و اهتمّ الشيخ كذلك بتعليم المرأة الجزائرية المسلمة اهتمامًا خاصًّا ؛ لأنه يرى أن دور المرأة المتعلمة المتديّنة مهم جدا في تنشئة جيل مجاهد يحمل تبعات العقيدة و يضحّي في سبيلها ، و كان يرى أيضًا أن جهل الأم من أهمّ أسباب الهزيمة التي حاقت بمجتمعاتنا الإسلامية ، يقول:"إن البيت هو المدرسة الأولى ، و المصنع الأصلي لتكوين الرجال ، و تديّن الأم هو أساس حفظ الدين و الخلق ، و الضعف الذي نجده من ناحيتها في رجالنا معظمه نشأ من عدم التربية الإسلامية في البيوت و قلة تدينهن"ا هـ .
وألْحَقَ الشيخ القول بالعمل ، فلما تأسّست جمعية التربية و التعليم ، حرص الشيخ رحمه الله تعالى أن يكون تعليم البنات مجانًا ، و ذلك تشجيعًا لهن على طلب العلم ، و الإغتراف من مناهله .
أما عن الأساليب التربوية التي انتهجها الشيخ في المجلة ، فقد اتّخذ الشيخ ابن باديس رحمه الله في مقالاته في المجلة أسلوبًا تربويًّا تعليميًا يربط المسلمين بكتاب الله و سنة رسوله صلى الله عليه و سلّم ، و يوثّق صِلاتهم بها ؛ فقام بتفسير القرآن الكريم ، وشرح السنة النبوية شرحًا علميًا منهجيًا في سلسلة اسمها"مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير"، تناول فيها أيضا الكثير من القضايا المعاصرة التي طُرحت في الساحة الفكرية كإحدى تبعات الهزيمة الفكرية للمسلمين ، و انقلاب الكثير من المفاهيم و اختلالها في العالم الإسلامي المُستضعف ، مثل مفهوم:"الحضارة"، فقد تناوله في معرض تفسير قوله تعالى ( و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) ( الأنبياء 15 ) ، فقال الشيخ:"رأى بعض الناس أن المدنية الغربية المسيطرة اليوم على الأرض ، و هي مدنية مادية في نهجها و غايتها و نتائجها . فالقوة عندها فوق الحق و العدل و الرحمة و الإحسان ، فقالوا إن رجال هذه المدنية هم الصالحون الذين وعدهم الله بإرث الأرض و زعموا أن المراد بـ"الصالحون"في الآية الصالحون لعمارة الأرض ، فيا لله للقرآن و الإنسان من هذا التحريف السخيف كأن عمارة الأرض هي كل شيئ و لو ضلت العقائد و فسدت الأخلاق و اعوجت الأعمال و ساءت الأحوال و عذبت و الإنسانية بالأزمات الخانقة و روّعت بالفتن و الحروب المخرّبة الجارفة ، و هدّدت بأعظم حرب تأتي على الإنسانية من أصلها و المدنية من أساسها". ا هـ .
مجلة الشهاب و قضايا الأمة الإسلامية:
بالرغم مما كانت تتعرّض له الجزائر المسلمة من محن و تحديات عصيبة ، كان بالإمكان أن تفرض على أهلها طوقًا من العزلة و الإنكفاء على الذات و الانشغال عن قضايا المسلمين خارج البلاد ، غير أن هذا لم يحصل مع الشيخ ابن باديس الذي كان يمدّ ناظريه خارج حدود بلاده متابعًا و راصدًا الكثير من القضايا التي تمسّ الأمة الإسلامية ، و منها قضية فلسطين و تطوّراتها ، و قد كانت هذه القضية من أهم القضايا التي تطرّق إليها و تناولها بالنقاش و التحليل ، يقول رحمه الله في مجلة"الشهاب":"تزاوج الإستعمار الإنكليزي الغاشم بالصهيونية الشرهة فأنتجا لقسم كبير من اليهود الطمع الأعمى الذي أنساهم كل ذلك الجميل و قذف بهم على فلسطين الآمنة و الرحاب المقدسة فأحالوها جحيما لا يُطاق و جرحوا قلب الإسلام و العرب جرحًا لا يندمل". ا هـ .
بل إن الشيخ رحمه الله أبان عن متابعة طيبة لأدوار اليهود الخبيثة ، و أساليبهم في إذكاء الفتن ، و زرع القلاقل بين الشعوب و الدول عندما تعرّض إلى"البلاشفة"في روسيا و علاقاتهم الخفية باليهود ، إذ يقول:"إنهم لا يفرّقون بين دين و دين بل يضطهدون أهل الأديان جميعًا إلا أن اليهود سالمون من هذا الأضطهاد و متمتّعون بحقوق لا تتسنّى لأحدٍ سواهم ، بل الحكومة كلها في أيديهم".
و يقول أيضا:"النفاق و الدهاء فاليهود بلشفية في الظاهر ، و هم في الباطن لا يفرطون في مثقال ذرة من يهوديتهم ، و بهذا المكر الكبّار نجحوا دون سائر أهل الأديان"ا هـ .
و في الوقت الذي كان يهتمّ فيه بقضايا المسلمين في المشرق ، كان ينعى على المشارقة ، و يتألّم من تجاهلهم لأحوال إخوانهم في المغرب العربي ، الأمر الذي لا يجد له تفسيرًا سوى ضعف الرابطة الإيمانية ، و انحلال عراها في قلوب الكثير من أبناء الأمة الإسلامية ! لهذا أطلقها زفرةً حرّى على صفحات المجلة قائلًا:"مضت حقبة من التاريخ كاد المشرق العربي أن ينسى هذا المغرب ، و إلى عهد قريب كانت صحافة الشرق - غالبا - لا تذكره إلا كما تذكر قطعة من أواسط أفريقية و مجاهيلها .. و لكن هذا المغرب العربي - رغم التجاهل من إخوانه المشارقة - كان يبعث من أبنائه من رجال السيف و القلم من يذكّرون به و يشيدون باسمه و يلفتون نظر إخوانه المشارقة إلى ما فيه من معادن العلم و الفضيلة و منابت للعزّ و الرجولة و معاقل للعروبة و الإسلام". ا هـ .
و هكذا ، كانت مجلة"الشهاب"في مسيرتها المباركة مشعل نور ، و نبراس هداية يضيء للجزائريين الطريق ليتلمّسوا نحو الخلاص ، في تلك الظلمات الحالكة و الظروف العصيبة التي مرت بها تلك البلاد المسلمة . إلا أن الشيخ بسبب هذا التأثير الإعلامي القوي و الفاعل لهذه المجلة ، واجه الكثير من المصاعب و العقبات التي وقفت في سبيله ، حتى أنه كاد أن يدفع حياته ثمنًا لمبادئه و ثباته عليها ؛ حينما قام أحد أفراد الطرق الصوفية بمحاولة اغتيال الشيخ في عام 1927 م ، و لكن الله تعالى لطف و سلّم .
نهاية المجلة:
توقفت المجلة غداة اندلاع الحرب الحرب العالمية الثانية في شهر سبتمبر من عام 1939 م ، على يد السلطات الفرنسية ، و توفّي الشيخ عام 194 م بعد حياة حافلة بالعطاء و الجهاد و الدعوة مخلّفًا وراءه ذكرًا عاطرًا و ثناءً وافرً . و لا نجد وصفًا لأثره الكبير في الجزائر المسلمة أدقّ من كلمات يسيرات قالها عنه المفكر الجزائري"مالك بن نبي"رحمه الله:"لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدر يتحرك، ويالها من يقظة جميلة مباركة". و قال عنه أخوه الأديب الشاعر الجزائري"محمد العيد آل خليفة"رحمه الله ، أبياتًا صادقة ، منها قوله:
بمثلك تعتزّ البلاد و تفخر *** و تزهر بالعلم المنير و تزخر
طبعت على العلم النفوس نواشئا *** بمخبر صدقٍ لا يدانيه مخبر
رحم الله الشيخ عبدالحميد بن باديس رحمة واسعة على ما قدّم للإسلام و المسلمين ، و أعلى منزلته في عليّين ، و الله تعالى و لي التوفيق .
المراجع:
1 -كتاب"آثار ابن باديس"، عمّار الطالبي ، مكتبة الشركة الجزائرية ، الجزائر ، الطبعة الأولى ، 1966 .
2 -كتاب"عبدالحميد بن باديس ، العالم الرباني ، و الزعيم السياسي"، الدكتور: مازن مطبقاني ، دار القلم ، دمشق ، الطبعة الأولى ، 1989 .
3 -كتاب"عبدالحميد بن باديس ، و بناء قاعدة الثورة الجزائرية"، بسّام العسلي ، دار النفائس ، بيروت ، الطبعة الثانية ، 1986 .
أوراق متناثرة في تاريخ الصحافة الإسلامية .. (3)
بقلم مبارك القحطاني
"...صدر العدد الأول من مجلة"الكويت"، و تحت عنوانها كُتِبت عبارة:"مجلة دينية تاريخية أدبية أخلاقية - شهرية"، و أفصح الشيخ في ديباجة هذا العدد عن منهجها الإصلاحي ، و عن فحوى أبوابها في تعريف مختصر..."