فهرس الكتاب

الصفحة 123 من 3028

الغيرة هي الحمية والأنفة يقال: رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء لأن فعولًا يشترك فيه الذكر والأنثى ، وفي رواية امرأة غيرى هي فعلى من الغيرة ، والمغيار الشديد الغيرة ... والعرب تقول أغير من الحمّى أي أنها تلازم المحموم ملازمة الغيور لبعلها . لسان العرب ج: 5 ص: 41

• الغيرة صفة من صفات الله عز وجل:

عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا أمة محمد ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته تزني يا أمة محمد لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا . رواه البخاري ج: 5 ص: 2002 ح 4923

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله يغار وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله . رواه البخاري ج: 5 ص: 2002 ح 4925

وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى [ 6 / 120 ] اتصاف الله تعالى بهذه الصفة ، والأدلة على ذلك ، وأنها صفة كمال ، كما رد على من زعم أنها انفعالات نفسية .

وعن المغيرة رضي الله عنه قال: قال سعد بن عبادة رضي الله عنه: لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: تعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه والله أغير مني ومن أجل غيرة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة . صحيح البخاري ج: 6 ص: 2698 ح 6980

قال ابن القيم: فجمع في هذا الحديث بين الغيرة التي أصلها كراهة القبائح وبغضها وبين محبة العذر الذي يوجب كمال العدل والرحمة والاحسان والله سبحانه مع شدة غيرته يحب إن يعتذر اليه عبده ويقبل عذر من اعتذر إليه وأنه لايؤاخذ عباده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر إليهم ولأجل ذلك أرسل رسله وأنزل كتبه إعذارًا وإنذارًا . وهذا غاية المجد والاحسان ونهاية الكمال فإن كثيرًا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة الغيرة على سرعة الإيقاع والعقوبة من غير إعذار منه ومن غير قبول العذر ممن اعتذر اليه بل قد يكون له في نفس الامر عذر ولاتدعه شدة الغيرة أن يقبل عذره ، وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة الغيرة حتى يتوسع في طريق المعاذير ويرى عذرًا ما ليس بعذر حتى يعذر كثيرًا منهم بالعذر ، وكل منهما غير ممدوح على الاطلاق . وإنما الممدوح اقتران الغيرة بالعذر فيغار في محل الغيرة ويعذر في موضع العذر ومن كان هكذا فهو الممدوح حقًا . الجواب الكافي ج: 1 ص: 43ـ 45

2 )أنواع الغيرة:

• عن جابر بن عتيك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من الغيرة ما يحب الله ومن الغيرة ما يبغض الله فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في الريبة ، وأما الغيرة التي يبغض الله فالغيرة في غير ريبة . رواه أحمد (5/445) وأبو داود (2659) والنسائي ( 1/356) وصححه الألباني في إرواء الغليل ( 1999 )

• عن علي بن أبي طالب قال: الغيرة غيرتان غيرة حسنة جميلة يصلح بها الرجل أهله ، وغيرة تدخله النار تحمله على القتل فيقتل . رواه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة ج: 2 ص: 226 وقال: إسناده صحيح .

• عن يحيى بن أبي كثير قال: قال سليمان لابنه: لا تكثر الغيرة على أهلك ولم تر منها سوءً ، فتُرمى بالشر من أجلك وإن كانت منه بريئة . حلية الأولياء ج: 3 ص: 71

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالغيرة المحبوبة هي ما وافقت غيرة الله تعالى وهذه الغيرة هي أن تنتهك محارم الله وهي أن تؤتى الفواحش الباطنة والظاهرة . لكن غيرة العبد الخاصة هي من أن يشركه الغير في أهله فغيرته من فاحشة أهله ليست كغيرته من زنا الغير لأن هذا يتعلق به وذاك لا يتعلق به إلا من جهة بغضه لمبغضة الله ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي في غيرته على أهله وأعظم ذلك امرأته ثم أقاربه ومن هو تحت طاعته ، ولهذا كان له إذا زنت أن يلاعنها لما عليه في ذلك من الضرر بخلاف ما إذا زنا غير امرأته ، ولهذا يحد قاذف المرأة التي لم يكمل عقلها ودينها إذا كان زوجها محصنًا في أحد القولين وهو إحدى الروايتين عن أحمد .اهـ

ثم ذكر رحمه الله أنواعًا من الغيرة يمكن إجمالها في الأنواع التالية:

1)الغيرة الواجبة: وهي ما يتضمنه النهي عن المخزي .

2)الغيرة المستحبة: وهي ما أوجبت المستحب من الصيانة .

3)الغيرة المنهي عنها: وهي الغيرة في مباح لا ريبة فيه فهي مما لا يحبه الله بل ينهى عنه إذا كان فيه ترك ما أمر الله . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن".

4)الغيرة الطبعية: كغيرة النساء بعضهن من بعض فتلك ليس مأمورًا بها لكنها من أمور الطباع كالحزن على المصائب . الاستقامة ج: 2 ص: 7

وقد جاء في هذا النوع الأخير جملة من الحوادث في سيرته صلى الله عليه وسلم مع أزواجه منها:

• عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول غارت أمكم ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها فدفع الصحفة الصحيحة إلى التي كسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت . رواه البخاري ج: 5 ص: 2003 ح 4927

• ونقل الذهبي في السير عن عائشة أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها فذكرها يومًا فحملتني الغيرة فقلت: لقد عوضك الله من كبيرة السن . قالت: فرأيته غضب غضبًا أسقطت في خلدي وقلت في نفسي اللهم إن أذهبت غضب رسولك عني لم أعد أذكرها بسوء فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما لقيت قال:كيف قلت والله لقد آمنت بي إذ كذبني الناس وآوتني إذ رفضني الناس ورزقت منها الولد وحرمتموه مني . قالت: فغدا وراح علي بها شهرًا .

وقالت عائشة: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها.

قلت [ والقائل الذهبي ] : وهذا من أعجب شيء أن تغار رضي الله عنها من امرأة عجوز توفيت قبل تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة بمديدة ثم يحميها الله من الغيرة من عدة نسوة يشاركنها في النبي صلى الله عليه وسلم فهذا من ألطاف الله بها وبالنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يتكدر عيشهما ولعله إنما خفف أمر الغيرة عليها حب النبي صلى الله عليه وسلم لها وميله إليها فرضي الله عنها وأرضاها . سير أعلام النبلاء ج: 2 ص: 112 و ج: 2 ص: 165

• بل وأعظم من هذا أن تعمي الغيرة المرأة فترى الأمور على غير حقيقتها . فعن عائشة قالت: لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة حزنت حزنًا شديدًا لما ذكروا لنا من جمالها فتلطفت حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن ، فذكرت ذلك لحفصة - وكانتا يدًا واحدة - فقالت: لا والله إن هذه إلا الغيرة ما هي كما تقولين وإنها لجميلة . فرأيتها بعد فكانت كما قالت حفصة ولكني كنت غيرى . سير أعلام النبلاء ج: 2 ص: 209

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت