة الترابي العريضة لقيام جبهة المؤمنين أو الحزب الإبراهيمي!!

[3] وجود أقلية ضئيلة من النصارى في السودان, وجدت ظروفًا مساعدة (حرب الخليج, النظام العالمي الجديد, موقف طلاب السلطة المعارضين للنظام في السودان) تجعل كذلك كثيرًا من الأخيار ينخدعون برفع هذا الشعار.

وتتمثل مجهودات الترابي في هذا المجال في: عقد المؤتمرات، التنظير لهذه الدعوة (الحركة الإسلامية والحوار) ، إثارة الشبه، إجراء المقابلات في وسائل الأعلام المختلفة لخدمة هذه القضية، الدعوة لقيام الحزب الإبراهيمي، تكوين جمعية تعرف بالجمعية السودانية لحوار الأديان، مشاركتهم النصارى في أعيادهم والطواف على كنائسهم، بناء الكنائس وتجديد وترميم القديم منها، فتح المجال أمام النصارى في الأعلام, خاصة يوم الأحد في الفترة الصباحية في التلفاز إذ أن لهم حوالي أربع ساعات، إدخال مادة مقارنة الأديان في المعاهد العليا.

قول د. الترابي داعيًا إلى وحدة الأديان [13] :"إن الوحدة الوطنية تشكل واحدة من أكبر همومنا, وأننا في الجبهة الإسلامية نتوصل إليها بالإسلام على أصول الملة الإبراهيمية, التي تجمعنا مع المسيحيين بتراث التاريخ الديني المشترك (!!) وبرصيد تاريخي من المعتقدات والأخلاق إننا لا نريد الدين عصبية عداء ولكن وشيجة إخاء في الله الواحد" [14] .

"وبناء على هذه الجبهة الدينية [15] مطلب ديني يرتكز على مبدأ وحدة الأديان السماوية (قلنا اهبطوا منها جميعًا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) [سورة البقرة: 38] " [16] .

وقال:"إن قيام جبهة المؤمنين هو مطلب الساعة وينبغي ألا تحول دونه المخاوف والتوجسات التاريخية، فنحن نعلم أن الكثير من الحروب التي شنت باسم الدين والاضطهاد الذي وقع باسم الدين كان الدين منه براء؛ لأن الأديان السماوية لا تدعو لنشر رسالتها - رسالة الفضيلة والسلام - بحد السيف [17] ، أو بالقنابل والمدافع ونحن نقرأ تاريخ الحروب الصليبية التي شنت على الشرق فنراها حملات استعمارية [18] استخدم فيها بعض ملوك أوربا شعار الصليب واسم المسيحية ليحققوا توسعًا استعماريًا تتعبأ فيه جماهيرهم المؤمنة ويمدهم بالموارد وبكنوز الشرق التي كانوا يحلمون بها" [19] .

قلت: العجب كل العجب من جرأة الترابي وتهاونه بوصف اليهود والنصارى الحاليين بأنهم مؤمنين, تبريرًا لدعواه التجمعية هذه, التي تريد أن تجمع بين الأضداد, ولو وصفهم بأنهم مسلمون لكان ذلك أقل خطرًا عليه, أما أن يصفهم بأنهم مؤمنون فهذا أمر في غاية النكارة والغرابة، فإذا كان اليهود والنصارى مؤمنين فمن الكافر إذًا ؟! ولماذا قال الله تعالى: (إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين) [البينة: 6] .

دعنا نستمع إلى كلام أهل العلم الأثبات, ودعك من هذه الترهات, لنعلم هل هي حقيقة أن اليهود والنصارى الحاليين مؤمنون كما زعم الطهطاوي ومحمد عمارة والترابي؟

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"أن الذي يدين به المسلمون من أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الثقلين: الإنس والجن, أهل الكتاب وغيرهم, وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله مستحق للجهاد, وهو مما أجمع عليه أهل الإيمان بالله ورسوله، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا في الحكمة المنزلة عليه من غير الكتاب، فإنه تعالى أنزل عليه الكتاب والحكمة ولم يبتدع المسلمون شيئًا من ذلك من تلقاء أنفسهم كما ابتدعت النصارى كثيرًا من دينهم, بل أكثر دينهم, وبدلوا دين المسيح وغيّروه, ولهذا كان كفر النصارى لما بعث محمد صلى الله عليه وسلم مثل كفر اليهود لما بعث المسيح عليه السلام" [20] ،"وإذا تناولت النصارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود، والله تعالى إنما أثنى على من آمن من أهل الكتاب كما قال تعالى: (وإنّ من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) [سورة آل عمران: 199] " [21] .

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله في وصف أهل الكتابيين اليهود والنصارى:"وهم نوعان: مغضوب عليهم، وضالون. فأما الأمة الغضيبة: فهم اليهود أهل الكذب والبهت والغدر والمكر والحيل, قتلة الأنبياء, وأكلة السحت وهو الربا والرشا، أخبث الأمم طوية وأرداهم، سجية وأبعدهم عن الرحمة وأقربهم من النقمة، عادتهم البغضاء ودينهم العداوة والشحناء, بيت السحر والكذب والحيل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم الأنبياء حرمة, ولا يرقبون في مؤمنٍ إلاّ ولا ذمة, ولا لمن وافقهم عندهم حق ولا شفعة, ولا لمن شاركهم عندهم عدل ولا نصفة, ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أمنة, ولا لمن استعملهم عندهم نصيحة, بل أخبثهم أعقلهم, وأحذقهم أغشهم, وسليم الناصية - وحاشاه أن يوجد بينهم - ليس بيهودي على الحقيقة, أضيق الخلق صدورًا, وأظلمهم بيوتًا, وأنتنهم أفنية وأوحشهم سجية, تحيتهم لعنة, ولقاؤهم طيرة, شعارهم الغضب, ودثارهم المقت."

والصنف الثاني: المثلثة أمة الضلال وعباد الأصنام، الذين سبوا الله الخالق سبًّا ما سبّه إياه أحد من البشر، ولم يقروا بأنه الواحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ولم يجعلوه أكبر من كل شيء, بل قالوا فيه ما (تكاد السموات يتفطرن منه وتنشّق الأرض وتخر الجبال هدًّا) . فقل ما شئت في طائفة أصل عقيدتها أن الله ثالث ثلاثة, وأن مريم صاحبته, وأن المسيح ابنه, وأنه نزل عن كرسي عظمته, والتحم ببطن الصحابة وجرى له ما جرى إلى أن قتل ومات ودفن, فدينها عبادة الصلبان ودعاء الصورة المنقوشة بالأحمر والأصفر في الحيطان, يقولون في دعائهم: يا والدة الإله ارزقينا, واغفري لنا وارحمينا! فدينهم شرب الخمور, وأكل الخنزير, وترك الختان, والتعبد بالنجاسات، واستباحة كل خبيث من الفيل إلى البعوضة. والحلال ما حلّله القس, والحرام ما حرمه, والدين ما شرعه, وهو الذي يغفر لهم الذنوب وينجيهم من عذاب السعير" [22] ."

ويقول الترابي كذلك:"نعلم أن إشاعة السلام بين الأديان ليس أمرًا قصيّ المنال, لكن التحدي الذي نواجهه هو أن نتجاوز التعصب الديني [23] الذي لا يرى الآخر إلاّ عدوًا متربصًا [24] أو خطرًا محدقًا, ولكي نفعل ذلك فلا بدّ من تكثيف الحوار وتأسيس المنابر المشتركة [25] , لا لمناقشة القضايا اللاهوتية، ولكن لمناقشة ما يمكن أن نفعله سويًا لإشاعة المثل والقيم الدينية في عالم ينزلق يومًا بعد الآخر في مستنقع الجاهلية الآسن، ونحن في هذا المقام نزجي الشكر لكل الجهات التي ظلت تنادي الحوار بين الأديان, كما نشكر لبعض الكنائس المسيحية الأخرى مبادرتها وسعيها لإقامة الحوار الديني, فلا بديل للحوار سوى التدابر والصراع, وقلّما أفلحت دعوة دينية في إبلاغ خطابها الذي هو خطاب السلام والعدل في أجواء الكراهية والحرب" [26] .

يتضح من كلام د. الترابي السابق أن الهدف من الحوار ليس مناقشة القضايا اللاهوتية ودعوة القوم للدخول في الإسلام وإزالة الشبه العالقة بأذهانهم! وذلك لأن القوم مؤمنون!! محبون للخير والمثل والقيم الدينية!! ولكن الغرض الحقيقي من هذه الدعوة هو مناقشة كيفية تعايش اليهود والنصارى والمسلمين في وفاق ووئام ومحبة وسلام، ليكونوا إخوة متحابين يوالي بعضهم بعضًا خاصة في الوطن الواحد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت