عندما تسمو الهمم ، و ترتقي النفوس ، و تهفو الأفئدة إلى معانقة ذُرى القمم ، فإن العقبات ما تملك إلا أن تتضاءل ، و المصاعب ما تلبث إلا أن تتلاشى و تذهبَ جُفاءً ، و ما أصدق القائل:
إذا صحّ عزم المرء فالبحر ضحضح *** و إن خار ، فالنضح اليسير عباب
و إذا ما أجال الإنسان بصره ذات اليمين و ذات الشمال ، ارتدّ إليه طرْفه بِصُوَرٍ مشرقةٍ من الإنجازات الكبيرة التي كان وقودها و محرّكها الأوّل: علوّ الهمم ، و سموّ النفوس .
و ما نحن بصدده من الحديث حول الشيخ المصلح الكويتي الكبير"عبدالعزيز الرشيد"رحمه الله ليس إلاّ أنموذجٌ واضحٌ ، و برهانٌ لائحٌ لهذا الصنف النادر من الرجال ؛ فقد طمح هذا الشيخ الجليل إلى إنشاء مجلة في وقت كان الجهل ضاربًا بأطنابه بين ظهراني دولته"الكويت"و بقية دول الخليج العربي ، حتى كان من يعرف القراءة و الكتابة يُعدّ أستاذًا جليلًا و صدرًا مقدّمًا في ذاك المجتمع البسيط الذي شَغَلته قسوة الحياة ، و معركة الصراع من أجل البقاء عن الإشتغال بطلب العلم و تحصيله ، و إنزاله منزلته الحقّة .
لكن الشيخ عبدالعزيز الرشيد صاحب الهمة العالية ، و النفس الأبيّة التوّاقة و المتطلّعة لنهضة بلده و مجتمعه ، لم تفتّ في عضده تلك العقبات ، بل استصغرها ، و اعتصم بحبل الله تعالى ، و بذل ما لديه من أسباب متاحة ، حتى كلّل الله جهوده بالنجاح فأنشأ أول مجلّة في الخليج العربي ، و هي مجلّة:"الكويت"، مشيّدًا بذلك حجر الأساس في البنيان الثقافي في دولة الكويت .
من هو الشيخ عبدالعزيز الرشيد ؟
وُلِد الشيخ الجليل عبدالعزيز الرشيد في الكويت عام 1887 م ، الموافق 135 هـ ، في مِهاد أسرة متديّنة متوسّطة الحال ، و لما كبرأدخله والده الكتّاب فحفظ كتاب الله تعالى .
و كان مشغوفًا منذ نعومة أظفاره بالعلم و الإطلاع ، فسمح لها والده بحضور حلقة علاّمة الكويت الشيخ"عبدالله خلف الدحيّان"رحمه الله العامرة بدروس الفقه الحنبلي و النحو و غيرها ، فاعتنى الشيخ به غاية الإعتناء ، ذلك لما رآه عليه من أمارات النجابة و مخايل الذكاء ، فمكث الولد عبدالعزيز معه سنتين يغترف من هذا النمير العذب حتى اشتدّ عوده ، ثم شرع في رحلته الطويلة في طلب العلم فشدّ الرحال إلى مدينة"الزبير"و"الأحساء"، ثم إلى بغداد و تلقّى العلم على يد علاّمة العراق"محمود شكري الآلوسي"و أخيه"علاء الدين"رحمهما الله ، ثم إلى الشام و مصر و الحجاز .
إنشاء المجلة:
من خلال هذه الرحلات اتّسعت مدارك الشيخ ، و اطّلع على الكثير من الأمور المستجدّة ؛ و أدرك أهمية الصحافة و دورها الخطير في عملية الإصلاح و الرقيّ بأحوال المسلمين ، فكتب الشيخ في العديد من المجلات و الصحف . ثم رأى إنشاء مجلة في الكويت تساهم في نهضة هذا البلد الذي كان حينذاك في مسيس الحاجة إلى وسائل الإصلاح و أساليب الرقيّ الحضاري .
و لكن العقبات الحائلة دون ذلك كانت كثيرة و مثبّطة ، بيد أنها بفضل من الله تعالى تبدّدت عندما عرض هذا المشروع على الشيخ الفاضل"يوسف بن عيسى القناعي"رحمه الله الذي شجّعه و شدّ من أزره ، فنفخ بتشجيعه هذا روح الإصرار و قبول التحدّي في نفس الشيخ عبدالعزيز الرشيد ، فبادر الأخير بعرض هذا الأمر على أمير الكويت آنذاك الشيخ"أحمد الجابر الصباح"رحمه الله ، فقابله بالموافقة و التشجيع شريطة أن يُطِلعه على أوّل عدد من هذه المجلة قبل السماح له بطباعتها ، و بعد الموافقة أصدر أمرًا بتعيين الشيخ الفاضل يوسف القناعي مراقبًا على المجلة ، و انحلّت بهذا أولى العقبات .
أما العقبة المادية فقد تجاوزها الشيخ عندما وفّر بعض المال من تجارته الخاصة ، تكفي لطباعة العدد الأوّل من المجلة ، فطبع الشيخ مجلته التي أطلق عليها اسم"الكويت"في المطبعة العربية التي يملكها الأستاذ"خير الدين الزركلي"في مصر ، و شُحِنت المجلة ، وبعد أسبوعين وصل العدد الأول إلى الكويت عن طريق البحر ، و كان ذلك في رمضان من عام 1246 هـ ، الموافق مارس 1928 م .
و لم تكن المجلة تُباع أعدادًا متفرّقة في السوق ، بل تعتمد على نظام الإشتراكات السنوية السائد آنذاك .
موضوعات المجلة:
صدر العدد الأول من مجلة"الكويت"، و تحت عنوانها كُتِبت عبارة:"مجلة دينية تاريخية أدبية أخلاقية - شهرية"، و أفصح الشيخ في ديباجة هذا العدد عن منهجها الإصلاحي ، و عن فحوى أبوابها في تعريف مختصر بكل باب و هي: الدين ، و ردّ الشبهات على الدين ، و الأخلاق ، و القديم و الجديد ، و الأدب ، و التاريخ ، و التراجم ، و الفتوى ، و اللغة ، و متفرقات الفوائد ، و التقريظ و الإنتقاد .
فاتخّذت المجلة في موضوعاتها طابعًا متنوّعًا و ضاربًا في كل غنيمة معرفية بسهم ، حتى وصفها الدكتور محمد حسن عبدالله بقوله:"يمكن تصنيفها كمجلة ثقافية تعني بقضايا العصر بصفة عامة ، فهي من نوع مجلة الهلال في مصر مثلًا ، و إن كانت صلتها بالدين و التراث أكثر أصالة و وضوحًا". ا هـ .
و كان الشيخ عبدالعزيز الرشيد رحمه الله يمتاز بثقافة موسوعية ، علاوةً على تمكّنه من الأساليب الكتابية الرفيعة سواء كان ذلك نثرًا أم شعرًا ، فيرفد موادّ المجلة بهذا المواهب التي ظهرت آثارها جليّة على صفحاتها، لكونه هو الذي يقوم بنفسه بتحرير جميع أبواب المجلة في أعدادها الأولى ، ثم ساهم معه بعض الكُتّاب لاحقًا ممن استقطبهم من العلماء و الدعاة و الأدباء من جميع أنحاء العالم العربي ، منهم على سبيل المثال: محمد رشيد رضا ، و محمود شكري الآلوسي ، و عبدالقادر المغربي ، و عبدالعزيز الثعالبي ، و محمد الخضر حسين ، رحمهم الله تعالى ، و غيرهم كثير .
المجلّة و قضيّة الإلحاد:
تناولت المجلة الكثير من القضايا و ذلك لتنوّع أبوابها و اهتماماتها كما رأينا ، و هنا سنركّز على أبرز القضايا التي اهتمّت بها المجلة لا سيّما تلك التي تندرج أساليب معالجتها داخل الإطار الشرعي ، و على رأسها قضية:"الإلحاد"؛ فقد انشغلت المجلة بهذه القضية و أوْلتها أهميةً بالغةً ، و هذا في واقع الأمر يعكس درجة الوعي التي كان يتمتّع بها الشيخ رحمه الله ؛ إذ كان الإلحاد في ذلك الوقت في بداية سريان سمومه في جسد الأمة ، عن طريق الكثير ممن طُمس على قلوبهم و أبصارهم من أبناء المسلمين ، فجعلوا يشيعون هذه الجرثومة الخبيثة و ينشرونها بما أوتوا من مواهب بيانية و عقلية ، فكان لزامًا على المخلصين من أبناء الإسلام التصدّي لهذا المدّ الجارف بكل و سيلةٍ متاحة ، و كشف عواقبها الوخيمة على الدين و الأخلاق .
فنجد هنا أن الشيخ قد خصّص أوّل موضوع في المجلة لهذه القضية ، و كان بعنوان:"الدين ، مزاياه و كونه ضروريًّا"، ثم دأب على نشر كتاب علامة الشام جمال الدين القاسمي رحمه الله الموسوم بـ"دلائل التوحيد"في المجلّة منجّمًا على حلقات ، و قد تولّى القاسمي في هذا الكتاب الردّ على شبهات الملحدين و تفنيدها بأدلة كلامية جدلية .
و إلى جانب هذا خصّص موضوعًا للنقاش بعنوان:"أي العقيدتين ستنتصر في هذا العصر أعقيدة التديّن أو الإلحاد ؟"فكانت الردود القيّمة من الكُتّاب و المفكّرين و العلماء تنهال عليه بما يشفي الغليل ، و يكشف زيف الإلحاد ، و هشاشة مبادئه .