عن ليلى امرأة بشير بن الخصاصية رضي الله عنهما قالت: أردت أن أصوم يومين مواصلة، فنهاني عنه بشير، وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني عن ذلك، وقال: (( إنما يفعل ذلك النصارى، صوموا كما أمركم الله، وأتموا الصوم كما أمركم الله: {أَتِمُّواْ الصّيَامَ إِلَى الَّيْلِ} [البقرة:187] ، فإذا كان الليل فأفطروا ) ) [21] .
د- مخالفة اليهود والنصارى في صوم يوم عاشوراء:
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع ) )، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم [22] .
قال النووي:"ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة إلى هذا" [23] .
وقد جاء التصريح بمخالفة أهل الكتاب كما في حديث آخر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يومًا، أو بعده يومًا ) ) [24] .
قال ابن تيمية:"فتدبر هذا, يوم عاشوراء يوم فاضل، يكفر سنة ماضية، صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر بصيامه ورغب فيه، ثم لما قيل له قبيل وفاته: إنه يوم تعظّمه اليهود والنصارى! أمر بمخالفتهم بضم يوم آخر إليه، وعزم على ذلك, ولهذا استحب العلماء ـ منهم الإمام أحمد ـ أن يصوم تاسوعاء وعاشوراء، وبذلك علّلت الصحابة رضي الله عنهم" [25] .
4-في باب الحج:
ومن ذلك مخالفتهم في الوقوف بعرفة والمزدلفة والدفع منهما.
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن المشركين كانوا لا يفيضون من جَمْع [26] حتى تشرق الشمس على ثبير [27] , وكانوا يقولون: أشرِق ثبير. كَيْما نغير، فخالفهم النبي صلى الله عليه وسلم فدفع قبل أن تطلع الشمس [28] .
5-في باب الأعياد والاحتفالات والمهرجانات:
جاءت نصوص كثيرة تدل على عدم جواز موافقتهم في أعيادهم، ومنها:
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّواْ كِرامًا} [الفرقان:72] .
قال ابن عباس وأبو العالية وطاوس وابن سيرين والضحاك والربيع بن أنس وغيرهم: الزور أعياد المشركين [29] .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما، فقال: (( ما هذان اليومان؟ ) )قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر ) ) [30] .
قال ابن تيمية:"فوجه الدلالة: أن العيدين الجاهليين لم يقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تركهم يلعبون فيهما على العادة، بل قال: (( إن الله قد أبدلكم بهما يومين آخرين ) )، والإبدال من الشيء يقتضي ترك المبدل منه، إذ لا يجمع بين البدل والمبدل منه، ولهذا لا تستعمل هذه العبارة إلا فيما ترك اجتماعهما كقوله سبحانه: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} [الكهف:50] . فقوله صلى الله عليه وسلم: (( إن الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما ) )يقتضي ترك الجمع بينهما, لا سيما وقوله: (( خيرًا منهما ) )يقتضي الاعتياض بما شرع لنا عما كان في الجاهلية" [31] .
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (لا تعلّموا رطانة الأعاجم، ولا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم، فإن السخطة تنزل عليهم) [32] .
قال الذهبي:"قال العلماء: ومن موالاة الكفار التشبه بهم وإظهار أعيادهم، وهم مأمورون بإخفائها في بلاد المسلمين، فإذا فعلها المسلم معهم فقد أعانهم على إظهارها, وهذا منكر وبدعة في دين الإسلام، ولا يفعل ذلك إلا كل قليل الدين والإيمان، ويدخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من تشبه بقوم فهو منهم ) ) [33] " [34] .
النوع الثالث: الأخلاق والعادات:
وردت نصوص في الكتاب والسنة تنهى المسلمين عن التشبه بالكفار في أخلاقهم وعاداتهم، من ذلك:
أ- الحسد:
قال الله تعالى: {وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} [البقرة:109] .
قال ابن تيمية:"فذم اليهود على ما حسدوا المؤمنين على الهدى والعلم، وقد يُبْتلى بعض المنتسبين إلى العلم وغيرهم بنوع من الحسد لمن هداه الله بعلم نافع أو عمل صالح، وهو خلق مذموم مطلقًا، وهو في هذا الموضع من أخلاق المغضوب عليهم" [35] .
وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء... ) )الحديث [36] .
ب- النهي عن التشبه بالمشركين في دعوى الجاهلية:
عن جابر رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ثاب معه ناس من المهاجرين حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعّاب فكَسَع [37] أنصاريًا، فغضب الأنصاري غضبًا شديدًا حتى تداعوا، وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( ما بال دعوى الجاهلية؟ ) )ثم قال: (( ما شأنهم؟ ) )فأخبر بكسعة المهاجري الأنصاري، قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( دعوها فإنها منتنة ) ) [38] .
ج- اللباس والزينة:
قال الله تعالى: {وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلاَ تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى} [الأحزاب:33] .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) ) [39] .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (لا تبد العورة، ولا تستن بسنة الجاهلية) [40] .
وعن ابن مسعود قال: (لا يشبه الزي الزي حتى تشبه القلوب القلوب) [41] .
وقال حذيفة رضي الله عنه: (من تشبه بقوم فهو منهم، ولا يُشْبه الزي الزي حتى يشبه الخلُق الخلُق) [42] .
[1] انظر: رسالة (من تشبه بقوم فهو منهم) (ص 17) ، والتدابير الواقية من التشبه بالكفار (2/462-510) .
[2] أخرجه مسلم في المساجد (532) .
[3] أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (19/352) .
[4] أخرجه البخاري في الجنائز, باب: ما جاء في قبر النبي صلى الله عليه وسلم (1390) , ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة, باب: النهي عن بناء المساجد على القبور (529) .
[5] أخرجه مسلم في الحيض, باب: جواز غسل الحائض رأس زوجها (302) .
[6] اقتضاء الصراط المستقيم (1/215-216) .
[7] أخرجه البخاري في الأذان, باب: بدء الأذان (604) , ومسلم في الصلاة, باب: بدء الأذان (377) .
[8] الشبور: البوق. انظر: النهاية في غريب الحديث (2/440) .
[9] أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب: بدء الأذان (498) ، وصححه ابن حجر في الفتح (2/81) ، والألباني في صحيح سنن أبي داود (468) .
[10] اقتضاء الصراط المستقيم (1/356) .
[11] أخرجه البخاري في الصلاة, باب: التوجه نحو القبلة حيث كان (399) واللفظ له, ومسلم في المساجد ومواضع الصلاة, باب: تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة (525) .
[12] جامع البيان (3/173-174) طبعة محمود شاكر.
[13] أخرجه مسلم في الصلاة, باب: ائتمام المأموم بالإمام (413) .
[14] أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعال (652) ، وصححه ابن حبان (2186) ، والحاكم (956) ، وهو في صحيح سنن أبي داود (607) .