• وإذا استعانت المرأة المؤمنة بالله تعالى فإنه بلطفه ورحمته يخفف عنها ما تجد من آثار الغيرة فلا تتجاوز حدود الطبيعة البشرية . فعن حبيب بن أبي ثابت قال: قالت أم سلمة: أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمني وبيننا حجاب فخطبني . فقلت: وما تريد إلي ، ما أقول هذا إلا رغبة لك عن نفسي إني امرأة قد أدبر من سني ، وإني أم أيتام وأنا شديدة الغيرة وأنت يا رسول الله تجمع النساء . قال: أما الغيرة فيذهبها الله وأما السن فأنا أكبر منك وأما أيتامك فعلى الله وعلى رسوله ، فأذنت فتزوجني . سير أعلام النبلاء ج: 2 ص: 204 ـ205
• وعن عبد الرحمن بن الحارث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ومعه في ذلك السفر صفية بنت حيي وأم سلمة ، فأقبل رسول الله إلى هودج صفية بنت حيي وهو يظن أنه هودج أم سلمة وكان ذلك اليوم يوم أم سلمة ، فجعل رسول الله يتحدث مع صفية . فغارت أم سلمة وعلم رسول الله بعد أنها صفية فجاء إلى أم سلمة فقالت: تتحدث مع ابنة اليهودي في يومي وأنت رسول الله !! قالت: ثم ندمت على تلك المقالة . فكانت تستغفر منها . قالت: يا رسول الله استغفر لي فإنما حملني على هذا الغيرة . الطبقات الكبرى ج: 8 ص: 95
تأمل هذا الموقف . فالمرأة المؤمنة وإن مسها طائف من الغيرة بحكم الجبلة الإنسانية فإنها ما تلبث أن تطرد هذا الطائف بإيمانها بالله تعالى واستعانتها به عز وجل .
3 )أقسام الناس في الغيرة:
وهنا انقسم بنو آدم أربعة اقسام:
1] قوم لا يغارون على حرمات الله بحال ولا على حرمها . مثل الديوث والقواد وغير ذلك ومثل أهل الاباحة الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق . ومنهم من يجعل ذلك سلوكًا وطريقًا واذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله امرنا بها قل ان الله لا يأمر بالفحشاء سورة الاعراف 28
2] وقوم يغارون على ما حرمه الله ، وعلى ما أمر به مما هو من نوع الحب والكره يجعلون ذلك غيرة ، فيكره أحدهم من غيره أمورًا يحبها الله ورسوله . ومنهم من جعل ذلك طريقًا ودينًا ويجعلون الحسد والصد عن سبيل الله وبغض ما أحبه الله ورسوله غيرة .
3] وقوم يغارون على ما أمر الله به دون ما حرمه . فتراهم في الفواحش لا يبغضونها ولا يكرهونها بل يبغضون الصلوات والعبادات كما قال تعالى فيهم فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيًا سورة مريم 59
4] وقوم يغارون مما يكرهه الله ويحبون ما يحبه الله . هؤلاء هم أهل الإيمان . الاستقامة ج: 2 ص: 7
4 )من مظاهر ضعف الغيرة:
يوم أن تتنكب البشرية طريق ربها ، وتنحرف عن مبادئها فإنها تفقد كرامتها وعزتها ، حتى إنها لتلحق بالبهائم التي لا تراعي خلقًا ولا تؤمن بمبدأ .
وقد حفل التاريخ البشري بصور مخزية من مظاهر ضعف الغيرة ، هي في الواقع صفحات سوداء في التاريخ ، ووصمة عار في جبين الإنسانية .
فمن ذلك ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيصدقها ثم ينكحها .
ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وإنما يفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح نكاح الاستبضاع .
ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو ابنك يا فلان تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها لا يستطيع أن يمتنع به الرجل .
ونكاح الرابع يجتمع الناس الكثير فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودعي ابنه لا يمتنع من ذلك فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم . رواه البخاري 5127
وقال ياقوت الحموي في كلام عن إحدى القبائل ، قال: والزنا بينهم كثير غير محظور وهم أصحاب قمار يقامر أحدهم غيره بزوجته وابنه وابنته وأمه فما دام في مجلس القمار فللمقمور أن يفادى ويفك فإذا انصرف القامر فقد حصل له ما قمر به يبيعه من التجار كما يريد . والجمال والفساد في نسائهم ظاهر وهم قليلو الغيرة فتجيء ابنة الرئيس فمن دونه أو امرأته أو أخته الى القوافل اذا وافت البلد فتعرض للوجوه فإن أعجبها إنسان أخذته إلى منزلها وأنزلته عندها وأحسنت إليه وتصرف زوجها وأخاها وولدها في حوائجه ولم يقربها زوجها مادام من تريده عندها إلا لحاجة يقضيها ثم تتصرف هي ومن تختاره في أكل وشرب وغير ذلك بعين زوجها لا يغيره ولا ينكره . معجم البلدان ج: 3 ص: 443
وقال ابن بطوطة في وصف ( إيوالاتن ) : ولنسائها الجمال الفائق وهن أعظم شأنا من الرجال وشأن هؤلاء القوم عجيب وأمرهم غريب فأما رجالهم فلا غيرة لديهم ... وأما نساؤهم فلا يحتشمن من الرجال ولا يحتجبن مع مواظبتهن على الصلوات ... والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب وكذلك للرجال صواحب من النساء الأجنبيات ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها فلا ينكر ذلك .
دخلت يوما على القاضي بايوالاتن بعد إذنه في الدخول فوجدت عنده امرأة صغيرة السن بديعة الحسن فلما رأيتها ارتبت وأردت الرجوع فضحكت مني ولم يدركها خجل وقال لي القاضي لم ترجع إنها صاحبتي فعجبت من شأنهما فإنه من الفقهاء الحجاج وأخبرت أنه استأذن السلطان في الحج في ذلك العام مع صاحبته لا أدري أهي هذه أم لا فلم يأذن له .
دخلت يوما على أبي محمد بن يندكان المسوفي الذي قدمنا في صحتبه فوجدته قاعدا على بساط وفي وسط داره سرير مظلل عليه امرأة معها رجل قاعد وهما يتحدثان فقلت له ما هذه المرأة فقال هي زوجتي فقلت وما الرجل الذي معها فقال هو صاحبها فقلت له أترضى بهذا وأنت قد سكنت بلادنا وعرفت أمور الشرع فقال لي مصاحبة النساء للرجال عندنا على خير وحسن طريقة لا تهمة فيها ولسن كنساء بلادكم فعجبت من رعونته وانصرفت عنه فلم أعد إليه بعدها واستدعاني مرات فلم أجبه . رحلة ابن بطوطة ج: 2 ص: 776ـ777
وبعد هذه القرون السالفة حل هذا الزمن زمن التقدم والحضارة بفتنه وشهواته ليضيف فجاره وأشقياؤه إلى صفحات التاريخ الغابر صورًا أبشع مما سطره أسلافهم وأشنع ، ففشت الفاحشة واستُمرِئت ، وانتشرت الرذيلة وقُنِّنت ، وانطفأت نار الغيرة في قلوب أشباه الرجال وخبت .
نعم .. لقد بلغت فئام من البشر اليوم دركًا منحطًا من اللا أخلاقية والبهيمية لم تبلغه المجتمعات الجاهلية الأولى . فلا يمكن أن نحصي صور الانحلال الخلقي المشين والانتكاس البهيمي المهين التي عم عارها واستعرت نارها في عامة المجتمعات ، وبالأخص في المجتمعات الغربية الكافرة .
والأسرة المسلمة - حرسها الله - لم تكن بمعزل عن هذه المجتمعات المأفونة . فقد أجلب عليها أعداؤها بخيلهم ورَجِلهم ليفسدوا أخلاقها ، ويصدوها عن دينها ، حتى ظهرت في مجتمعات المسلمين مظاهر شتى من الفساد الخلقي فمُقِلٌّ ومستكثر .