وإن تعجب من تفشي هذه المظاهر في البلاد المسلمة ، فالعجب الأكبر من قبول كثير من المسلمين ورضاهم بها حتى أصبحت الغيرة على حرمات الله في قلوبهم نسيًا منسيًا .
ولعلنا نعرض في مايلي طرفًا من المظاهر المتعلقة بهذا الموضوع والتي تبين مدى ضعف الغيرة في قلوب فئام من المسلمين . والله المستعان .
1 )فمن أعظم مظاهر ضعف الغيرة ما يقع من فعل الفاحشة بالمحارم أو المتاجرة بأعراضهن .
وقد جاء من الوعيد الشديد على الدياثة ما يطير منه فؤاد المؤمن خوفًا ورهبة .
فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة قد حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر ، والعاق ، والديوث الذي يقر في أهله الخبث . رواه أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع ( 3052 )
وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة أبدًا الديوث ، والرَّجُلة من النساء ، ومدمن الخمر . رواه الطبراني وصححه الألباني في صحيح الجامع ( 3062 )
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه ، والمرأة المترجلة المتشبهة بالنساء ، والديوث . رواه احمد والنسائي والحاكم وصححه الألباني في صحيح الجامع ( 3071 )
قال المناوي: والديوث فيعول من ديثت البعير إذا دللته ولينته بالرياضة فكأن الديوث ذلل حتى رأى المنكر بأهله فلا يغيره . ورجلة النساء بفتح الراء وضم الجيم وفتح اللام أي المتشبهة بالرجال في الزي والهيئة لا في الرأي والعلم فإنه محمود . وقال الذهبي فيه أن هذه الثلاثة من الكبائر ، قال: فمن كان يظن بأهله الفاحشة ويتغافل لمحبته فيها فهو دون من يعرس عليها ولا خير فيمن لا غيرة فيه ، والقوادة التي لا تزال بالحرة حتى تصيرها بغيًا عليها وزران .ا.هـ فيض القدير ج: 3 ص: 327
2 )تهافت الناس زرافات ووحدانًا على السفر إلى بلاد العهر والفجور ليعرضوا أزواجهم وبناتهم للفتن . فما إن تقلع الطائرة من بلاد المسلمين ألا ويكون الحجاب نسيًا منسيًا إما بإقرار الزوج وتلك عظيمة ، وإما بأمره وهذه أعظم .
3 )إدخال كثير من الناس آلات الفساد كالتلفاز وأجهزة استقبال البث الفضائي إلى منزله حيث تبث الرذيلة ،وتهيج الشهوة ،وتدعو إلى الفاحشة ، وتفسد النساء في الخدور .
• نزل الحطيئة برجل من العرب ومعه ابنته مليكة فلما جنه الليل سمع غناء فقال لصاحب المنزل:كف هذا عني فقال: وما تكره من ذلك فقال: إن الغناء رائد من رادة الفجور ولا أحب أن تسمعه هذه يعني ابنته فإن كففته والإ خرجت عنك . إغاثة اللهفان ج: 1 ص: 246
• عن خالد بن عبدالرحمن قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل فأرسل إليهم بكرة فجىء بهم فقال: إن الفرس ليصهل فتستودق له الرمكة وإن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة وإن التيس لينب فتستحرم له العنز وأن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة ثم قال: اخصوهم فقال عمر بن عبد العزيز: هذه المثلة ولا تحل فخل سبيلهم .قال: فخلى سبيلهم . إغاثة اللهفان ج: 1 ص: 246
4 )تساهل كثير من الرجال في ركوب نسائه متبرجات متعطرات مع السائق أو سيارة الأجرة بلا محرم ، أو سفرهن بدون محرم .
5 )انتشار الخدم والسائقين في البيوت واختلاطهم بالمحارم مما يكون سببًا في الفتنة .
• كان سيف الدين غيورًا شديد الغيرة ، لم يترك أحدًا من الخدم يدخل دور نسائه إذا كبر ، إنما يدخل عليهن الخدم الصغار . كتاب الروضتين في أخبار الدولتين النورية ج: 3 ص: 62
6 )استقدام بعض الأسر الخادمات إلى بيوتهم بلا محرم واختلاطهن بالرجال في البيوت لاسيما الشباب . وهذا باب من الفتنة عظيم ، وكم حدث بسببه من أمور يندى لها الجبين .
7 )تساهل بعض الرجال في ذهاب نسائه إلى الطبيب الرجل ليكشف على عوراتهن - بل وأحيانًا العورة المغلظة - بدعوى الحاجة إلى العلاج مع عدم مراعاة الضوابط الشرعية ، ومنها: الحاجة إلى التداوي ، ألا يلجأ إلى الطبيب الرجل إلا إذا عدمت الطبيبة ، ألا يلجأ إلى الطبيب الكافر إلا إذا عدم المسلم ، أن يكون الكشف بحضور محرم المرأة لعموم تحريم الخلوة والأمر هنا أشد ، أن يقتصر الكشف على موضع الحاجة فقط دون غيره .
8 )ظاهرة إنتشار محلات التصوير النسائية فيأتي الرجل بمحارمة إلى هذه الأماكن وهن في أبهى حلة لتلتقط لهن الصور ويطلع عليها من شاء من العاملات اللواتي قد لا يكون عندهن من الخوف من الله أو من الخلق ما يمنعهن من أن يطلعن أحدًا من الرجال على هذه الصور أو نشرها .
9 )تصوير النساء في الأعراس . فيقوم ذوو الزوجين بتصويرهما في ليلة زواجهما ، وتتنقل هذه الصور بين الرجال والنساء . فتبًا لها من بداية مخزية للحياة الزوجية أن يرضى الرجل أن تتنقل صورة زوجته بين أيدي الرجال .
10 )انتشار الألبسة الفاضحة المخلة بالحياء في أوساط النساء ، كالألبسة العارية والبنطلونات التي تصف جسد المرأة ، بل وحتى العباءة وغطاء الرأس لم يسلما من الحملة الشرسة على شخصية المرأة المسلمة في لباسها وحشمتها وعفافها .
وإن تعجب من امرأة تمشي أمام الناس بهذه الملابس أو العباءة أو النقاب فالعجب كله من رجل يمشي بجوارها لا يحرك ساكنًا ولا ينكر منكرًا ، وإذا نوصح أزبد وأرعد واتهم الناصح الغيور بالتدخل في شئونه الخاصة . والله المستعان .
بل قد وجد من بعض ضعفاء الايمان وأتباع كل ناعق ممن بهرتهم حضارة الغرب فانطفأت نار الغيرة في قلوبهم أن أحدهم والعياذ بالله يأمر أهله بارتداء هذه الملابس وعدم الالتزام بالحجاب لأنه ـ كما يزعم ـ من التخلف والرجعية .
11 )ما يحدث في بعض المجتمعات والأسر من أختلاط الأقارب وعدم احتجاب المرأة عن أقارب زوجها .
12 )ما يحدث في بعض برامج القنوات الفضائية من اللقاءات مع الفنانين واللاعبين وتلقي اتصالات المعجبين والمعجبات التي لا تخلو من الخضوع بالقول والميوعة وإثارة الشهوة .
13 )ما تقوم به بعض المجلات الساقطة بما يسمى ( ركن التعارف ) أو ( المراسلة ) حيث العلاقات المشبوهة بين الجنسين و رسائل الحب والغرام .
14 )قيام بعض الأسر بإرسال أبنائها وبناتها بمفردهم إلى بلاد الكفر والفساد بدعوى الدراسة . وأعظم من هذا ما يعرف بنظام المعيشة في أسرة كافرة بدعوى تعلم اللغة .
تلكم هي بعض الأسباب ، وما لم نذكره كثير . والله المستعان .
5 )أسباب ضعف الغيرة:
1 )ضعف الإيمان ( المعاصي ) :
الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية ، وبقدر إيمان العبد تكون غيرته وتعظيمه حرمات ربه ، ومثل المعصية والغيرة كمثل الماء والنار ، فكلما هاجت أمواج المعصية خبت نار الغيرة في القلب .
قال ابن القيم:"فصل: ومن عقوباتها [ أي المعاصي ] أنها تطفيء من القلب نار الغيرة التي هى لحياته وصلاحه كالحرارة الغريزية لحياة جميع البدن ، فإن الغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة كمال يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد وأشرف الناس وأعلاهم قدرًا وهمة أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس ولهذا كان النبي أغير الخلق على الأمة والله سبحانه أشد غيرة منه ."
..... فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته ومن وافق الله في صفه من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه ، وأدخلته على ربه وأدنته منه وقربته من رحمته وصيرته محبوبًا له .