فهرس الكتاب

الصفحة 1283 من 3028

و في باب رد الشبهات على الدين تطرّق الشيخ رحمه الله إلى الدفاع عن السنة النبوية ضد مطاعن المستشرقين و أذنابهم ، و بخاصة ما يثيرونه حول حجّية الحديث النبوي و التشكيك في صحّته ، فناقش هذه القضية و فنّد شبهات أصحابها منبّهًا على خطورة هذه القضية و مجافاتها لروح البحث العلمي ، إذ يقول:"الحديث أو السنة هي أقوال النبي صلى الله عليه و سلم و أفعاله و تقريراته ، و قد أجمع علماء الإسلام على وجوب العمل بما صحّ منها ، و الأخذ بما ترمي إليه في كل أمر و لم يخالف في ذلك إلا من لا يُعتدّ به من المنتسبين إلى الإسلام ظاهرًا ، و قد أضمر في باطنه له البغض و العداء ، و ما زال أمثال أولئك الشذّاذ يظهرون في كل عصر و مصر ، و يجاهرون بمثل هذا الرأي السمج بدون خجل و لا حياء". ا هـ .

ثم يسوق رحمه الله شبهاتهم ، و يكرّ عليها بالإبطال بحجج قوية و متينة مستندًا على ثقافته الشرعية الثريّة ، و منهجه السلفي الواضح البيّن .

قضيّة تغريب المرأة و إفسادها:

و من القضايا المهمّة التي تناولها الشيخ بالتحليل و المتابعة في مجلّته قضيّة:الحجاب و الدعوة إلى السفور ، فقد وقف بالمرصاد لمحاولات نزع حجاب المرأة المسلمة ، و إخراجها من فطرتها لتزاحم الرجال فيما اختصّهم الله تعالى به ، و نبذ ما قد خلقها الله تعالى لأجله من رعايةٍ للأولاد و تنشئةٍ للأجيال المسلمة .

و اهتمامه بهذه القضية كان دليلًا آخر على وعيه و إحاطته بما يجري في العالم الإسلامي من مكائد و دسائس ، رغم أن بلده الكويت كانت بعيدة آنذاك عن حبائل هذه الدعوة الخبيثة ، إلا أن الشيخ كان يحمل همّ الأمّة بأسرها و لم ينكفيء على قضايا بلده .

و من جهة أخرى يُحسب له هذا النذير كإحراز قصب السبق في دقّ ناقوس الخطر من بوادر تغريب المرأة الكويتية خصوصًا ، و الخليجية عمومًا.

و هو في نقاشه لدعاة السفور و نزع الحجاب لم تكن تأخذه غُلواء الردود و فرْط الحماس للرأي ، فيفقد رجاحة العقل و معايير الإنصاف و العدل ، بل كان يُقرّر حقّ المرأة في التعلّم و التهذيب و لكن بما يتوافق مع فطرتها ، و خصوصيّتها الأنثوية ، يقول:"و بعد ، فنحن و إن كنا من خصوم سفور المرأة و كشف الحجاب ، فلسنا من خصوم تعليمها و تهذيبها ، كيف و نحن نرى العلم في الشرع الإسلامي فرضًا على كل مسلم و مسلمة ، و نراه فوق هذا زينة لكلا الجنسين ؟ نعم نراه كذلك إلا أن للرجل نصيبًا منه لا يسوغ للمرأة مشاركته فيه ، و للمرأة منه نصيبًا منه لا يسوغ لها تعدّيه . يجب عليها قبل كلّ شيء الإشتغال بما يصلح دينها و عقيدتها و ما ينعم بيتها و أولادها ، و ما يهذّب آدابها و أخلاقها مما لا يخرجها عن طبيعتها و لا يبعدها عما خُلِقت له أو يشغلها عن واجبتها الضرورية ."أ هـ .

و في باب التقريظ والإنتقاد كان يتابع أحدث الكتب المتعلّقة بهذه القضية ، و منها على سبيل المثال كتاب"المرأة بين الماضي و الحاضر"، لمحمود افندي خيرت ، و كتاب"المدنية و الحجاب"، لسليم افندي حمدان .

و يورد أحيانًا مقالاتٍ مترجمةً لبعض رجال الفكر الغربيين و شهاداتهم في قضايا المرأة و انحرافها و ما آل إليه أمرها في مجتمعاتهم .

و قد كان الشيخ رحمه الله يتبنى أسلوبًا معيّنًا في الردّ على المخالف المكابر ، فلا يذكر في مناقشته شيئًا من النصوص الشرعية التي لا ينقاد لها المكابرون ، بل يورد أقوال من هم في موضع التوقير و الإحترام عند المخالف ، حتى تكون الحجة أبلغ ، و تقطع على الخصم سُبُل الإلتفاف و المناورة ، إذ يقول:"و لو كان من نخاطبهم اليوم في شأنهم من الإنصاف في شيء لاكتفينا معهم بسرد ما قال الله و رسوله عليه السلام و ما قاله علماء الإسلام في أمرها ، و لكنهم و هم لا يحترمون إلا آراء أمثال أولئك الحكماء و الفلاسفة فقد رأينا من الحكمة برًّا بوعدنا السابق أن نخاطبهم بلسانهم و أن نعرض عليهم آراءهم فيما ننعيه من آثار سيئة في الفرد و المجتمع و ما تجرّه من مصائب على عشّاقها". ا هـ .

الصراع بين القديم و الجديد في الأدب:

و من القضايا التي شغلت المجلّة قضيّة: الصراع بين القديم و الجديد في الأدب ، و في واقع الأمر كان الإهتمام بتلك القضية رجْعَ صدى للمعركة الدائرة في مصر ، و التي انقسم حولها الأدباء إلى فريقين: الأول: بزعامة الأديب"مصطفى صادق الرافعي"رحمه الله ، و الثاني: بزعامة"سلامة موسى"، فانحاز الشيخ - بطبيعة الحال - إلى صفّ مصطفى صادق الرافعي الذي يمثّل أصالة الأدب العربي و المحافظة على تراثه و عراقته ، و وقف في وجه سلامة موسى و محاولاته انتقاص الأدب العربي و الحطّ من قيمته ، و ناقش الشيخ رحمه الله بعضًا من أدلة سلامة موسى مناقشةً موضوعيةً تنمّ عن علوّ كَعْبٍ في قضايا الأدب و الفكر مع إلمامٍ بالمتغيّرات ، فمثلًا عالج قضية الحرية التي طرحها موسى كحجة في تبرير الخروج على قوانين الأدب و رسومه ، فقال معقّبًا على كلام سلامة موسى:"إذا كانت الحرية التي يتطلّبها للأدب هي أن يأخذ أبناؤه من كل أدب قديمًا أو حديثًا و أن لا يجمد على استعمال قوانينه القديمة التي استبان عوارها لأهل البصر و الفكر ، و أن يتدرّجوا فيه كما يتدرّجون في شئونهم الحيوية ، و أن يقتبسوا من أدب مجاوريهم ما يزيده بهاءً و جمالًا … إذا كان سلامة يريد هذا فإنا نعاهده على الدعوة إليه و على السير في سبيله … و لكن الذي يحزننا و ( ياللأسف ) أن ( حضرته ) يريد بالحرية للأدب ما هو أوسع مما سمعت، يريد أن يكون أدب البشر أحطّ من أدب الحيوانات العُجْم ، و أن يرجع إلى الوراء خطوات واسعة لا تُحصى ، يريد أن يجري الأديب لمسافة في كل موضوع بحريّة لا قيد فيها و لا شرط ، فيصوّر ما يخالج ضميره من إلحاده و زندقته و آرائه المتطرّفة و أفكاره السقيمة كما يهوى و يشاء ، و أن يرسم بريشة قلمه من المهازل و الصور و الأوصاف ما يندى له حتى جبين المعتوه عرَقًا". انتهى بتصرّف .

و إلى جانب هذا الجدل حول القديم و الحديث زخرت المجلة بإبداعات شُعراء شتىّ من الكويت و الخليج العربي و الجزيرة العربية ، نشروا الكثير من إنتاجهم الأدبيّ خلال هذا النافذة التي أشرعها لهم الشيخ عبدالعزيز الرشيد ليتعرّف العرب على الإنتاج الأدبي و العلمي لإخوانهم في هذه البلاد التي تكاد تكون معزولة عنهم ، و نذكر منهم: صقر الشبيب ، و خالد الفرج ، محمود شوقي الأيوبي ، و محمد بن عثيمين ، و عبدالله العبدالقادر الإحسائي ، و محمد الفراتي ، و عبدالمحسن أبا بطين ، و غيرهم الكثير ممن كانت المجلّة توثيقًا و تخليدًا لأعمالهم الأدبية .

نهاية المجلة:

توقّفت المجلة بعد عامين من صدورها ، و بعد أن أكملت عشرين عددًا في مجلّدين ، و كان هذا التوقّف المفاجيء و المؤلم لمحبّي المجلة و متابعيها بسبب سفر الشيخ عبدالعزيز الرشيد إلى أندونيسيا من أجل الدعوة و التدريس في تلك البلاد ، و لبث الشيخ فيها يمارس أنشطة الدعوة و التدريس و الصحافة حتى توفّاه الله تعالى عام 1937 م ، بعد حياة حافلة و زاخرة بالعطاء الدعويّ السخيّ .

و بالرغم من قِصَرِ عُمر مجلته الكويت إلا أنها كانت ذا أثرٍ كبيرٍ و ملموسٍ في مسيرة الصحافة الكويتية خصوصًا ، و الصحافة الإسلامية عمومًا . و المُطالع لتقاريظ كبار رجال العلم و الفكر و الأدب المنشورة في المجلة سيلمس حقيقة حجمها الكبير ، و أثرها الفاعل في العالم العربي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت