فهرس الكتاب

الصفحة 1253 من 3028

وقد ورد في السنة النبوية على جهة التفصيل نصوص كثيرة في النهي عن التشبه بالكافرين في العبادات، ومنها:

1-في باب الطهارة:

عن أنس رضي الله عنه أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها ولم يجامعوهن في البيوت، فسأل أصحاب النبيِ صلى الله عليه وسلم النبيَ صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النّسَاء فِي الْمَحِيضِ} إلى آخر الآية [البقرة:222] ، فقال رسول صلى الله عليه وسلم: (( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ) )، فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا: يا رسول الله، إن اليهود تقول: كذا وكذا، فلا نجامعُهُنَّ؟ فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننّا أن قد وجد عليهما، فخرجا فاستقبلهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأرسل في آثارهما، فسقاهما، فعرفا أن لم يجد عليهما [5] .

قال ابن تيمية:"فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من مخالفة اليهود، بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم، حتى قالوا: ما يريد أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه, ثم إن المخالفة كما سنبينه تارة تكون في أصل الحكم، وتارة في وصفه."

ومجانبة الحائض لم يخالَفوا في أصله، بل خولفوا في وصفه، حيث شرع الله مقاربة الحائض في غير محل الأذى، فلما أراد بعض الصحابة أن يعتدي في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الباب ـ أي: باب الطهارة ـ كان على اليهود فيه أغلال عظيمة، فابتدع النصارى ترك ذلك كله، حتى أنهم لا ينجسون شيئًا بلا شرع من الله، فهدى الله الأمة الوسط بما شرعه لها إلى وسط من ذلك، وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضًا مشروعًا، فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه مقاربةٌ لليهود، وملابسة ما شرع الله اجتنابه مقاربة للنصارى، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم" [6] ."

2-في باب الأذان والصلاة:

أ- مخالفة أهل الكتاب في طريقة النداء للصلاة:

عن ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيّنون الصلاة, ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا بلال، قم فنادِ بالصلاة ) ) [7] .

وجاء تعليل انصرافه صلى الله عليه وسلم عن البوق والناقوس لكونهما من أمر اليهود والنصارى في حديث أبي عمير بن أنس عن عمومة له من الأنصار قال: اهتمّ النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يعجبه ذلك، قال: فذكر له القُنْع ـ يعني الشَّبُّور [8] ـ فلم يعجبه ذلك، وقال: (( هو من أمر اليهود ) )، قال: فذكر له الناقوس، فقال: (( هو من أمر النصارى ) )، فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم لهمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأري الأذان في منامه، قال فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: يا رسول الله، إني لبين نائم ويقظان، إذ أتاني آت فأراني الأذان... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا بلال، قم فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله ) )، قال: فأذّن بلال [9] .

قال ابن تيمية:"إن النبي صلى الله عليه وسلم لما كره بوق اليهود المنفوخ بالفم وناقوس النصارى المضروب باليد علّل هذا بأنه من أمر اليهود، وعلل هذا بأنه من أمر النصارى، لأن ذكر الوصف عقيب الحكم يدل على أنه علة له، وهذا يقتضي كراهية هذا النوع من الأصوات مطلقًا في غير الصلاة أيضًا لأنه من أمر اليهود والنصارى، فإن النصارى يضربون بالنواقيس في أوقات متعدِّدة غير أوقات عباداتهم. وإنما شعار الدين الحنيف الأذان المتضمن للإعلان بذكر الله، الذي به تفتح أبواب السماء، فتهرب الشياطين، وتنزل الرحمة" [10] .

ب- مخالفة اليهود في استقبال القبلة:

عن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صلىّ نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [البقرة:144] ، فتوجه نحو الكعبة، وقال السفهاء من الناس ـ وهم اليهود ـ: {مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَآء إِلَى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة:142] ، فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم رجلٌ، ثم خرج بعدما صلى فمر على قوم من الأنصار في صلاة العصر نحو بيت المقدس، فقال: هو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه توجّه نحو الكعبة، فتحرّف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة [11] .

قال مجاهد:"قالت اليهود: يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا, فكان يدعو الله جل ثناؤه، ويستفرض القبلة، فنزلت: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [البقرة:144] ، وانقطع قول يهود: يخالفنا ويتبع قبلتنا! في صلاة الظهر، فجعل الرجال مكان النساء، والنساء مكان الرجال" [12] .

ج- النهي عن قيام المأمومين والإمام قاعد:

عن جابر رضي الله عنه قال: اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسْمِعُ الناس تكبيره، فالتفت إلينا فرآنا قيامًا، فأشار إلينا فقعدنا، فصلينا بصلاته قعودًا، فلما سلّم قال: (( إن كدتم آنفًا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائمًا فصلوا قيامًا، وإن صلى قاعدًا فصلوا قعودًا ) ) [13] .

د- الأمر بالصلاة في النعال لمخالفة أهل الكتاب:

عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( خالفوا اليهود، فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم ) ) [14] .

قال الألباني:"فأمر صلى الله عليه وسلم بمخالفة اليهود مطلقًا، فهو دليل على أن جنس المخالفة أمر مقصود للشارع، ثم خص بالذكر مخالفتهم بالصلاة في النعال والخفاف، وليس ذلك من قبيل تخصيص العام أو تقييد المطلق، بل هو من قبيل ذكر بعض أفراد العام" [15] .

3-في باب الصيام:

أ- الترغيب في السحور:

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر ) ) [16] .

قال النووي:"معناه: الفارق والمميز بين صيامنا وصيامهم السحور، فإنهم لا يتسحرون, ونحن يستحب لنا السحور" [17] .

ب- الترغيب في تعجيل الفطر مخالفةً لأهل الكتاب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يزال الدين ظاهرًا ما عجّل الناس الفطر، لأن اليهود والنصارى يؤخرون ) ) [18] .

قال الطيبي:"في هذا التعليل دليل على أن قوام الدين الحنيفي على مخالفة الأعداء من أهل الكتاب، وأن في موافقتهم تلفًا للدين" [19] .

وقال ابن تيمية:"وهذا نص في أن ظهور الدين الحاصل بتعجيل الفطر لأجل مخالفة اليهود والنصارى, وإذا كان مخالفتهم سببًا لظهور الدين فإنما المقصود بإرسال الرسل أن يظهر دين الله على الدين كله، فيكون نفس مخالفتهم من أكبر مقاصد البعثة" [20] .

ج- النهي عن الوصال في الصوم لمخالفة النصارى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت